0

بمختلف الألوان
(نحن أمواج من ذات البحر) بضع كلمات كتبت على صناديق مفردات طبية أرسلها الصينيون لإيطاليا لتساعدهم على مصارعة وباء بات يضرب بالكثير من بقاع الأرض. ولعل هذا الموقف جاء مماثلاً للمبادرة (الإنسانية) التي جسدها اليابانيون حين أرسلوا مواد طبية الى الصين لحظة تفشي الوباء عندهم، كتبوا على صناديقها بيتاً من... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
حين تتحدث الجنازات بلغة التاريخ

منذ 3 شهور
في 2026/07/07م
عدد المشاهدات :1072
حين تتحدث الجنازات بلغة التاريخ
تشييع الشهيد الخامنئي في العراق ورسائل ما بعد الاغتيال
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
07/07/2026
تميل بعض الأحداث إلى أن تبقى ضمن حدود زمانها ومكانها، فيما تتجاوز أحداث أخرى تلك الحدود لتتحول إلى علامات فارقة في ذاكرة الشعوب ومسار التاريخ. ومن هذا النوع الأخير جاءت حادثة اغتيال آية الله السيد علي الخامنئي قدس سره في العاشر من رمضان، حين استهدفته آلة الحرب الصهيوأمريكية في عدوانها على إيران، في عمليةٍ لم تُقرأ بوصفها استهدافًا لشخصٍ بعينه بقدر ما قُرئت بوصفها استهدافًا لرمزٍ ديني وسياسي ارتبط اسمه لعقود طويلة بقضايا المنطقة وصراعاتها الكبرى. ومنذ اللحظة الأولى لرحيله، خرج الحدث من إطاره العسكري الضيق ليتحول إلى قضية تتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية، وتدخل في وجدان ملايين الناس الذين رأوا فيه شخصيةً تمثل مدرسةً فكريةً وسياسيةً كاملة، لا مجرد قائدٍ لدولة أو زعيمٍ لمرحلة.
ولذلك فإن قرار القيادة الإيرانية إقامة مراسم تشييعه في العراق لم يكن مجرد اختيارٍ لمكانٍ إضافي للوداع، بل كان قرارًا يحمل في أعماقه رسائل تتجاوز مراسم الحزن إلى فضاءات التاريخ والعقيدة والسياسة. فالأحداث الكبرى لا تُقاس بحجم الحشود التي تشارك فيها فحسب، بل بالمعاني التي تحملها والرسائل التي تبعثها إلى الأصدقاء والخصوم على حد سواء.
فالعراق لم يكن محطةً عابرة في هذا التشييع، بل كان اختيارًا ينطوي على رمزيةٍ بالغة العمق. ففي أرض النجف الأشرف يرقد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، رمز العدالة والحق في الوعي الإسلامي، وفي كربلاء ارتسمت ملحمة الإمام الحسين عليه السلام التي تحولت إلى عنوانٍ خالد لمقاومة الظلم والدفاع عن الكرامة الإنسانية. ومن هنا فإن مرور الجثمان الطاهر على هذه الأرض المقدسة يحمل دلالةً تتجاوز الجغرافيا، ليعبر عن ارتباطٍ روحي وفكري بمنظومة القيم التي مثلها الإمام علي والإمام الحسين عليهما السلام، وهي القيم ذاتها التي شكلت جزءًا أساسيًا من الخطاب الفكري والسياسي للشهيد طوال حياته.
كما أن هذا التشييع يبعث برسالة واضحة إلى العالم مفادها أن العلاقة بين الشعبين العراقي والإيراني ليست علاقة مصالح آنية أو تحالفات سياسية عابرة، وإنما هي علاقة تشكلت عبر قرون طويلة من التفاعل الحضاري والروحي والثقافي. فالجغرافيا وحدها لا تصنع هذا القدر من التقارب، وإنما تصنعه ذاكرة مشتركة، ومقدسات مشتركة، وتاريخ طويل من التواصل الإنساني الذي ظل قائمًا رغم تغير الأنظمة وتعاقب الحكومات وتبدل الظروف.
إن مشاركة العراقيين في وداع الشهيد ليست مجرد مشاركة في مناسبة دينية أو سياسية، بل هي تعبير عن شعور عميق بالانتماء إلى فضاء ثقافي وعقائدي مشترك. ولهذا فإن المشهد الذي ستشهده النجف وكربلاء وبقية المدن العراقية لن يكون مشهد جنازة بالمعنى التقليدي، بل مشهدًا يختلط فيه الحزن بالوفاء، والذاكرة بالهوية، والعقيدة بالتاريخ.
