0

بمختلف الألوان
(نحن أمواج من ذات البحر) بضع كلمات كتبت على صناديق مفردات طبية أرسلها الصينيون لإيطاليا لتساعدهم على مصارعة وباء بات يضرب بالكثير من بقاع الأرض. ولعل هذا الموقف جاء مماثلاً للمبادرة (الإنسانية) التي جسدها اليابانيون حين أرسلوا مواد طبية الى الصين لحظة تفشي الوباء عندهم، كتبوا على صناديقها بيتاً من... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
الآثار الوضعية للذنوب... من ساء خلقه ضاق رزقه (67)

منذ شهرين
في 2026/08/19م
عدد المشاهدات :407

حسن الهاشمي
الرزق ليس مالًا فحسب، بل هو محبة الناس، وثقتهم، وحسن معاملتهم، وطمأنينة القلب، والفرص التي يفتحها الله للإنسان، فصاحب الخُلُق السيئ قد يملك المال، لكن سوء طباعه ينفّر عنه أهله وأصدقاءه وشركاءه، فيضيّق على نفسه أبوابًا واسعة من الخير، أما حسن الخُلُق فإنه يجمع القلوب، ويستجلب المودة، ويجعل الإنسان موضع ثقة واحترام، فيكون ذلك من أسباب سعة رزقه وبركة حياته.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: (مَن ساءَ خُلقُهُ ضاقَ رِزْقُهُ) غرر الحكم للآمدي: 8023. ومن هنا، فليس المقصود بـ "ضيق الرزق" أن كل من ساء خلقه يُبتلى حتمًا بالفقر المادي، وإنما أن سوء الخلق سببٌ في تضييق أبواب الخير والبركة والعلاقات الإنسانية، وأن حسن الخلق من أعظم أسباب اجتماع القلوب واستجلاب الخير.
وفي واقعنا، قد يخسر الإنسان صفقةً بسبب كلمة جارحة، أو وظيفةً بسبب سوء تعامله، أو صديقًا بسبب تكبّره، أو مودة أهله بسبب قسوته؛ ثم يبحث عن أسباب ضيق رزقه في كل مكان، ولا يلتفت إلى أن بعض أبواب الرزق تُغلقها الأخلاق قبل أن يغلقها الفقر.
ولذلك كان تهذيب الأخلاق لونًا من ألوان السعي في طلب الرزق؛ لأن الإنسان حين يصلح لسانه، ويلين جانبه، ويحسن إلى الناس، ويكظم غيظه، يصبح محبوبًا مأمون الجانب، وتتهيأ له من أسباب الخير ما قد لا تهيئه له كثرة المال وحدها.
فالرزق قد يأتيك من باب المال، وقد يأتيك من باب إنسان أحبك لأخلاقك، أو فرصة وثق بك صاحبها، أو دعوة صادقة خرجت من قلبٍ أحسنتَ إليه، ولذلك: أصلح خُلقك، فقد يكون في إصلاحه إصلاحٌ لرزقك كله.
سوء الخلق يتجلى في أمور كثيرة بيّنها لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (ألا أُخبِرُكُم بأبعَدِكُم مِنّي شَبَهاً؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: الفاحِشُ المُتَفَحِّشُ البَذيءُ، البَخيلُ، المُخْتالُ، الحَقودُ، الحَسودُ، القاسِي القَلبَ، البَعيدُ مِن كُلِّ خَيرٍ يُرجى، غَيرُ المَأمونِ مِن كُلِّ شَرٍّ يُتَّقى) الكافي للكليني: ج2، 291، ح9. هذه الرواية ترسم صورةً شديدة الدلالة للإنسان الذي ابتعد عن أخلاق رسول الله ﷺ وأهل بيته (عليهم السلام)، فهي لا تذكر عيبًا واحدًا، وإنما تجمع صفاتٍ متراكبة إذا اجتمعت في إنسان أفسدت علاقته بربه وبالناس.
