الوضع والموضع (1) بمعنى التركيب
لقد سبق أن تطرقنا إلى مدلول الوضع كمصطلح لغوي في كتابنا السابق: الخطاب والتخاطب ويقابله الكود في عصرنا الحاضر. وحاولنا أن نبين أن معنى الوضع عند النحاة ابتداء من القرن الرابع هو هذا النظام الاصطلاحي في حد ذاته في مقابل استعمال الناطقين له. ولهذا اللفظ في اللغة مدلول أصلي وهو جعل الشيء في مكان وإثباته فيه ومن تم معنى التأسيس وهو مدلول قديم جدا. فقد جاء في القرآن الكريم: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة (آل عمران 96). ومن ثم صار يدل على تخصيص اللفظ للدلالة على معنى معين بوضع واضع. ويستعمل النحاة القدامى الفعل من هذا اللفظ بهذا المعنى. ويكون هذا التخصيص لغويا إذا صار تواضعا بين الناطقين أي اصطلاحا يتفاهمون به ويصير بذلك تأسيسا اجتماعيا.
ويقابل هذا المدلول مدلول آخر لا يقل أهمية وهو وضع الشيء على وضع معين، جاء في اللسان: تقول في الحجر إذا بنى به ضعه غير هذه الوضعة ... (في وضع) أي على غير هذه الهيئة.
ويكثر مجيء الوضع بهذا المدلول الأخير في كتب النحاة الأولين وأتباعهم. قال سيبويه: لأنك تستفهم على ما وضع عليه المتكلم كلامه (1/ 401).
وقال: لأي شيء وضع هذا الكلام (459) وقال أيضا: وأن الأمر ليس على ما وضعه عليه المحدث (273).
وقال: فوضعوا كل واحد منهما على غير الموضع الذي وضعته العرب (1/ 167-168). وقال أيضا: وهذا كلام حديث موضوع في غير موضعه (273). يعني: على غير الهيئة والانتظام الذي تعارف عليه العرب. وقال: "يحتملون قبح الكلام حتى يضعوه في غير موضعه لأنه مستقيم ليس فيه نقص (186). وذلك مثل الفصل بين قد والفعل نحو: قد زيدا لقيت (51). وهو من ضرورات الشعر. ولا يجوز ذلك في غير الشعر. قال هذا الصدد: هذا باب منه استكرهه النحويون وهو قبيح فوضعوا الكلام فيه على غير ما وضعت العرب (167). وقال: وضعوا الكلام غير موضعه وكان قياس هذا لو تكلم به كان هينا (384). يعني سيبويه في كل هذا أن هيئة الكلام في كل الأمثلة التي ذكرها ليس مما يستعمله العرب في كلامهم ويُعبر عن ذلك بفعل وضع ويعني بعبارته: في غير موضعه على غير الوضع أو الهيئة التي يعرفها العرب.
(1) الوضع والبناء
ويأتي لفظ الموضع في مثل هذه العبارات بمعنى المصدر. كما يكثر محيؤه في الكتاب كاسم مكان كثرة فائقة فإذا اختص الوضع بكلمة بدلا من الكلام مثل: فتضع الصفة موضع الاسم (276) فهو اسم مكان أما إذا كان الكلام هو المقصود من الوضع كما جاء في الأمثلة السابقة فهو مصدر ويعني سيبويه بوضع الكلام تأليفه ولا يستعمل لهذا المدلول هو وأصحابه إلا كلمة بناء ومشتقاته. فهذا مدلول آخر تماما وهو أيضا قديم. فقد جاء في القرآن الكريم: يحرفون الكلم عن مواضعه (النساء، 46). ولفظ البناء عند قدامى النحاة وهو أساسي عندهم. وفيه معنى التأليف المقابل لمجرد الضم وبذلك يكون أخص من التنظيم لأنه صياغة. فكل بناء في استعمالهم نظام وليس كل نظام عندهم بناء (2). ففيما يخص بناء الكلم يقول ابن جني:
إنما غرضك البناء من هذه المادة (جذر الكلمة) مرتبا من تقديم حروفها وتأخيرها على هذا الوضع (3/ 117). وقال الرضي عند تحديده المفهوم الصيغة المراد بوزن الكلمة بناؤها وصيغتها وهيئتها التي يمكن أن يشاركها فيها غيرها وهي عدد حروفها المرتبة وحركتها المعينة وسكونها مع اعتبار الحروف الزائدة والأصلية كل في موضعه (شرح الشافية 1/2). وفيما يخص مدلول الاصطلاح فقد رأينا أن الأبنية هي أيضا متواضع عليها فهي أيضا اصطلاح وتعني بذلك أن مثل تقديم الفعل على فاعله وإفراده ليس المتكلم مخيرا فيه فهو قانون تختص به اللغة العربية وإن خالفه المتكلم فإنه يكون كلامه خرج عن حد كلام العرب. وكذلك هي المعاني التي تدل عليها الأبنية. ولا فرق بينها وبين الألفاظ المفردة التي وضعت المعان معينة: فالبناء في اللغة هو نفسه متواضع عليه. إنما الفرق بينهما أن المواضعة الخاصة بالأبنية للمفردة أو الجملة - هي جانب آخر منها زائد على الجانب الدلالي المحض. فهذا وضع اصطلاحي دلالي semiological code)) وذلك وضع اصطلاحي تركيبي((grammatical code فالأول يخص المعنى الموضوع له اللفظ والثاني يخص التأليف الموضوع له اللفظ مفردة كان أم جملة. وهذه الفوارق الأساسية قد التبست على النحاة في القرن الرابع حصرهم الوضع في المفردات فيما وصل إلينا من كلامهم ومقابلتهم بين ما سموه بأوضاع اللغة وهي المفردات وبين المقاييس أي الأصول النحوية (انظر الإيضاح للزجاجي). هذا وعلى الرغم من كثرة مجيء لفظة الوضع عند سيبويه بمعنى الانتظام والتأليف وكثرة مجيء لفظة البناء جميع مشتقاتها بهذا المعنى فإنهما سيختفيان في العصور التي تلت وستقوم مقام البناء لفظة التركيب. وبدأ ذلك في القرن الثالث فقد استعمل الجاحظ كلا من الوضع والتركيب في جملة واحدة قال:


فإذا وضع على غير هذا الوضع
وركب غير هذا التركيب (الحيوان (3/ 347)
فيتضح من هذا التناظر أن كلمة التركيب صارت عنده تساوي الوضع، وحصل هذا التحول بعد وفاة سيبويه بقليل. ولم يأت ذكر التركيب على الإطلاق في كتابه وكتب معاصريه فيما تعلم. وكان سيبويه يستعمل لفظة البناء بمعنى التركيب مع زيادة في المعنى. وقد تغلبت كلمة التركيب ومشتقاتها كما قلنا على لفظة البناء بعد سيبويه حتى اختفت في كتب النحو عند أكثر المتأخرين إلا في مادة التصريف (3).
ويجدر بنا أن نتذكر أن سيبويه لا يستعمل لفظة الوضع مضافة إلى اللغة كما سيشيع ذلك في القرن الرابع إلا أن مفهوم الوضع الاصطلاحي كمقابل للاستعمال موجود عنده في عبارته الأصل في الكلام كما بيناه في كتابنا السابق. كما أنه يكثر من إضافة الوضع بمعنى التركيب والتنظيم للمتكلم كما رأينا.
وهكذا يفعل عبد القاهر الجرجاني كلما أراد أن يبين التقابل المهم الذي يوجد بين وضع اللغة ووضع الكلام. فذاك نظام اللغة المتواضع عليه وهذا استعمال المتكلم له وبالتالي هو تنظيم للكلام خاص بالمتكلم مما يجيزه النحو فقط ويختاره المتكلم لغرض خاص في مقام معين (4).
2) معاني البناء

أما ما اختص به البناء عند سيبويه فقد تعرضنا لبناء الكلم أما بناء الكلام فيمكن أن يستنبط مما يقوله:
وإذا بنيت الاسم عليه قلت: ضربت زيدا لأنك تريد
أن تعمله وتحمل الاسم عليه (1/ 41)



قال أيضا:
تقول هذا ابتداء ولم تحمل أن على رأيت (1/ 462)
فهذا لا يكون إلا مستأنفا غير محول على ما حمل عليه (464)
وإن شئت ابتدأت ولم تحمل الكلام على أن لك (463)
نستنتج من هذا أن حمل الاسم على الفعل هو عند سيبويه بناؤه عليه وهذا المحمول يقابله ما هو مقول ابتداء ومستأنفا غير محمول على شيء. فالمبني على المبتدأ هو الاسم الذي صار في بنية الكلام ما هو تابع لما سبقه، فهذه التبعية في بناء الكلام هي المعنى الزائد على معنى التركيب الأصلي. والجدير بالملاحظة أن سيبويه لا يقول أبدا أن الفعل مبني (أو محمول على الفاعل كما أن الخبر مين على المبتدأ والسبب كما سنراه هو في لزوم الفاعل لفعله اللزوم المطلق كأنه جزء منه واستحالة تقدمه عليه (5). فلا يمكن أن يكون مبنيا على الفاعل وسنعود إلى هذا فيما بعد إن شاء الله (6).
أما معنى التركيب عند غيرهم من النحاة فلا يلزم منه هذه التبعية التي يقتضيها البناء النحوي القديم وهذا يدل على ضياع مفهوم مهم وهو من المفاهيم الأساسية للنحو العربي الأصيل.
ولا شك أنهم أي علماء القرن الرابع - قد استحسنوا لفظة التركيب لأنها أعم من البناء. ويمكن في الختام أن تصور النظام الدلالي للوضع بهذا الشكل:
الوضع
إثبات أو جعل الشيء في مكان

تأسيس شيء (لمصلحة) ترتيبه / تنظيمه
تخصيص لفظ لمعنى التركيب والبناء
≠ بالتواضع ( كود) على هيئة معينة
(متواضع عليه أيضا)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- الموضع هاهنا كمصدر لا كاسم مكان.
2- وهذه النظرة قد تجاهلها البنيويون المعاصرون تفعلهم مذهب دي سوسور بنويا مع أن نظام اللغة عند سوسور هو قبل كل شيء نظام تفاضل (بالصفات). وليس فيه أي بناء إذ انتظام عناصر اللغة يحصل عنده خاصة بانتمائها إلى فئات متقابلة ومتقاطعة وليس في ذلك أي تركيب من وجهة نظر سوسور
Système basé sur la difference
3) كما استعملها القدماء فالأبنية صارت خاصة بالكلم عند أكثرهم. وصار التركيب أيضا خاصا بالكلام وأما اصطلاح البناء المقابل للإعراب فمأخوذ من عبارة الكتاب: ما يبنى عليه الحرف بناء لا يزول عنه لغير شيء أحدث ذلك (1/ 3) فخصصوا لفظة بناء ههنا لعدم قبول الكلمة للإعراب باختصار عبارة: بناء لا يزول عنه.
4) انظر الدلائل 78،69،64، 81 وغير ذلك.
5) وترك هذا التمييز الأساسي بعد القرن الرابع.
6) وقال سيبويه: لو أدخلت في هذا الفعل الفاعل وبنيته له (201) كما قال: فأسكن هذا وبني على هذه العلامة