ما قصده الخليل وسيبويه بالضبط مما قالا وشرحا؟
إن الفهم، بقدر الإمكان لما أراده النحاة القدامى فيما قالوه وشرحوه وخاصة الألفاظ التي اصطلحوا عليها في النحو يقتضي الكشف عن تصورهم الشامل النظام العربية والأسس التي بني عليها عندهم هذا النظام. فقد وجدنا في كتاب سيبويه خاصة عددا من هذه الألفاظ والعبارات التي لم يدرك بعض من جاء بعده أبعادها وما يلزم منها على الرغم من فهمهم المعناها. ومثال ذلك قول سيبويه: على غير ما وضعته العرب (1/ 186) وما يماثلها. ومن ذلك عبارة الكتاب المتكررة: هو من اسمه وليس من اسمه أو في موضع ما هو من الاسم" أو داخل في الاسم (1/ 45، 65، 68، 188، 84، 276، 207، 208 الخ). فقد فهم هذا ابن السراج وشيخه المبرد وتلاميذه مثل السيرافي وغيره إلا أنهم لم يستنتجوا من هذا ما يترتب عليه من الانتظام بين مستويات اللغة كما سنراه. وأما المتأخرون من النحاة فلم يدرك أكثرهم المقصود من هذه العبارة الأخيرة. ومن ذلك أيضا عبارته: ما ينفصل ويبتدأ (1/ 96) فقد أدرك كل النحاة معنى الانفصال والابتداء إلا أن المتأخرين لم يفهموا ما كان المقصود الحقيقي منه كما سنبينه. كما كثر في كتاب سيبويه وفي أكثر الكتب في النحو التي صدرت حتى القرن السادس محى كلمة موضع بكثرة فائقة وهو كما سيأتي جوهر الفكر النحوي العربي والأصل الأكبر الذي بنى عليه النحاة الأولون فهمهم للبنى النحوية وانتظامها ومحاربها عامة. ومن الذين كانوا أدرى بأهميته وخطورة دوره في التحليل بعد الخليل وسيبويه تذكر الرماني وابن جنى وشيخه أبا علي. ومن ذلك أيضا العامل والمعمول. وفهم أكثر النجاة بعد القرن الرابع أنه اللفظ الذي يسبب الإعراب فقط. وقد انتقد الباحثون المحدثون انتقادا شديدا هذا المفهوم بعد ما اطلعوا على ما جاء في كتاب الرد على النحاة لابن مضاء الأندلسي وما تأثروا به من أفكار اللسانيين الوصفيين في زمانيا كان له دور في إثارة موقفهم هذا وربطوا مفهوم العلة بالعامل كما فعل ابن مضاء مع أنهما مفهومان يختلف المحال المفهومي لكل واحد منهما تماما. فماذا كان يريد سيبويه من قوله: على غير ما وضعته العرب وما ينفصل ويبتدأ وهو من اسمه أو ليس من اسمه وبالنسبة لهذه العبارة ماذا يمكن أن يفهم منها وما الذي يترتب على مثلها من تصور نظري يخص نظام العربية. ثم ما هو الموضع الذي يكاد يأتي في كل صفحة من الكتاب؟ وماذا يريد النحاة من العامل في زمان الخليل وسيبويه وهل هو مجرد لمظ يكون السبب ظهور علامة إعرابية معينة؟ فهذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا الكتاب إن شاء الله وأكثر هذه المفاهيم لم يعرفها المتأخرون من النحاة. وسوف نتجنب في الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، الترعة غير السليمة إلى جعل المفاهيم والأفكار التي تنتمي إلى المذهب الواحد من اللسانيات هي المحك الوحيد أو المرجع الأساسي في تحديد المفاهيم العربية وتصحيحها ومثال ذلك بصفة خاصة ما يسلكه بعض الباحثين في زماننا وهو إما القول بدون دليل بأن مفهومي الحركة والسكون هما مما اصطنعه العلماء العرب ولا يعكسان واقع الكلام