0

بمختلف الألوان
(نحن أمواج من ذات البحر) بضع كلمات كتبت على صناديق مفردات طبية أرسلها الصينيون لإيطاليا لتساعدهم على مصارعة وباء بات يضرب بالكثير من بقاع الأرض. ولعل هذا الموقف جاء مماثلاً للمبادرة (الإنسانية) التي جسدها اليابانيون حين أرسلوا مواد طبية الى الصين لحظة تفشي الوباء عندهم، كتبوا على صناديقها بيتاً من... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
الآثار الوضعية للذنوب... لا خير لمن يؤذي جاره والإحسان اليه من أعظم القربات (65)

منذ شهرين
في 2026/08/10م
عدد المشاهدات :375

حسن الهاشمي
ليس الجار بابًا يجاور بابًا، ولا جدارًا يلاصق جدارًا، بل هو سكينةٌ تُجاور السكينة، وأمانٌ يُجاور الأمان، فإذا استيقظ الإنسان وهو يعلم أن جاره يأمنه على نفسه وماله وعرضه، فقد قامت في تلك المحلة دعامةٌ من دعائم المجتمع الصالح، أما إذا تحوّل الجار إلى مصدر خوف وقلق وأذى، فإن الجدران تبقى قائمة، لكن معاني الجوار تكون قد انهارت.
لقد رفع الإسلام منزلة الجار حتى جعل الإحسان إليه من علامات كمال الإيمان، وحذّر أشد التحذير من أذيته، لأن أذى الجار لا يصيب فردًا واحدًا، بل يزرع الشقاق في الأسرة، ويُفسد العلاقات الاجتماعية، ويهدم الثقة التي يقوم عليها المجتمع، عن الإمام الباقر عليه السلام: (من آذى جاره حرّم الله عليه ريح الجنة، ومأواه جهنم وبئس المصير، ومن ضيّع حق جاره فليس منا) من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج4، ص15.
وما أشدّ الحاجة اليوم إلى استحضار هذه التعاليم، في زمنٍ كثرت فيه الخصومات لأسباب تافهة؛ فهذا يرفع صوته فيؤذي راحة جيرانه، وذاك يعتدي على حقوقهم، وآخر يرمي النفايات في طرقاتهم، أو يتجسس على خصوصياتهم، أو يؤذيهم بلسانه وسوء خلقه، وكل ذلك يخالف روح الإسلام التي أرادت للجار أن يكون عونًا وسندًا، لا عبئًا ومصدرًا للألم.
إن الجار الصالح نعمةٌ من نعم الله، فهو أول من يهبّ عند الشدة، وأقرب من يواسي عند المصيبة، وأسرع من يفرح لفرح جاره ويحزن لحزنه، ولذلك كانت رعاية حقوق الجار عبادةً يتقرب بها المؤمن إلى الله، كما أن التفريط بها معصيةٌ تهدد سلامة المجتمع قبل أن تهدد صاحبها.
فلنراجع أنفسنا قبل أن نطرق أبواب الآخرين، ولنسأل: هل يأمننا جيراننا؟ وهل يذكروننا بخير إذا غبنا؟ فإن حسن الجوار ليس كلماتٍ تُقال، بل أخلاقٌ تُمارس، وصبرٌ على الأذى، وبذلٌ للمعروف، وكفٌّ عن الإساءة.
المجتمع الذي يسوده حسن الجوار هو مجتمعٌ تتنزل عليه الرحمة، وتستقر فيه المودة، ويشعر كل فرد فيه بأنه يعيش بين أهله لا بين غرباء، أما إذا ضاعت حقوق الجار، فلن يبقى للأحياء إلا أسماؤها، وستغيب عنها روح الإنسانية التي جاء الإسلام ليغرسها في القلوب.
عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام: (إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاه رجل من الأنصار فقال: إنّي اشتريت داراً من بني فلان، وإنّ أقرب جيراني منّي جواراً من لا أرجو خيره ولا آمن شرّه، قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً وسلمان وأبا ذر ونسيت آخر أظنّه المقداد، أن ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم بأنّه لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه، فنادوا بها ثلاثاً ثمّ أومأ بيده إلى كلّ أربعين داراً من بين يديه، ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله"39. 39- الأمالي- الشيخ الطوسي- ص393. ليس المقصود نفي أصل الإسلام عن الإنسان، وإنما نفي كمال الإيمان؛ فالمؤمن الحق هو الذي يشعر جاره بالأمن والطمأنينة من لسانه ويده وتصرفاته، فإذا كان الجار يخشى أذاه، أو يتوقع منه الظلم أو الإساءة، فإن هذا السلوك يتنافى مع حقيقة الإيمان وآثاره العملية، ومعنى "بوائقه" البائقة هي الشر والغائلة والأذى، أي أن يكون الجار آمنًا من ظلم جاره، وعدوانه، وسوء خلقه، وإزعاجه، والاعتداء على حقوقه.
