0

بمختلف الألوان
(نحن أمواج من ذات البحر) بضع كلمات كتبت على صناديق مفردات طبية أرسلها الصينيون لإيطاليا لتساعدهم على مصارعة وباء بات يضرب بالكثير من بقاع الأرض. ولعل هذا الموقف جاء مماثلاً للمبادرة (الإنسانية) التي جسدها اليابانيون حين أرسلوا مواد طبية الى الصين لحظة تفشي الوباء عندهم، كتبوا على صناديقها بيتاً من... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
همسُ الظِّلال

منذ شهرين
في 2026/08/10م
عدد المشاهدات :276
في تلك الليلة التي تواطأت فيها السَّماء مع السُّكون، وانحنت النجوم كأنها تُصغي إلى سرٍّ دفين، كان الوادي مغمورًا بنورٍ خافتٍ يشبه أنفاسَ الأرواح إذا ارتجفت بين الخوف واليقين.
عند حافة صخرةٍ سوداء، جلس رَاهِبُ اللَّيل—وهو جنيٌّ طال به التيه—يُقلِّبُ في صدره أصداءَ العصور، وقد أكلتْهُ الحيرة كما تأكل النارُ أطرافَ الحطب. وإلى جانبه، هبط نَسِيمُ الغَيْب، جنيٌّ آخر، وجهه مشرقٌ بنورٍ لم تألفه الظلمات، وعيناه تحملان سرًّا أكبر من المسافات.
قال راهب الليل، وصوته كخشخشة أوراقٍ يابسة: — ما بالُك اليومَ يا أخي؟ أراك كأنك خرجتَ من فجرٍ لم نره، أو سجدتَ لنورٍ لم نبلغه!
ابتسم نسيم الغيب، وقد ارتعش في صوته بريقُ يقين: — بل خرجتُ من سمعٍ لا ككلِّ الأسماع، يا راهب. لقد أصغيتُ… فاهتزَّ كياني.
ارتجف الآخر، واقترب كأنما يسحبُه فضولٌ قديم: — أصغيتَ إلى ماذا؟ نحنُ أهلُ السمع، وقد كنّا نرتقي إلى السَّماء نسترقُ الخبر، فما الجديد؟
أطرق نسيم الغيب، ثم قال بنبرةٍ كأنها تُغسَل بالوحي: — ليس ككلِّ ما كنا نسمع… إنه كلامٌ إذا لامس القلبَ، أقامه من موته، وإذا مرّ على الروح، بعث فيها حياةً أخرى. كلامٌ لا يشبه السحر، ولا يشبه كهانتنا… بل ينسفهما من الجذور.
شهق راهب الليل: — أتهذي؟ أم أصابك مسٌّ من جنون؟
رفع نسيم الغيب رأسه، وعيناه تبرقان كأن فيهما قبسًا من نارٍ لا تحرق: — بل أصابني الحقّ. سمعتُ قومًا من الإنس يتلون كتابًا… فإذا به يهدي إلى الرشد، ويكشف لنا ما كنا عنه غافلين. لقد ظننا أننا نملك السَّماء سمعًا، فإذا بنا محجوبون، تُرمى طرقُنا بشهبٍ ثاقبة، وكأن الأبواب قد أُغلقت في وجوهنا!
تراجع راهب الليل، وقد اشتعل في صدره خوفٌ غريب: — أحقٌّ ما تقول؟ أأُغلقت السَّماء في وجهنا؟ أانقطع عنا الخبر؟
قال نسيم الغيب، وقد انحنى صوته خشوعًا: — بل فُتح لنا بابٌ أعظم… بابُ الهداية. لم نُخلق لنسترق، بل لنُدرك. لم نُبعث لنلهو، بل لنشهد.
سكتا لحظة، وكان الصمت بينهما كبحرٍ تتلاطم فيه المعاني.
ثم قال راهب الليل، بصوتٍ متهدّج: — وماذا فعلتَ حين سمعتَ؟
أجاب نسيم الغيب، وكأنه يهمس للكون كله: — آمنتُ… آمنتُ بربٍّ لم أره، لكنني رأيتُ آثاره في كلِّ حرف. آمنتُ بكلامٍ لم يترك لي عذرًا، ولا مهربًا، ولا ظلاً أختبئ فيه.
تساقطت كلماتُه كالمطر، فارتجف قلب راهب الليل، وتسللت إليه رهبةٌ لم يعهدها: — وأنا… ماذا أفعل؟ لقد عشتُ دهورًا أعبد الظن، وأتبع الوهم… فهل لي من سبيل؟
اقترب منه نسيم الغيب، ووضع يده على كتفه كأنما يضع نورًا على ظلام: — السبيل ليس بعيدًا… إنه أقرب إليك من نفسك. فقط… ألقِ سمعك، كما ألقيتُه أنا… ودَع قلبك يصغي.
رفع راهب الليل رأسه نحو السماء، فرأى النجوم وكأنها تغيّرت، أو لعله هو الذي تغيّر. أحسّ لأول مرة أن الصمت ليس فراغًا، بل انتظار… وأن الظلام ليس نهاية، بل بدايةُ بحثٍ عن النور.
تمتم بصوتٍ يكاد يُسمع: — إن كان ما تقول حقًّا… فدلّني.
ابتسم نسيم الغيب، وقد انبثق في وجهه فجرٌ خفي: — تعال… نكون من الذين قالوا: إنا سمعنا قرآنًا عجبًا… يهدي إلى الرشد فآمنا به.
وفي تلك اللحظة، لم يعد الوادي كما كان… فقد صار شاهدًا على ولادةِ يقينٍ جديد، في قلبٍ كان يومًا مأوى للظلال، فإذا به يصبح مهبطًا للنور.

اعضاء معجبون بهذا

كَلِمَةُ الْمُعَلِّمِ.. أَثَرٌ يَتَجَاوَزُ الزَّمَن
بقلم الكاتب : صادق مهدي حسن
مهنة التعليم ليست مجرد وظيفة نؤديها لتقاضي أجر، ولا هي تسلسل لدروس ونصوص تُنسخ من السبورة إلى الدفاتر، بل هي عملية تشكيل هادئة للوعي الإنساني. أن تكون أستاذًا، يعني أن تُدرك تمامًا أن الكلمة التي تقولها اليوم في غفلة من الوقت، قد تصبح ذكرى ترافق تلميذك لسنوات طويلة، وتتحول إلى بوصلة تُوجّه حياته دون... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا... المزيد
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة روايات كثيرة...
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...


منذ 3 ايام
2026/10/06
يُعد خزن مياه الأمطار من الأساليب المهمة في استثمار الموارد المائية، لأنه يسمح...
منذ 3 ايام
2026/10/06
الأرق ليس مجرد عدم القدرة على النوم، بل هو حالة تتداخل فيها الكيمياء العصبية مع...
منذ اسبوعين
2026/09/28
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وثمانية عشر: مبدأ التكافؤ الضعيف: من سقوط...