المنطوق وذلك لعدم وجودهما فيما جاءت به الصوتيات التقليدية الغربية. وأما القول بأن الكثير من المفاهيم أو طرق التحليل التي ظهرت في الغرب في زماننا قد كانت معروفة عند العرب، فإن كان هذا قد يصدق على القليل جدا من المفاهيم العلمية في ظاهرها إلا أن الغالب في ذلك هو الاختلاف التام لأن للمفهوم العلمي العربي أو اليوناني أو الهندي أو الأوربي المعاصر صفات تخص كل واحد منها لا من حيث التصور ووجهة النظر فقط بل حتى في ماهيته العميقة. وقد يصح الشيء علميا إذا ثبت الدليل على ذلك على الرغم من مخالفته لما جاء في نظرية حديثة لأن النظريات ليست حقائق مسلمة من كل جوانبها. إن موضوع هذا الكتاب هو البنى النحوية كما تصورها النجاة العرب من حيل الخليل وسيبويه غير مشوهة بما أصاب هذا التصور من تغيير بسبب ما طرأ على الحضارة العربية الإسلامية من تأثير خارجي ومما حدث من غزو المنطق الأرسطو طاليسي وغير ذلك من التأثيرات. ولذلك سيأتي كل ما تعرضه على القراء الكرام من قول أو تحديد أو تفسير مصحوبا بما صرح به هؤلاء العلماء أنفسهم عن الموضوع. ولن يصدر أي قول منا إلا مرفوقا هذه الحجج فلا نريد أن نأتي بنظرية حديدة تتجاوز أقوالهم إنما الذي نقصده هو الفهم الصحيح لما قصدوه بالفعل وبيان المفاهيم الأصيلة التي صدرت منهم مع التنبيه على ما طرأ على ممر الأيام من تطور أو مجرد تحول هذه المفاهيم الأصيلة وهو في الغالب تغيير لا يأتي بفائدة إلا قليلا. كما تنبه القراء الكرام على أننا ننتمي إلى زمان آخر غير زمان هؤلاء العلماء ولا إلى زمان المتأخرين منهم. فقد طرأ تجديد كامل المناهج البحث وارتقت الآن العلوم والتكنولوجية الارتقاء الواسع المعروف (1). ولا يمكن أن تتجاهل ما حد من صحيح المناهج التحليلية والمعارف العلمية العامة ولذلك سيكون موقفنا الاعتداد بالمفاهيم العلمية المجمع على صحتها والمصطلحات العالمية التي وضعت في عصرنا هذا للدلالة عليها وبوضع الرسوم والمخططات التي يستعان بها الآن للتوضيح وكذلك الرموز التي عم استعمالها في عصرنا هذا وما تضطر إلى وضعه. وكمثال لذلك تذكر مفهوم الأصل الذي يتحول في اللغة إلى شيء آخر بزيادة في داخل النظام اللغوي لا عبر الزمان. فهذا الأصل هو نواة لجميع ما تتحول إليه بالزوائد ولا حاجة لنا إلى مصطلح آخر بالنسبة للزوائد لأنه يؤديه المصطلح الدولي Increment. وكذلك هي التصاريف فهي عمليات تحويلية تخضع لقوانين خاصة. ولا إسقاط في ذلك بدليل بجوئنا فيما كتبنا باللغات الأجنبية إلى وضع كلمة أجنبية لتقابل مفهوما عربيا لا يوجد له مقابل في زماننا بهذه اللغات مثل Lexia لمفهوم ما بمنزلة الاسم المفرد اللفظة في اصطلاحنا والـ Kinem في مقابل الحركة في الصوتيات العربية ولا يعرف هذا المفهوم في الغرب (في الصوتيات التقليدية). وقد يكون المفهوم العلمي الحديث قد سبق العلماء العرب إلى تصوره ولا بد أن يخالفه من جانب أو عدة جوانب مثل مفهوم وجوه التصرف في قسمة تراكيب الحروف فهو قريب من ال Factorial وغير ذلك من المفاهيم اللغوية الرياضية وهذا التوافق هو قليل وقد يكثر إلى حد ما في الميدان التجريبي.
