إنّ الأنبياء كغيرهم من الناس لهم غرائز وصفات واختيار وشئون معنويّة وحسّيّة ومادّيّة اخرى، وهم بشر بكلّ ما للكلمة من معنى. ويتمتّعون بغريزة العفّة والحياء، ويتّصفون بالهيبة والخشية، ويفرحون ويحزنون، ويضحكون ويبكون ولهم جسم مادّيّ، فهم يأكلون، ويجوعون، ويعطشون، ويرتوون ويشبعون، وفيهم غريزة النكاح وحبّ الجنس.
كما أنهم يشعرون بالألم، وبالفراق والهجران. وكذلك يشعرون بالسرور. غاية الأمر أنهم استخدموا هذه الأعمال كلّها، وهذه الصفات والغرائز، وهذه المشاعر في طريق رضا الله معبودهم الحقّ، وما رسوها ابْتِغَاءً لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ.
ولم يُستثنَ رسول الله نبيّنا الكريم: خاتم الأنبياء والمرسلين من هذه القاعدة، بل كان كغيره من الأنبياء ذا صفات بشريّة. وكان حريصاً على تبليغ الأحكام. وكان يرهق نفسه ويتعبها في السعي لتبليغ القرآن الكريم وإرشاد الناس وهدايتهم. وكانت نفسه تذهب حسرات على فتور الكفّار وإعراضهم وصدّهم وعدم اهتمامهم. ولقد بالغ في الجهد لبيان الآيات الإلهيّة واهتمّ اهتماماً مركّزاً لإيصال نداء القرآن الكريم. وكم كان يغضبه ما يواجهه من انتها كات كانت تصدر في بعض الأحيان إلى الحدّ الذي كان وجهه المبارك يحمرّ وأوداجه تنتفخ. وكان يستحيي أشدّ الاستحياء في مواضع الحياء والخجل حتّى سمّوه: الحَييّ. وجاء في القرآن الكريم أنه كان يشقّ على نفسه كثيراً في إيصال الأحكام. قال جلّ من قائل: {طه، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى}.[1] وقال: {لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ}.[2] وقال:{فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً}.[3]
وورد عن حيائه صلّى الله عليه وآله وسلّم: {إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ}.[4]
وجاء حول تصديقه كلام الناس إذ كلّما كانوا يطرحونه من كلام لا يردّه إلى أن قالوا: محمّد اذُن فقط، يصدّق كلّ ما يقولون؛ يسمع كلاماً متناقضاً فلا يردّه ولا يجادل ولا يناقش ولا يعترض: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ}.[5]
وحول زواج زينب ابنة عمّته التي طلّقها ابنه بالتبنّيّ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وكان هذا العمل مستقبحاً عند العرب إلى درجة أنهم كانوا يعتبرونه في حكم الزواج من زوجة الولد الحقيقيّ، فقد كُلّف النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بتحطيم هذه السنّة الجاهليّة، وهو أوّل من قام بهذا العمل مع أنه كان يخشى ذلك حتّى نزل قوله تعالى: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ}.[6]
وورد بشأن لزوم رسالات الله وعدم تغييرها قوله: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ، لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ، فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ}.[7]
[1] الآية1 و 2، من السورة 20: طه.
[2] الآية128، من السورة 9: التوبة.
[3] الآية6، من السورة 18: الكهف.
[4] الآية53، من السورة 33: الأحزاب.
[5] الآية61، من السورة 9: التوبة.
[6] الآية37، من السورة 33: الأحزاب.
[7] الآية44 إلي 47، من السورة 69: الحاقّة.