قامت يان بمهاجمة دولة تشي واقتحمت عاصمتها فهرب الملك «مين» إلى دولة «جيو»، حيث لقي حتفه على يد «ناوتشي» وكان «تيان دان» — في تلك الأثناء — يتولى حماية مدينة «جيمو» وقد أبلى بلاء حسنًا في مقاومة دولة يان، بل إنه استطاع أن ينازل قواتها ويردَّها على أعقابها ويهزمها شر هزيمة، ثم راح بعد ذلك، يُجدد عمارة العاصمة ويبني بدل ما تهدَّم من مبانيها، وجرى إقرار الملك شيانغ وليًّا على العرش بوصفه الأمير الوريث، فلمَّا كانت تشي قد ردَّت يان على أعقابها وأنزلت بها هزيمة مُنكرة، فإن كثيرًا من الشكوك ثارت حول مدى جدية «تيان دان» في تنصيب خليفة للملك المقتول ووقع في ظن أهالي دولة تشي أن الرجل يتحيَّن الفرصة ويُهيئ لنفسه الظروف ليقوم بنفسه مقام الملك، فإذا به يؤازر الأمير شيانغ ويقوم إلى جواره مساعدًا له حتى تولَّى العرش، ملكًا على البلاد، ولم يقصر في خدمته.
الجزء الثاني من الفصل نفسه
كان تيان دان مارًّا ذات يوم في طريقه بجوار شاطئ نهر «زيشوي»، فرأى رجلًا متقدمًا في السن يجلس قرب حافة الماء وقد أخذ يرتجف من شدة البرد بعد أن عبر النهر سيرًا على الأقدام، وفكر تيان دان في أن يأمر رجاله بأن يُلقوا إلى الكهل الذي أقعده البرد والإنهاك عن المشي برداء يُدفئه، لكنه لم يجد عند أحدٍ منهم فضلة من الثياب، فخلع رداءه وأعطاه للمسكين.
فلمَّا وصلت أخبار تلك الواقعة إلى الملك شيانغ، تكدَّرت نفسه للغاية، وحدَّث نفسه قائلًا:
«هو ذا «تيان دان» ينثُر على الناس من عطفه الشيء الكثير فما أراه إلا ظافرًا بما يؤهِّله للوثوب إلى العرش فيُقصيني ويقوم مكاني، فلأعجِّل باتخاذ الحيطة الواجبة قبل أن تنقضي الأمور وينفلت الزمام.» ونظر الملك حواليه فلم يجد أحدًا بالقُرب منه، فتطلَّع في المدى، فشاهد بالقُرب من القصر واحدًا من رجال البلاط … يُدعى «كوان شو» فأدناه الملك إليه بإشارة منه، وسأله: «أسمعت ما كنتُ أحادث به نفسي بصوتٍ عالٍ منذ قليل؟» فلما رد عليه بالإيجاب سأله الملك: «فكيف تراني أصنع معه؟ وبماذا تُشير عليَّ في هذا الأمر؟» فأجابه كوان شو، قائلًا: «أرى من الأفضل أن تجعله من رجال حاشيتك المُحسنين، فتمتدِح سيرته وتُثني على أفعاله، وتُصدر أمرًا تقول فيه، بالنص «لمَّا نما إلى علمنا أن أفرادًا من الشعب يُقاسون الجوع، فقد أصابنا ذلك بمزيد القلق والضيق، فدفعنا إلى «تيان دان» بما يسدُّ أبواب المجاعة من الحبوب والغذاء، وإذ جزعتُ لمصاب الناس من البرد وقلة الكساء؛ فقد أراد «تيان دان» أن يُدخل على قلبي السرور بما أقدم عليه من خلع ردائه كي يستدفئ به من يُقاسون الزمهرير، وكم يُحزنني أن يشقى الناس ويرهقهم ضيق العيش، وهو الأمر الذي انتقل تأثيره إلى قلب تيان دان ومشاعره، فصار هو الآخر يَنزعج لما يُضايقني؛ مما جعله يترفَّق بالناس، لما يعلمه من إشفاقي عليهم.»
وهكذا، فكلما سلك «تيان دان» بين الناس بالعطف والرفق والرحمة، ونال منك الثناء والتقدير، بَدَا الأمر (للناس كلهم) وكأنك أنت العطوف، والبَر الرحيم.»
وهنالك استحسن الملك رأيه، وقرر مكافأة سخية ﻟ «تيان دان» وأهداه من الخمر واللحم ما لا مزيد عليه وأثنى على أفعاله كثير الثناء.
الجزء الثالث من الفصل نفسه
وما هي إلا أيام قليلة حتى عاد «كوان» لزيارة الملك «شيانغ» فلمَّا التقى بجلالته، قال له: «أرى أنه من اللائق — يا مولاي — أن تنتهِز فرصة وجود الأمراء في قصرك بعد أيامٍ قلائل، لتقدم التحية على رءوس الأشهاد، ﻟ «تيان دان»، وتتكرم عليه بالهدية المناسبة والمكافأة السخية، ثم تُصدر أمرًا ملكيًّا في الحال بالبحث عن المحرومين والجائعين، لاتخاذ الإجراءات العاجلة لإيوائهم والعناية بأحوالهم، ثم تُرسل بعيونك إلى الضواحي البعيدة [هكذا] لمُراقبة ردود أفعال عامة الناس، والإنصات لما يقولونه في أحاديثهم، حيث ستجدهم جميعًا يُردِّدون، قائلين: «لئن كان تيان دان يعطف على الناس ويترفَّق بهم من الرحمة والود والشفقة، فالفضل في ذلك يرجع إلى جلالة الملك نفسه»!»