سجل تشي السادس (لمَّا كان «دياو بو» يقدح في أخلاق تيان دان)
المؤلف:
ليو شيانغ
المصدر:
سياسات الدول المتحاربة
الجزء والصفحة:
ص 260 ــ 263
2026-06-20
29
كان «دياو بو» [من أهالي تشي] يقدح في أخلاق وسمعة «تيان دان»، قائلًا عنه: «إن ذلك المدعو آن بنجون [لقب تيان دان] رجل حقير دنيء، لا قدْر له.» فلما بلغ ذلك القول سمع تيان دان أسرع بعمل وليمة فخمة دعا إليها «دياو بو»، وقال له وهو حاضر: «لئن كنت قد أسأت إليك في بعض المواطن، فقد امتدحتني لدى البلاط الحاكم، وأثنيت عليَّ داخل أروقة القصر الملكي» فأجابه: «إن الكلب الذي كان يُربيه السيد «طاوجي» كثيرًا ما جعل ينبح على السيد «باو»؛ وبالتأكيد فهذا لا يعني أن الكلب يبجل السيد طاوجي، أو ينقص من قدر السيد «باو»، فالكلب، عادةً ينبح على الرجل الغريب، ثم إننا لو افترضنا أن السيد كونسون رجل حكيم ذو فضل وعقل راجح، بينما السيد شيوتسي رجل خائب لا يُرجى منه خير ولا نفع، ثم قام كلاهما وتعاركا، فلا بد من أن كلب السيد شيوتسي سيُهاجم خصم سيده ويعض ساقه، فإذا باعدْنا بين الكلب وسيده الأول الخائب قليل المروءة (كونسون) ثم أعطَيناه للرجل ذي الفضل ليقوم على تربيته، حتى صار كلبه الوفي، فهل يظل — مثل حاله الأول، مع سيده الخائب — يُهاجم الناس ويعقرهم كلما واتته الفرصة؟ فهنالك قال له تيان دان: «قل ما شئت إذن، وسأُصغي لك بكل احترام وإجلال.» وفي اليوم التالي قدَّم توصيته إلى جلالة الملك يُزكيه ويوصي بتوليته وظيفة مرموقة.
الجزء الثاني من الفصل نفسه
ثم إن الملك شيانغ — حاكم تشي — جمع إليه الوزراء التسعة الذين كانوا محل ثقته التامة؛ وذلك بغرض التآمُر على تيان دان فما كان من الوزراء التسعة إلا أن أشاروا على الملك بقولهم: «عندما هاجمت يان دولة تشي، أسرع حاكم تشو بإرسال القائد العسكري «ناوتشي» على رأس عشرة آلاف مقاتل لمساندة تشي في مقاومة عدوان يان عليها، أما وقد تم ردع العدوان و… بناء ما تهدم، وإعادة تعمير عاصمة البلاد وانتشار الأمن والاستقرار في الأنحاء كلها، فما الذي يمنع جلالتك من إرسال مبعوث إلى حاكم تشو تعبيرًا عن تقديرك وشكرك لما قام به نحوك من جميل؟» فسألهم الملك عما يَرونه مناسبًا للقيام بهذه المهمة من مساعِديه، فأجابوه بأن أنسب من يختاره لذلك الغرض هو «دياو بو».
