إنّ جميع الأنبياء والمرسلين الذين بعثهم الله، وكافّة الأئمّة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين وجميع المعصومين والمطهّرين من أولياء الله المقرّبين هم كسائر الناس مكلّفون ومتأدّبون بتأديب إلهيّ.
وينبغي لهم أن يجسّدوا عمليّاً كافّة الاستعدادات والقوى الفطريّة المودعة فيهم الواحدة بعد الاخرى بقدم المجاهدة والاستقامة على الطريق، وتقديم رضا الله على رضا النفس، والصبر وتحمّل الأذى في طريق الوصول إلى المطلوب سبحانه وتعالى. وبهمّة عالية وعزم وطيد وإرادة صلبة لا تلين. وأن يقطعوا المنازل والمراحل المقرّرة في طريق القرب، ولقاء الذات الأحديّة، والفناء في ذاته المقدّسة، والبقاء بالله بعد حصول مقام الفناء، ويطووا هذا الطريق باختيارهم وإرادتهم.
إنّ الاختيار الربّانيّ، والارتضاء والاصطفاء والاجتباء في عوالم الغيب وعالم الذرّ والمثال وفي العوالم النوريّة والمجرّدة والبسيطة في بدء الخليقة لا يؤدّي إلى سلب اختيارهم وإرادتهم، بل يؤيّد ويسدّد ويدعم الاختيار والإرادة.
ذلك لأنّ الله شاء أن يبعث هؤلاء الأشخاص المطهّرين والمصطفين لتبليغ رسالته وهداية عباده، وهم يقطعون هذا الطريق ويسيرون في هذا الاتّجاه باختيارهم وقبولهم عبر حبّهم لمعبودهم. فكيف يمكن- والحال هذه- أن نتصوّر أنهم يؤدّون ما عليهم من تكليف مكرهين بعصمة اضطراريّة وجبريّة بإرادة الله، وليس ذلك إلّا خُلفاً[1]، والخُلف يستلزم تغيير الإرادة الإلهيّة، وهو محال.
ولقد شاء الله أن يقوموا بالأعمال الصالحة الطاهرة من وحي اختيارهم، ويجتنبوا المعاصي والمحرّمات من وحي اختيارهم أيضاً. فلو كانت إرادة الله سبباً في سلب اختيارهم، وكانت طهارتهم وعصمتهم بشكل إجباريّ وقسريّ، فإنّ ذلك يستدعي اختلاف الإرادة عن المراد، وهو محال.
فالأنبياء والمرسلون- إذاً- مختارون كسائر الناس، وينتهجون طريقهم بإرادتهم واختيارهم. ويقومون بطائفة من الأعمال، ويتركون طائفة اخرى.
لذلك ما برحوا يبلغون بقواهم واستعداداتهم تدريجيّاً إلى مقام الفعليّة؛ ثمّ يبلغون بتلك الفعليّة (التي هي القوّة والاستعداد بالقياس إلى الدرجة العليا)، إثر الإرادة والاختيار وقبول أمر الله إلى فعليّة أعلى ودرجة أسمى وهكذا يواصلون طريقهم باستمرار وتدريجيّاً فيبلغون بكلّ قوّة من القوى المودعة فيهم إلى الكمال النسبيّ، ثمّ إلى الكمال المطلق، حتّى يصل وجودهم إلى الكمال المطلق، فيظفروا بمقام الإنسان الكامل.
وهذه المناصب والدرجات جاءت من الطريق الذي انتهجوه باختيارهم، ومن المقام الذي بلغوه بطوعهم ورغبتهم وإرادتهم ورضاهم.
وبلغ إبراهيم الخليل عليه السلام مقام الإمامة الذي منّ الله به عليه، وذلك بعد حيازة مقام النبوّة، وتحطيم الأصنام في معبد الأصنام ببابل، وإلقائه في النار، ومعارضته للنمرود والنمروديّين، وإبعاده من بابل إلى فلسطين، واضطلاعه بأعباء النبوّة في تلك الربوع، وبعد أن تعرّض إلى امتحانات وابتلاءات عديدة وبسبب صبره وتحمّله مع زوجته سارة بلا ولد يؤنسهما، ثمّ منّ الله عليه بالولد، وبعد بناء الكعبة مع نجله البارّ إسماعيل، وتَرك زوجته هاجر وولده إسماعيل وحيدين في أرض مكّة الحارّة الكأداء القفر غير ذات زرع، وبعد البلاء الذي مرّ به متمثّلًا بأمره بذبح ولده الرشيد إسماعيل عَلَم التوحيد، وتقديم إسماعيل على مذبح المحبوب. وصفوة القول بعد أربعة وعشرين اختباراً نجح في اجتيازها. وكان صلوات الله عليه في سنّ الشيخوخة والهرم إذ كان شعره الأبيض يتدلّى من رأسه ووجهه. قال عزّ من قائل: {وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً}.[2]
وبلغ موسى عليه السلام مقام الكمال، وأصبح من أنبياء اولي العزم، ومن أصحاب الشريعة والكتاب بعد اختبارات عسيرة شاقّة في الدعوة مع الأسباط في مقابل الأقباط، ومواجهة فرعون مصر، والنزوح إلى فلسطين، وقضاء الأسباط أربعين سنة في التيه، والذهاب إلى جبل الطور جائعاً ظامئاً أربعين ليلة لمناجاة الله، وتحمّل آثار العظمة والجلال الإلهيّ.