وهذا اللجوء إلى ما اشتهر الآن من مصطلحات علمية لن يؤدينا إلى التحليق بين المفهوم العربي أو الطريقة التحليلية وبين ما يمكن أن يقابلها في علوم اللسان الحديثة وخاصة ما جاءت به مختلف المذاهب اللسانية الحديثة. فسوف تمتنع امتناعا بانا من التخليط بين التصور العربي للمبنية وبين ما يسميه اللسانيون البنيويون بـ Structure لأنهما شيئان مختلفان تماما. فهذا أساسه الاختلاف في الصفات المميزة (ولا يسميها سوسور بنية بل نظاما) وذاك ناتج عن التركيب وأخطأ الذي وقع فيه هؤلاء البنيويون أصله اهتمام سوسور المفرط بالاختلاف وجعله اللغة كلها نظاما من الاختلافات وهي نظرة فلسفية أكثر منها علمية. وهذا لا يوجد ما يماثله عند النحاة المبدعين ولا نقول بأن المفهومين هما شيء واحد إلا إذا حصل اقتباس الغربيين المفهوم من العرب وصبح ذلك بدليل قاطع. ومع ذلك فقد يكون في الشيء المقتبس من الخصوصية ما يجعله يبتعد من جانب أو آخر من المفهوم الأصلي.
وذلك مثل العامل عند تشومسكي (Government). فاستغلاله الناقص للعامل يجعله يفترق عن تصور العرب له إذ كل النظام التركيبي مبني عليه عند الخليل وسيبويه كما سنراه..
الخطة التي سنسير عليها.
سنستهل دراستنا هذه بموضوع الموضع كتركيب وكبناء والمقارنة بينه وبين الوضع كمواضعة لفظا ومعنى.
ثم ننتقل في هذا الباب إلى النظر في الوحدات الدالة الصغرى في العربية وكيف كان يتم إثباتها عند النحاة القدامى. أما في الباب الثاني فستعرض لأهم مفهوم في تحليل الكلام والبني وهو الموضع كعنصر أساسي في تحديد البنية اللغوية ونعاج فيه أيضا موضوع الأصول والزوائد.
ونتطرق في الباب الثالث إلى مستوى ما سميناه بـ اللفظة وهو بين الكلمة وبين الكلام ولا يوجد مثله في النظريات اللسانية الحديثة (إلا عند الساني واحد فرنسي كما مر).
أما الباب الرابع والباب الخامس فسيخصصان للفظة الفعلية أصولا وزوائد(2) والمقارنة بينها وبين الاسمية.
وسيكون موضوع الباب السادس مستوى بناء الكلام أو المستوى التركيبي وأساسه مفهوم العامل كمحور للكلام.
وفي الباب السابع سنتعرض للزوائد في مستوى الكلام كوحدة تركيبية ويتلوه الباب الثامن في الكلام عن ظواهر الإطالة وهي إما إدراج جملة في موضع الاسم أو تثنية محتوى الموضع. وسنتعرض في الباب التاسع إلى أعلى مستوى في اللغة وهو مستوى الصدارة.
وسيكون الباب العاشر خاصا بالوصف المفهومي العلة والتعليل ومكانتهما في النحو العربي. وقبل الخاتمة سنقوم بمقارنة في ملحق خاص بين هذا النحو العلمي وكيفية استثماره ببحوث تطبيقية الفائدة النحو التعليمي إن شاء الله.
_____________________
(1) وهي أعم بكثير من المصوت. انظر دراستنا هذا الموضوع في بحوث ودراسات في اللسانيات العربية (ج2 ص175- 201).
2- أما ما يعطي من المصطلحات معنى لا ينتسب إلى مذهب معين أو نظرة خارجية خاصة فلا حرج في استعماله مثل معنى الزيادة التي يقابلها كلمة ajout أو increment وكذلك كل المصطلحات العلمية التي لا تصطنع في معناها بترعة مذهبية مثل مصطلحات الرياضيات.