"ألا أخبركم بأبعدكم مني شبهًا؟" السؤال هنا ليس عن البُعد المكاني، وإنما عن البُعد الأخلاقي؛ فالقرب من رسول الله ﷺ لا يُقاس بكثرة الادعاء، وإنما بمقدار ما يتحلى الإنسان من الرحمة والكرم والتواضع والعفو وحسن المعاملة، ثم تأتي الصفات واحدةً بعد أخرى:
"الفاحش المتفحش البذيء": من اعتاد الفحش في كلامه، وجعل لسانه أداةً للإهانة والتجريح وإيذاء الآخرين.
"البخيل": الذي تضيق يده عن المعروف، فلا يعطي مما رزقه الله، ولا يرى للآخرين حقًا في نعمته.
"المختال": المتكبر المعجب بنفسه، الذي يرى لنفسه منزلةً فوق الناس.
"الحقود": الذي يحتفظ بالإساءة في قلبه، ولا يستطيع أن يطهر نفسه بالعفو.
"الحسود": الذي يتألم لنعمة غيره، ويتمنى زوالها بدل أن يفرح لخير الناس.
"القاسي القلب": الذي فقد رقة الشعور، فلا تؤلمه معاناة الآخرين ولا تحركه حاجتهم.
"البعيد من كل خير يُرجى": لا يُنتظر منه نفع ولا معروف.
"غير المأمون من كل شر يُتقى": لا يأمن الناس جانبه، لأنهم يتوقعون منه الأذى قولًا أو فعلًا.
واللافت أن الرواية تختم بوصفين يلخصان جميع الصفات السابقة: غياب الخير المتوقع، وغياب الأمان من الشر، وكأن الإنسان الصالح هو الذي يجتمع فيه أمران: يُرجى خيره، ويُؤمَن شره.
ولذلك فإن حسن الخلق ليس زينةً اجتماعية، بل هو مقياسٌ للقرب من رسول الله ﷺ؛ وكلما ازداد الإنسان رحمةً وكرمًا وتواضعًا وعفوًا وأمانةً، ازداد شبهًا بأخلاق النبوة، وكلما استحكم فيه البخل والحسد والكبر والقسوة والبذاءة، ابتعد عن ذلك الشبه.
وهنا تتضح الصلة بقولنا: "من ساء خلقه ضاق رزقه"؛ فسوء الخلق لا يضيّق الرزق المادي فحسب، بل يضيّق على صاحبه دائرة المحبة والثقة والمودة، حتى يصبح الإنسان غنيًا بالمال فقيرًا إلى القلوب، كثير المعارف قليل الأحبة.

اعضاء معجبون بهذا

كَلِمَةُ الْمُعَلِّمِ.. أَثَرٌ يَتَجَاوَزُ الزَّمَن
بقلم الكاتب : صادق مهدي حسن
مهنة التعليم ليست مجرد وظيفة نؤديها لتقاضي أجر، ولا هي تسلسل لدروس ونصوص تُنسخ من السبورة إلى الدفاتر، بل هي عملية تشكيل هادئة للوعي الإنساني. أن تكون أستاذًا، يعني أن تُدرك تمامًا أن الكلمة التي تقولها اليوم في غفلة من الوقت، قد تصبح ذكرى ترافق تلميذك لسنوات طويلة، وتتحول إلى بوصلة تُوجّه حياته دون... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا... المزيد
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة روايات كثيرة...
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...


منذ 3 ايام
2026/10/06
يُعد خزن مياه الأمطار من الأساليب المهمة في استثمار الموارد المائية، لأنه يسمح...
منذ 3 ايام
2026/10/06
الأرق ليس مجرد عدم القدرة على النوم، بل هو حالة تتداخل فيها الكيمياء العصبية مع...
منذ اسبوعين
2026/09/28
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وثمانية عشر: مبدأ التكافؤ الضعيف: من سقوط...