الإجماع: أي: اتّفاق الامّة الإسلاميّة برمّتها على بطلان قاعدة لزوم عدم الجمع بين النبوّة والخلافة في بيت واحد، فهو من البديهيّات؛ ذلك أننا لم نر في كتب السيرة والتأريخ منذ عصر صدر الإسلام إلى يومنا هذا أنَّ أحداً قد أثار إشكالًا في هذه المسألة، أعني: عدم التنافي والتضادّ بين النبوّة والخلافة، فيبطل أحقّيّة أئمّة الدين وقادة المسلمين عليهم السلام بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله تعويلًا على التنافي بين هاتين المسألتين، بل إنّنا نستطيع أن نثبت- عند قراءتنا تأريخ ما قبل الإسلام أحقّيّة الأنبياء ورئاستهم الدنيويّة بالإجماع على عدم التنافي. وبعامّة، يمكننا أن نقول كما قلنا في الموضوع الآنف (العقل) إنَّ هذا الإجماع ثابت على أساس دليل العقل، وإنَّ الأنبياء الذين بعثوا لإرشاد الناس وهدايتهم كانت لهم زعامة الشؤون المادّيّة والخلافة الدنيويّة الإلهيّة؛ وإلّا فلا أثر للنبوّة في تطوير الفرد أو المجتمع ما لم تكن لها ولاية وإمارة. ولقد أرسل الله أنبياءه ليقوم الناس بالقسط، ويحافظوا على ميزان الحقوق البشريّة مقاماً على التقوى والعدل؛ وهذا لا يعقل بغير إمارة ورئاسة. قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ والْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنَّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}.[1] أي: هم اولو قدرة ويعتمدون على أنفسهم.
نلاحظ هنا أنَّ الله جعل من منافع الحديد صنع الأسلحة التي يقوى بها المؤمنون لينهضوا بها مع أنبيائهم في مواجهة المعارضين، ومعاقبة المعتدين.
وهل يتيسّر للنبيّ أن يقاتل وهو لا حقّ له في التدخّل في الشؤون الدنيويّة، والأمر والنهي في تنظيم المجتمع؟! {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا ومَا اسْتَكانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}.[2]
وقال تعالى: {فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ وآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً}.[3]
وقال جلّ من قائل: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ والْحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ}.[4]
وقال جلّ شأنه: {قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}.[5]
نلاحظ في هذه الآيات أنَّ الله جعل للأنبياء ولاية على الناس وفوّض إليهم امورهم. ونحن لا نريد أن نستدلّ بالآيات على هذا الرأي، بل إنَّ ما نريده هو أن نتّخذ من هذه الآيات دليلًا على الإجماع، والتسليم بعدم تنافر هذين المنصبين في كلّ زمان بما فيه زمان الأنبياء.
ومحصّلة الكلام أنه يتعذّر إرسال الرسل ودعوة المجتمع بلا ضمانة تتكفّل تطبيق الخلافة والرئاسة الإلهيّة؛ وأنَّ جميع الأنبياء المرسلين لإقرار النظام الاجتماعيّ والحئول دون اعتداء المعتدين كانت لهم ولاية وخلافة.
[1] الآية 25، من السورة 57: الحديد.
[2] الآية 146، من السورة 3: آل عمران.
[3] الآية 54، من السورة 4: النساء.
[4] الآية 251، من السورة 2: البقرة.
[5] الآية 35، من السورة 38: ص.