ثمة ظاهرة ملفتة هي أن السلاجقة العظام بقيادة السلطان بركيارق وأتابكتهم في الموصل وسلاجقة الشام أحجموا عن التحرك في تلك المرحلة لمساعدة إخوانهم سلاجقة الروم ضد الصليبيين كما لم يحاولوا الحد من توسعهم في شمالي بلاد الشام والعراق ولا الاستفادة من الوضع السيء الذي باتوا فيه عقب وقوع بوهيموند في الأسر (1)، لتحويل مسار الحركة الصليبية في الشرق الإسلامي وطرد الصليبيين من ربوعه، على الرغم من أن السلاجقة العظام كانوا يُشكلون القوة الإسلامية الرئيسة في العالم الإسلامي السني آنذاك.
لقد وقف السلاجقة العظام يُشاهدون زحف جموع الصليبيين إلى بلاد الشام عبر آسيا الصغرى من دون أن يتحركوا للتصدي لهم، وارتضوا بأن تقوم القوى التركية القوية أو الضعيفة المبعثرة بمحاربتهم، كما لم يشاركوا في الجهاد للقضاء على الإمارات الصليبية الشمالية التي هدَّدت سلامة الخلافة العباسية في بغداد.
الواقع أن انشقاق السلاجقة العظام وانقسام صفوفهم، والنزاع الداخلي بين زعمائهم وقادتهم هو السبب الذي أدى بهم إلى هذا التصرف، إذ ترافق انتصار انحلال السلطة المركزية، وضعف سيطرة السلطان بركياروق على الصليبيين مع مختلف حكام الأقاليم كما اشتد النزاع بين أمراء السلاجقة وبين قادتهم، ما زاد في ضعف قوتهم، وتعذر عليهم بالتالي القيام بأي عمل ضد الصليبيين في آسيا الصغرى وفي شمالي بلاد الشام ولعل أبرز النزاعات الداخلية المسلحة، النزاع
الذي نشب بين السلطان بركياروق وبين أخيه السلطان محمد، والقتال الذي جرى بين القادة العسكريين وولاة الأمور حول حكم الموصل، عقب وفاة حاكمها كربوغا في (ذي الحجة 495هـ/ أيلول 1102م) (2)، فتأثرت سائر الأقاليم التابعة للدولة السلجوقية بهذه الأحداث، فعم الفساد، وانتهبت الأموال، وأحرقت القرى، وتداعت الحكومة المركزية في حين علا شأن أمراء الأطراف.
ولا تقل الخصومات التي نشبت بين أفراد البيت السلجوقي في بلاد الشام، حدة الانقسامات بين أفراد البيت السلجوقي في خراسان وإيران، فانقسمت بلاد الشام نتيجة ذلك إلى قسمين: فحكم رضوان بن تتش حلب في حين حكم أخوه دقاق دمشق وشغل الأخوان بالنزاعات الأسرية، فكل واحد يتربص بالآخر وينوي السيطرة على أملاكه فتبادلا الحرب الدامية، فهاجم رضوان دمشق أكثر من مرة، وبادله دقاق بمهاجمة حلب إلا أنه فشل في دخولها (3)، كما راودت كلا الأخوين أحلام التوسع الإقليمي على حساب جيرانه. فقد أراد رضوان السيطرة على منطقة شمالي بلاد الشام على حساب الأرائقة، ومما زاد في حدة الانقسامات، والتفتت الداخلي، النزاعات التي نشبت بين أمراء الأطراف ومناصرتهم لكل من الأخوين.
والواضح أن السلاجقة بعامة لم يعوا خطورة الوضع السياسي الناجم عن الغزو الصليبي إلا عندما وصل الصليبيون إلى أنطاكية وأسسوا إمارة الرها، حيث دفعوا أمراء الأطراف للاصطدام بهم كما اشترك رضوان في الجيش الإسلامي الذي أرسل لنجدة أنطاكية.
.............................................
(1) خرج بوهیموند أمير أنطاكية من مدينته في عام (493 هـ / 1100م) بناء على دعوة جبريل صاحب ملطية لمساعدته ضد كمشتكين أحمد دانشمند الطامع في ضمها إلى أملاكه فوقع في أسر هذا الأخير ابن القلانسي: ص 223-224 ابن الاثير جـ 8 ص 438. فوشيه شارتر: ص 84.
(2) انظر حول هذا الصراع ابن الأثير: جـ 8 ص 471 - 473.
(3) المصدر نفسه: ص 502، 503. الحسيني: ص 78.