هل يتسنّى لأحد أن يتصوّر انفصال النبوّة عن الإمارة والحكومة في ضوء منطق الشريعة الإسلاميّة المقدّسة؟ والدين الإسلاميّ هو الدين الجامع لكافّة الجهات والأبعاد، وقوانينه وأحكامه كلّها تلبّي حاجات الإنسان جميعها، المادّيّة والروحيّة، الدنيويّة والاخرويّة، الظاهريّة والباطنيّة، مضافاً إلى أنها منسجمة متوائمة لا تعارض ولا تناقض بينها، بل هي في ذروة الانسجام والتلاؤم. والدين يدعو إلى المحافظة على الدنيا، وتعرض الدنيا نفسها بوصفها مقدّمة توصل للباطن؛ فالباطن يحفظ الظاهر.
والظاهر آية الباطن ومرآته. والأمر واحد في الحقيقة، بَيْدَ أنَّ له ظهورات مختلفة بهذه الدرجات والمراتب؛ فلهذا، أنَّ الدعوة إلى عزل العلماء عن السياسة التي تعتبر أخطر حربة يستخدمها الاستعمار الناهب لإقصاء الأديان السماويّة عن الحياة، وإبعاد الحقّ والعدل والقسط عن مسرح الوجود دعوة ذميمة تستمدّ وجودها من كلام عمر وتنتهل منه.
وهل يمكن أن يكون لفصل الخلافة عن النبوّة وعدم اجتماعهما في بيت واحد معنى آخر غير هذا؟ قال عمر: النبوّة لكم يا بني هاشم، وعميدكم بعد النبيّ: عليّ بن أبي طالب، ولا يهمّنا هذا أبداً. والإلهامات والحالات والمعنويّات والعلاقات المُلكيّة والملكوتيّة كلّها لكم، ولا تخصّنا هذه الامور أبداً، بل هي لكم فبوركتم بها؛ بَيْدَ أنَّ الإمارة والحكومة ليستا من شأنكم. بل من شأن غير بيت النبوّة لمن هو أعرف وأعلم بكتاب الله وسنّة نبيّه.
ومع أنَّ أهل البيت هم أعرف بالكتاب والسنّة، إلّا أنهم لا يَجْدوننا نفعاً. عندنا كتاب الله وهو حسبنا. وبه ندير شئوننا الظاهريّة والاجتماعيّة. وإذا بدر خطأ من الأخطاء، فليس مهمّاً، وأهل بيت النبوّة المتحقّقون بحقيقة القرآن الذي {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}،[1] والذي جعلهم في الافق الأعلى من التوحيد وهم نمير الشريعة، ومعدن الأحكام، فهم لأنفسهم ولأتباعهم. ولا شغل لنا بذلك. بَيْدَ أنَّ الرئاسة والتصرّف وحركة المجتمع وسيره نحو السلم والحرب والعلم والجهل وغيرها، كلّ ذلك بأيدينا. وهذا
أجلى مظهر لفصل الشؤون المعنويّة عن الشؤون السياسيّة.
لقد طرح عمر قضيّة فصل الخلافة عن بيت النبوّة المتمثّل ببني هاشم، وهي لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام بلا مراء، وذلك بذريعة أنَّ قريش لا تخضع لبني هاشم، وأنَّ بني هاشم لا حقّ لهم بالرئاسة على قريش. ونحن لم نجد أحداً يضرب على هذا الوتر غير أبي بكر وعمر. وقصده من قريش شخصه بالذات، لأنه من قريش وليس من بني هاشم. ودأب الرجال الذين يخالون أنفسهم كباراً أن يعبّروا عن مطالبهم الشخصيّة باسم الشعب أو الدولة التي يحكمونها، وإن عارض جميع أفراد الشعب تلك المطالب. ونحن نقرأ أنَّ رئيس الولايات المتّحدة الأميركيّة يقول مثلًا: لا تتنازل واشنطن عن موقفها بسبب التصريح الفلاني. أو تقول إليزابيث ملكة انجلترا: هذا هو ما تريده لندن، أو يقول رئيس الاتّحاد السوفيتي سابقاً: موسكو لها نفس الرأي. ذلك أنَّ هؤلاء المستكبرين يرون أنَّ الدولة كلّها خاضعة لسيطرتهم وذائبة فيهم. وكان أحد حكّام فرنسا يقول: فرنسا يعني أنا.
[1] الآية 79، من السورة 56: الواقعة. ولمّا كان للقرآن باطن، بل سبعة بواطن، فلا يدرك حقيقة معانيه الحقيقيّة والنوريّة إلّا من تطهّرت قلوبهم من رين الهوي والهوس، ولم تتطلّع عيونهم إلي غير الله.