وبالفعل فقد ذهب الرجل مبعوثًا إلى بلاط «تشو» الحاكم وتقبل جلالة الملك مشاعر الودِّ والشكر من طرف دولة تشي وامتنانها لما قام به نحوها، واستبقى «دياو بو» لديه وقدم له المآدب العامرة، يأكل ويعبُّ كئوس الخمر على هواه، وظلَّت الحال على ذلك عدة أيام دون أن يعود المبعوث إلى بلاده، وحدث أن اجتمع الوزراء التسعة مرةً أخرى وتحدثوا إلى الملك، قائلين: «من الغريب أن يتم استبقاء رجل عادي ذي سلطة ومكانة مُتواضعة في بلد يحوز عددًا هائلًا من السلاح والجنود والمعدات، ويبقى طوال هذا الوقت في كنف حاكم تلك البلاد، ويدور بخلدنا أنه ما كان يمكن للرجل أن يبقى هناك دون أن يكون مُستندًا في ذلك إلى قوة ونفوذ تيان دان، ومن ناحية أخرى فإنا نلاحظ أن تيان دان هذا كثيرًا ما يتجاوز حدود اللياقة والأدب مع جلالتكم دون مراعاة للفرق بين الأسياد والأوغاد، هذا فضلًا عما يجيش به صدره من نوايا الغدر والتآمُر، إذ يسوس أمور الناس — داخل البلاد — ويُهدئ خاطرهم، ويمد يد الإحسان للناس ويعين المكروب، أما في الخارج، فهو يُهادن البرابرة المسلحين ويشمل بعنايته ذوي العلم والحكمة، ويتحالف سرًّا مع المبرَّزين من المُقاتلين والأبطال في الدويلات والممالك، وقد انطوت جوانحه على اغتصاب العرش؛ فلعل جلالة الملك يفتح عينَيه ويرقب الأحوال بمنتهى الحرص والدقة.»
ثم إن الملك شيانغ نادى بالأمر، ذات صباح طلب استدعاء وزيره الأكبر تيان دان، فصدع هذا بالأمر، وجاءه عاري الرأس (دون أن يرتدى القبعة الرسمية) حافيَ القدمين مكشوف الصدر (بغير إزار أو قميص فوق جذعه) فلمَّا مثل بين يديه، تأخر للخلف قليلًا طالبًا من جلالته إصدار الحكم بإعدامه والإطاحة برأسه، وبعد خمسة أيام تكلم معه الملك، قائلًا: «لا أراك ارتكبت ما يوجب إعدامك، فلم أعهد منك خيانة لي». فلتبذل غاية جهدك في الوفاء بحقي عليك، وستجد مني كل الوفاء بحقوق معاملتك كوزير رفيع القدر تحت سلطاني، وليقُم الأمر على ذلك ما بيني وبينك».
الجزء الثالث من الفصل نفسه
وحدث أن رجع دياو بو من بعثته في دولة تشو، فأكرمه الملك غاية الإكرام وخلع عليه، وأقام له مأدبة، وملأ له بنفسه كئوس المُدام، ولمَّا شرب الملك الخمر، بلغت به النشوة مداها وانبسطت أساريره فأمر باستدعاء تيان دان إلى الحفل قائلًا: «أحضروا «تيان دان» إلى هنا.» وهنالك قام «دياو بو» من مقعده وتوجَّه إلى الملك وركع أمامه مؤديًا التحية أكثر من مرة، وتحدث بكل احترام قائلًا لجلالته: «عفوك يا سيدي، كيف يصدر عن فمك مثل هذا القول الذي يمكن أن يعرض البلاد للخطر؟ ولتنظر فيما مضى من سيرة الملوك العظماء، مثل الملك أون حاكم جو، ولتتأمَّل، وتسأل نفسك أيكما أوفر حكمة واقتدارًا أنت أم الملك أون؟» فأجابه: «بل الملك أون أكثر نجابة وأعظم نجاحًا.» فسأله دياو بو ثانية: «نعم يا مولاي، قد علمت أنك ستجيب بذلك، فدعني أسألك عمن وراءك من الملوك، مثل الملك هوانكون حاكم تشي؟ أترى، إذا قارنت بينك وبينه، أيكما أكثر سدادًا في الرأي ورجاحة العقل؟» فأجابه: «بل هوانكون الأكثر رجاحة وحكمة.» فقال له دياويو: «قد عرفت ذلك قبل أن أسألك يا سيدي، لكنك ما دمتَ قد قلت ذلك بنفسك، فدعني أُذكِّرك بما فعله الملك أون — حاكم جو. عندما اتخذ لوشانغ وزيرًا في بلاطه الحاكم، إذ منحه اللقب الفخري «تايكون»، ولما اتخذ الملك هوانكون وزيره كوانجون رئيسًا لحكومته، فقد لقَّبه باللقب الرسمي الفخم جونفو؛ فانظر يا مولاي وقد اتخذتَ آن بنجون وزيرًا أعظم في بلاطك، فإنك تُناديه باسمه المجرد «دان»، هذا بالإضافة إلى أنه لم يُوجَد على ظهر الأرض منذ بدء الخليقة من يُنازع آن بنجون في مآثره الجليلة وحسن قيامه على شئون البلاد، ومع ذلك فلا تُناديه جلالتكم إلا بالاسم المجرد دان [يعني، في الصينية: ضحل خفيف معزول …] فكيف يَصدُر عنك مثل هذا اللفظ المجرد الذي يمكن أن يودي بالأوطان إلى المهالك؟ ولمَّا كنت جلالتك غير قادر على تقديم الدعم والحماية لِما تبقى من عرش الملك «مين»، فقد استغلَّت دولة يان الفرصة وقامت بحشد الحشود وشن الغارة على عاصمة تشي، فولى جلالته الأدبار واختفى في تلال «تشنغ يان». أما «آن بنجون» (… تيان دان) فقد وضع يده بيد أهالي مدينة جيمو (… على الرغم مما أحاط بالأجواء من الخوف والقلق …) وحشد وراءه أهالي المدينة الداخلية ذات الأميال الثلاثة، بالإضافة إلى الضواحي الخارجية ذات الأميال الخمسة، وعلى الرغم من فلول الجيش المنهكة، فقد استطاع أن يجهز قواتٍ قوامها سبعة آلاف مقاتل، وتمكن بكل تلك العوامل أن يوقع بقائد القوات العادية في كمين (يقصد «تشي جيه») وأعاد إلى تشي آلاف الأميال من الأراضي المسلوبة، وكانت تلك، وغيرها، بعضًا من مآثره الجليلة، ولو كان قد فكر في مثل تلك الظروف أن يغلق أبواب المدينة، ويُنصِّب نفسه ملكًا على عرش البلاد لما منعه أحد في طول البلاد وعرضها، سواء في الممالك كلها أو مدينة «تشنغ يان» لكن «تيان دان» لم يكن بالرجل الذي يمكن أن يصدُر عنه مثل هذا التصرف؛ انطلاقًا من إيمانه بالمبادئ وعملًا بالأصول الأخلاقية في كل ما يُدبره من خطط؛ لذلك فقد سارع بإقامة الدروب الخشبية المعلقة وذهب من فوره إلى منطقة التلال الكائنة بمدينة «تشنغ يان» ليستقبل جلالة الملك والسيدة حرمه، ويقودهما في طريق العودة إلى الوطن ليجمع شمل الملك وشعبه مرة ثانية وهكذا فقد كان للرجل الفضل في أن ينتشر الاستقرار والأمن في ربوع البلاد، فيهنأ الناس بسعادة أيامهم … ثم يأتي جلالة الملك، اليوم، ويناديه باسمه مجردًا من دون ألقاب … «دان» … ولا أظن أن صبيًّا عابثًا يمكن أن يدور بخلده مُناداة الرجل بهذه الطريقة، ولا أرى إلا أن يُسرع مولاي الملك بالتخلُّص من أولئك التسعة ثم يُبادر بعد ذلك إلى تقديم الاعتذار إلى «آن بنجوان» وإلا تعرضت البلاد لمخاطر جمة واضطربت الأحوال. وبالفعل، فقد أقام الملك السيف على رءوس المُستشارين التسعة وطرد ذويهم خارج البلاد، ثم تكرم بمنح «آن بنجوان» إقطاع بلدة «إيه».
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في تاريح الحضارة الصينية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة