قال العلّامة بعد شرح وجيز: ذكر هذا المتكلّم في كلام له طويل فقال: إنّ ذلك كان اجتهاداً من رسول الله فيما لا وحي فيه من الله وهو جائز وواقع من الأنبياء عليهم السلام. وليسوا بمعصومين من الخطأ فيه؛ وإنّما العصمة المتّفق عليها خاصّة بتبليغ الوحي ببيانه والعمل به؛ فيستحيل على رسول الله أن يكذب أو يُخطِئ فيما يبلّغه عن ربّه أو يخالفه بالعمل.
ومن هذا الخطأ في الاجتهاد ما جاء في سورة الأنفال، إذ عاتب الله رسوله في أخذ الفدية من اسارى بدر حيث قال: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ[1].
«لا حقّ لأيّ نبيّ أن يكون له أسرى. وما عليه إلّا أن يواصل القتال حتّى تتلطّخ الأرض من دم المشركين والأدناس، وعليه أن يريق دماً كثيراً في الأرض. فأنتم أيّها المؤمنون من أصحاب رسولنا تريدون الدنيا طمعاً في متاعها المؤقّت وحطامها الزائل، والله يريد لكم نعمة الآخرة الدائمة الخالدة، والله عزيز حكيم (عمله من وحي الاستقلال والعزّة، ومن وحي الحكمة). ولو لم يجر حكم الله الأزليّ في كتاب التقدير من قبل لمسّكم عذاب عظيم في الفدية التي أخذتموها من الأسرى وأطلقتموهم!»
وكلامه هذا ككلامه الآخر فاسد ولا يمكن قبوله، لأنّ الآية بلفظها لا تعاتب على أخذ الفدية من الأسرى، وإنّما تعاتب على نفس أخذ الأسرى، ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى ... ولم تنزل آية وما وردت رواية في أنّ النبيّ كان أمرهم بالأسر؛ بل روايات القصّة تدلّ على أنّ النبيّ لمّا أمر بقتل بعض الأسرى، خاف الأصحاب أن يقتلهم عن آخرهم. فلهذا كلّموه وألحّوا عليه في أخذ الفدية منهم وقالوا: إنّنا نجهّز جيشنا ونتقوّى على أعداء الدين بالفدية التي نأخذها منهم. فردّ الله عليهم ذلك، وعدّ طلبهم عرضَ الحياة الدنيا؛ ولم يجز أخذ الأسير وإطلاقه بالفدية. وقال: على النبيّ أن يصبغ الأرض بإراقة دم المشركين فحسب. وهذا من أحسن الشواهد على أنّ العتاب في الآية متوجّه إلى المؤمنين خاصّة من غير أن يختصّ به النبيّ أو يشاركهم فيه؛ وأنّ أكثر ما ورد من الأخبار في هذا المعنى موضوعة أو مدسوسة.
ويضاف إلى ذلك أنّ العتاب في الآية لو اختصّ برسول الله أو شمله وغيره، لم يكن من العتاب على ما ذكره على الذنب بمعناه اللغويّ وهو تفويت المصلحة معنى ووجه. وكيف يمكن حمل ذلك على المعصية الصغيرة والخطأ المغتفر؟ إذ يقول في ذيل هذا العتاب: لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. فلا يرتاب ذو لبّ في أنّ التهديد بالعذاب العظيم لا يتأتّى إلّا مع كون المهدّد عليه من المعصية الكبيرة، لا ترك الأولى أو الذنب والخطأ الصغير القابل للعفو والإغماض.
وهذا المعنى أيضاً من الشواهد على أنّ العتاب في الآية متوجّه إلى غير رسول الله.
وبالجملة يظهر من مطالبنا المفصّلة أن لا ذنب ولا خطأ على رسول الله، لا عُرفاً ولا لغة، وذلك بالدلالة الصريحة المستفادة من الآيات الناطقة بأنّ عدم خروج المنافقين أقرب إلى مصلحة المسلمين الحقيقيّة، وأفضل لاجتماع عسكرهم وجيشهم. إذ إنّه يجعل المسلمين مصونين أكثر من وقوع الفتنة واختلاف الكلمة.
وهذه العلّة بعينها موجودة لو لم يأذن لهم النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم. ذلك أنّه إذا لم يأذن، وأمر بالخروج، فإنّ المنافقين يظهرون ما كانوا يخفونه من كفرهم ونفاقهم. وهم لم يستعدّوا للخروج قطّ، وعند عدم الإذن، تشتد مخالفتهم ومواجهتهم لرسول الله. وكان النبيّ يعلم أنّهم غير مستعدّين للخروج، ومقام رسول الله ومكانته أجلّ من أن يخفى عليه هذا المعنى ولا يعلمه، بينما كان المنافقون بمرأى منه ومسمع، وقال الله فيهم: وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً.
ويضاف إليه أنّ الله خاطب نبيّه لأنّه يعرفهم في لحن قولهم: ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ.
وحينئذٍ كيف يخفى عليه مثل قول أحدهم: ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي. أو قول آخر في رسول الله: هُوَ أُذُنٌ. أو قول من يلمزه في الصدقات: ومِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ. وهذا الكلام كلّه من طلائع النفاق يطلع منهم، وما وراءه إلّا كفر وخلاف.
فقد كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يتوسّم منهم النفاق والخلاف؛ ويعلم بما في نفوسهم. ومع ذلك فعتابه صلّى الله عليه وآله وسلّم بأنّه لِمَ لم يكف عن الإذن ولم يستعلم حالهم ولم يميّزهم من غيرهم؟ ليس إلّا عتاباً غير جدّيّ للغرض المذكور.
وأمّا قوله الآخر: إنّ الإذن المعفو عنه قد استتبع فوت المصلحة المنصوصة في الآية: حتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ. فهو خطأ أيضاً. لأنّ الذي تشتمل عليه الآية من المصلحة هو تبيّن الذين صدقوا للنبيّ وعلمه هو بالكاذبين، لا مطلق تبيّنهم ولا مطلق العلم بالكاذبين. وقد ظهر ممّا تقدّم أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يكن يخفى عليه ذلك؛ وأنّ حقيقة المصلحة إنّما كانت في الإذن، وهي سدّ باب الفتنة واختلاف الكلمة؛ فإنّه كان يعلم من حالهم أنّهم غير خارجين البتة سواء أذن لهم في القعود أم لم يأذن. فلهذا بادر إلى الإذن حفظاً على ظاهر الطاعة ووحدة الكلمة.
وليس لك أن تتصوّر أنّه لو بان نفاقهم يومئذٍ وظهر خلافهم بعدم إذن النبيّ لهم بالقعود لتخلّص الناس من تفتينهم وإلقائهم الخلاف لما في الإسلام يومئذٍ -و هو يوم خروج النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى غزوة تبوك- من الشوكة والقوّة. وله صلّى الله عليه وآله وسلّم من نفوذ الكلمة.
وهذا التصوّر غير صحيح. فإنّ الإسلام يومئذٍ إنّما كان يملك القوّة والمهابة في أعين غير المسلمين حيث أنّهم كانوا يرتاعون من شوكته، ويعظِّمون سواد أهله؛ ويخافون حدّ سيوفهم؛ وأمّا المسلمون في داخل مجتمعهم وبين أنفسهم، فلم يخلصوا بعد من النفاق ومرض القلوب، ولم تستول عليهم بعدُ وحدة الكلمة وجدّ الهمّة والعزيمة. والدليل على ذلك نفس هذه الآيات وما يتلوها إلى آخر سورة براءة. ونزلت سورة براءة في السنة التاسعة من الهجرة.
وقد كان المنافقون تظاهروا بمثل ذلك يوم احُد. وقد هجم عليهم العدوّ في عقر دارهم، فرجع ثلث الجيش الإسلاميّ من المعركة بقيادة المنافق عبد الله بن أبي. ولم يؤثّر فيهم عِظَة ولا إلحاح حتّى قالوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ[2].
فكان ذلك أحد الأسباب العاملة في انهزام المسلمين[3].
[1] الآيتان 67 و 68، من السورة 8: الأنفال.
[2] الآية 167، من السورة 3: آل عمران؛ و تمامها: وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَ قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يِوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَانِ يَقُولُونَ بِأفْوَاهِهِم ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ وَ اللهُ أعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ.
[3] «الميزان في تفسير القرآن» ج 9، ص 267 إلى 302. و المطالب التي عزم على تفنيدها هنا من تفسير «المنار» ج 10، ص 465 و 466 للشيخ محمّد عبده المصريّ. و ألّفه سيّد محمّد رشيد رضا.