وفي البعد الاستراتيجي، يعكس هذا الحدث حقيقةً كثيرًا ما حاولت القوى الدولية تجاهلها أو القفز عليها، وهي أن العراق وإيران يشكلان عمقًا متبادلًا أحدهما للآخر. فإيران تمثل بعدًا استراتيجيًا مهمًا للعراق، كما يمثل العراق بعدًا استراتيجيًا لإيران. وهذه الحقيقة لم تصنعها الاتفاقيات السياسية المعاصرة، بل فرضتها الجغرافيا ورسخها التاريخ وأكدتها المصالح المشتركة والتحديات التي واجهها البلدان عبر عقود طويلة.
ومن هنا فإن التشييع في العراق يحمل رسالة سياسية لا تخطئها العين، مفادها أن الروابط التي تجمع الشعبين أعمق من أن تُفككها الحملات الإعلامية أو الضغوط السياسية أو حتى الصراعات العسكرية. فالانتماء العقائدي والثقافي، حين يتجذر في وجدان الشعوب، يصبح أكثر رسوخًا من التحالفات المؤقتة وأكثر قدرة على الصمود من المشاريع التي تُبنى على المصالح العابرة.
أما الرسالة الأكثر وضوحًا فهي تلك الموجهة إلى الولايات المتحدة وحلفائها وإلى كل من راهن على أن القوة العسكرية قادرة على إعادة تشكيل هوية المنطقة أو تمزيق نسيجها الاجتماعي والثقافي. فاغتيال القادة قد ينجح في إنهاء حياتهم الجسدية، لكنه لا ينجح بالضرورة في إنهاء حضورهم الرمزي أو إلغاء الأفكار التي حملوها. بل إن التاريخ كثيرًا ما أثبت أن بعض الشخصيات تبدأ مرحلة جديدة من التأثير بعد رحيلها، حين تتحول من شخصيات سياسية إلى رموز تتجاوز حدود الزمان والمكان.
إن مشهد التشييع المرتقب في العراق سيكون، في أحد أبعاده، استفتاءً شعبيًا على قوة هذه الروابط، ورسالةً تقول إن محاولات زرع الفرقة بين الشعبين العراقي والإيراني لم تنجح رغم كل ما بُذل من جهدٍ وأموالٍ وخطاباتٍ وتحريض. وسيكون جواب الجماهير المحتشدة أبلغ من كل البيانات السياسية، لأنها ستعلن بلغة الحضور والمشاركة أن ما يجمع الشعبين أكبر بكثير مما يسعى الآخرون إلى تفريقه.
ولعل الرسالة الأخيرة والأعمق في هذا المشهد هي أن الأمم لا تُقاس فقط بما تمتلكه من قوة مادية، بل بما تمتلكه من ذاكرة وقيم وقدرة على الوفاء لرموزها. وحين تلتقي بغداد والنجف وكربلاء وطهران وقم ومشهد في وداع رجلٍ واحد، فإن الحدث يتجاوز حدود الجنازة ليصبح شهادةً على أن الروابط التي صنعتها العقيدة والتاريخ لا تهزمها الصواريخ، ولا تمحوها الاغتيالات، ولا تكسرها مشاريع الهيمنة. إنها لحظة يكتب فيها التاريخ صفحة جديدة، لا عن رحيل رجل فحسب، بل عن بقاء الفكرة واستمرار الرسالة وحضور المعنى في مواجهة القوة.


اعضاء معجبون بهذا

كَلِمَةُ الْمُعَلِّمِ.. أَثَرٌ يَتَجَاوَزُ الزَّمَن
بقلم الكاتب : صادق مهدي حسن
مهنة التعليم ليست مجرد وظيفة نؤديها لتقاضي أجر، ولا هي تسلسل لدروس ونصوص تُنسخ من السبورة إلى الدفاتر، بل هي عملية تشكيل هادئة للوعي الإنساني. أن تكون أستاذًا، يعني أن تُدرك تمامًا أن الكلمة التي تقولها اليوم في غفلة من الوقت، قد تصبح ذكرى ترافق تلميذك لسنوات طويلة، وتتحول إلى بوصلة تُوجّه حياته دون... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا... المزيد
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة روايات كثيرة...
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...


منذ 3 ايام
2026/10/06
يُعد خزن مياه الأمطار من الأساليب المهمة في استثمار الموارد المائية، لأنه يسمح...
منذ 3 ايام
2026/10/06
الأرق ليس مجرد عدم القدرة على النوم، بل هو حالة تتداخل فيها الكيمياء العصبية مع...
منذ اسبوعين
2026/09/28
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وثمانية عشر: مبدأ التكافؤ الضعيف: من سقوط...