وكان الرسول الأكرم محمَّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وحيداً غريباً في مكّة أربعين سنة بحيث إنّه كان مرغماً على ترك بيت الله الحرام- مع أنه كان من أهل مكّة مجاوراً لبيت الله- للاختلاء مع الله في جبل النور في غَارِ حرَاء. ذلك الغار الذي كان على سفح الجبل. وكان الذهاب إلى ذلك المكان شاقّاً وخطيراً جدّاً. وكان يقيم في ذلك الغار وحده أيّاماً أو اسبوعاً أو اسبوعين أو أكثر.
ولا يخامرنا الشكّ- طبعاً- أنّ جوهرة وجود اولئك الرجال العظام تتفوّق وتمتاز عن الآخرين، كما أنّ الناس العاديّين يتباينون في الخلق من حيث الصفات والغرائز والملكات. وكذلك يتباينون من حيث الجهات الطبيعيّة كالطول والحجم واللون والشمائل المتنوّعة. إلّا أنّ هذا التباين لا يجعلهم في صفٍّ مستقلّ متميّز من حيث التكليف والعصمة الاختياريّة. فالجميع ينبغي أن يكدحوا إلى الكمال، ويبلغوا غايتهم المنشودة، وذلك بطاعة أمر الله، وقبول التوحيد، وبالمجاهدة والكدّ والسعي في طيّ الطريق إلى الله.
"النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ".[3]
فالناس كالمعادن مختلفون في الغرائز والصفات، والتألّق واللمعان، وايضاً في الدرجات والاستعدادات. وكما أنّ المعادن فيها النحاس، والحديد، والذهب، والفضّة، والألماس، وهي تختلف فيما بينها، فكذلك أصناف الناس تختلف فيما بينها في الصفات والغرائز والملكات. إلّا أنّ النكتة هنا هي كما أنّ كلّ معدن ينبغي أن يستخرج، ويؤخذ إلى الفرن، ويتحمّل النار، ويذوب، ويفصل الغشّ من الخالص. وكما أنّ الألماس ينبغي أن يبري أيضاً على يد الخرّاط ليستفاد منه بما فيه من قابليّة، فكذلك طبقات الناس وأصنافهم ينبغي لها المجاهدة والتسليم لأمر الله لتتحرّر من العُجب وهوي النفس، وتظفر برؤية الله ولقائه.
وكلّ فرد من الناس مكلّف بإكمال القابليّة التي عنده والاستعداد المودع فيه، والبلوغ بهما إلى مقام الفعل لا أن يصيّر نفسه كالآخرين. والأنبياء مكلّفون أن يطهّروا جوهرتهم الذاتيّة؛ والأئمّة مكلّفون أن يبلغوا مقام الولاية المطلقة في التعاليم الإلهيّة في مقام الخلوص والإخلاص؛ وأولياء الله مكلّفون أن ينيروا سريرتهم الذاتيّة، ويجتازوا الحجب النورانيّة؛ والناس العاديّون مكلّفون أيضاً أن يطهّروا سريرتهم الذاتيّة مهما كان الأمر، ويبعدوا عنها كلّ غشّ وغلّ، ويخرجوا من هوى النفس، ويظفروا بمقام رضا المحبوب، وهو الربّ المعبود. ولم يكلّف أحد أن يصير كالآخرين. وفي يوم القيامة لا يسألون الشمر: لما ذا لم تكن كسيّد الشُّهداء؟! لما ذا لم تكن إماماً؟! بل يؤاخذونه قائلين: لما ذا ذبحتَ الإمام طواعية؟! ولا يسألون سلمان الفارسيّ: لما ذا لم تكن كأمير المؤمنين؟! بل يسألونه: هل استخدمت جميع القابليّات والقوى التي أودعها الله فيك على طريق رضا الله أو لا! ولا يسألون أبا ذرّ الغفاريّ: لما ذا لم تكن كسلمان الفارسيّ؟! بل يسألونه: هل اكتملتَ يا أبا ذر أو لا؟! فعلى هذا نرى أنّ العصمة والطهارة الموجودتين في الأنبياء، المودعتين فيهم بإرادة الله، لا تستلزمان العصمة القهريّة والطهارة القسريّة، بل هما منافيتان لذلك، ويمكن أن نعتبر العصمة والطهارة الاختياريّتين معلولتين للنفس الشريفة التي يحملها المطيع، ومُسبّبتين عن الملكات الحميدة التي يتّصف بها اولئك العظماء بواسطة السجايا المباركة الناتجة عن أعمالهم الصالحة.
والروايات المأثورة التي تنبئنا أنّ الله خلقهم قبل آدم أو قبل خلق العوالم الاخرى بألفي سنة، أو سبعة آلاف سنة، أو سبعين ألف سنة لا تعني السبق الزمنيّ، بل تعني السبق الرُّتبي والعِلّيّ في العوالم المجرّدة؛ والقصد من طول المدّة سعة العوالم النوريّة والمجرّدة بالنسبة إلى عوالم الطبع والطبيعة.
[1] خلفاً: يعني حمق و قلة عقل.
[2] الآية124، من السورة 2: البقرة.
[3] جاء في «إحياء العلوم» ج 1، ص 6: أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قال: "النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعادِنِ الذَّهَبِ وَ الفِضَّةِ، فَخِيَارُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلامِ إذَا فَقِهُوا". و كذلك جاءت هذه العبارة نفسها عن رسول الله في «جامع السعادات» طبعة النجف، ج 1، ص 24 بدون قيد «إذَا فَقِهُوا».