إن الإيمان ليس كلماتٍ تُتلى، ولا شعائرَ تُؤدّى فحسب، بل هو أمنٌ يفيض من قلب المؤمن إلى من حوله، وأول من يستحق هذا الأمن هو الجار، الذي يشارك الإنسان حدود داره قبل أن يشاركه حدود المجتمع، فإذا أغلق الجار بابه وهو مطمئن إلى أن جاره لن يؤذيه في نفسه أو ماله أو عرضه، فقد تجسدت حقيقة الإيمان، أما إذا عاش في خوفٍ دائم من لسانٍ جارح، أو تصرفٍ مؤذٍ، أو اعتداءٍ على حق، فإن الإيمان قد فقد إحدى أهم ثمراته، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه " فالإيمان الذي لا يصنع أمنًا للناس، ولا يبني جسور المودة بينهم، يبقى إيمانًا ناقصًا لم يبلغ كماله الذي أراده الله لعباده.
قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من خان جاره بشبر من الأرض، طوّقه الله يوم القيامة إلى الأرض السابعة، حتّى يدخل النار) ميزان الحكمة - محمد الريشهري، ج 1 ص 42. ليس المقصود بالشبر التقليل من حجم الجريمة، وإنما بيان أن الاعتداء على أقلِّ حقٍّ للجار لا يضيع عند الله، فمن استولى على جزء يسير من أرض جاره، أو غيّر حدود ملكه، أو زوّر وثائقه، أو استغل نفوذه لسلب حقه، فإن هذا الظلم يتحول يوم القيامة إلى طوقٍ من العذاب يلازمه، لأن الحقوق لا تسقط بالتقادم ولا بالقوة، وإنما تُردّ إلى أهلها يوم يقوم الناس لرب العالمين.
الحديث يرسّخ مبدأً عظيمًا، وهو أن حرمة حقوق الناس لا تُقاس بحجم المال، بل بحرمة الظلم نفسه؛ فقد يكون الشبر الواحد سببًا للهلاك إذا أُخذ بغير حق، كما قد تكون الأمتار الكثيرة مغفورًا لصاحبها إذا كانت بوجه حق، وفي واقعنا المعاصر، لا يقتصر اغتصاب أرض الجار على إزالة حجرٍ من الحدود، بل يشمل كل صور الاستيلاء على حقوقه؛ كتزوير السندات، والتلاعب بالخرائط العقارية، واستغلال المنصب أو النفوذ للاستحواذ على أملاك الآخرين، أو البناء على أرض الغير بغير إذنه، وكل ذلك داخل في معنى الخيانة التي توعدت عليها النصوص بأشد العقاب.
إن حسن الجوار لا يكتمل بمجرد طلاقة الوجه ولين الكلام، وإنما يكتمل قبل ذلك بحفظ الحقوق وصيانة الحدود وأداء الأمانات، فمن حفظ حق جاره في ماله وعرضه وكرامته، فقد أدى حق الجوار، ومن خانه في شبر من أرضه، فقد جمع بين ظلم الإنسان ونقض الأمانة واستحقاق الوعيد الإلهي.
قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وتتصدّق، وتؤذي جارها بلسانها، قال صلى الله عليه وآله وسلم: لا خير فيها، هي من أهل النار) وسائل الشيعة (آل البيت) - الحرّ العامليّ - ج 12 - ص 209. يبين هذا الحديث أن قيمة العبادة لا تُقاس بكثرتها فحسب، وإنما بآثارها في تهذيب الأخلاق وصيانة حقوق الناس، فمن أكثر من الصيام والقيام والصدقة، ثم جعل لسانه سيفًا يجرح جيرانه، فقد أفسد حسناته بظلمه، لأن الله سبحانه لا يقبل من العبادات ما يناقض مقاصدها في إصلاح النفس والمجتمع.
فالجار هو أول من يختبر صدق التدين؛ إذ يرى الإنسان في بيته وحياته اليومية، لا في المسجد وحده، ولهذا كانت سلامة الجار من لسان المؤمن ويده علامة على كمال إيمانه، بينما كان أذى الجار سببًا للوعيد الشديد، مهما كثرت النوافل والطاعات.
إن العبادة التي لا تُثمر حسن الخلق ليست العبادة التي أرادها الله، ولذلك جمع الإسلام بين حق الله وحق العباد، وجعل الإحسان إلى الجار من أعظم القربات، وحذّر من أذيته أشد التحذير.

اعضاء معجبون بهذا

كَلِمَةُ الْمُعَلِّمِ.. أَثَرٌ يَتَجَاوَزُ الزَّمَن
بقلم الكاتب : صادق مهدي حسن
مهنة التعليم ليست مجرد وظيفة نؤديها لتقاضي أجر، ولا هي تسلسل لدروس ونصوص تُنسخ من السبورة إلى الدفاتر، بل هي عملية تشكيل هادئة للوعي الإنساني. أن تكون أستاذًا، يعني أن تُدرك تمامًا أن الكلمة التي تقولها اليوم في غفلة من الوقت، قد تصبح ذكرى ترافق تلميذك لسنوات طويلة، وتتحول إلى بوصلة تُوجّه حياته دون... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا... المزيد
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة روايات كثيرة...
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...


منذ 3 ايام
2026/10/06
يُعد خزن مياه الأمطار من الأساليب المهمة في استثمار الموارد المائية، لأنه يسمح...
منذ 3 ايام
2026/10/06
الأرق ليس مجرد عدم القدرة على النوم، بل هو حالة تتداخل فيها الكيمياء العصبية مع...
منذ اسبوعين
2026/09/28
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وثمانية عشر: مبدأ التكافؤ الضعيف: من سقوط...