لمَّا التقى الملك شيوان، حاكم تشي، بالزاهد الحكيم «يانشو»، قال له: «تعال ها هنا أمامي يا «يانشو»!» ورد عليه يانشو باللهجة نفسها آمرًا: «بل أقبل أنت يا جلالة الملك وقف أمامي!» فتغيَّر وجه الملك من الغضب، وضجَّ الحاضرون جميعًا وصار المُتحلقون حول جلالته يقولون للرجل: «ما الذي دهاك حتى ترد على الملك الذي أمرك أن تمثُل أمامه بأن يذهب هو إليك ويقف قبالتك؟! أما عرفتَ أنه الملك سيد الناس جميعًا، وما أنت إلا مجرد واحد من الرعية؟!» فأجابهم يانشو قائلًا: «إن ذهابي إليه (لو ذهبت) تملُّق وطمع في جاه، بينما امتثاله بالوقوف بين يديَّ تواضُع ومودة للحكماء.» فزاد غضب الملك واشتدَّ هياجه وهو يجيب قائلًا: «مَن الأكثر استحقاقًا للتوقير والإكبار؛ الملوك أم الحكماء؟» فلما ردَّ عليه يانشو بأن الحكماء هم الأجدر بذلك، سأله الملك عن السبب في هذا وعلى أي أساسٍ يبني ذلك التقدير؟ فانطلق «يانشو» يقول له: «هناك بالطبع منطق يحكم مثل هذه التقديرات [لكن دعني أقص عليك حكاية قصيرة، فقد] قامت دولة تشين، فيما مضى بمهاجمة تشي، وأثناء القتال، أصدر حاكم تشين أوامر تقضي بإعدام كل من يحاول أو يشرع في قطع الأشجار المُحيطة بمدفن المُفكر والفيلسوف الراحل «ليو شياوي» بحيث يُعَد الحكم بذلك نهائيًّا غير قابل للطعن أو النقض على أي نحوٍ كان، وفي الوقت نفسه أصدر حاكم تشين أيضًا قرارًا آخر متزامنًا مع الأمر السابق ذكره وينص على «مكافأة من يأتيه برأس ملك تشي بمنحه عشرين ألف أوقية ذهبًا خالصًا، وإلحاقه بمركز وظيفي مرموق في الدوائر الحكومية العُليا؛ ففي ذلك ما يدل على مدى التبجيل والتقديس والاحترام الذي حظِيَ به رفات رجل حكيم مما لم يتوافر لرأس ملك على قيد الحياة.» وهنا أطرق الملك بوجهٍ عابس ولم ينطق بشيء.
الجزء الثاني من الفصل نفسه
وتحدث المُجتمعون حول الملك إلى الزاهد الحكيم يانشو قائلين له: «تريَّث في أحكامك أيها الزاهد (الفيلسوف)، أما قد علمتَ أن جلالة الملك يمدُّ سلطانه فوق أراضٍ شاسعة [تحوطها ألوية وكتائب وتحرسها آلاف مؤلفة من العربات العسكرية] وأن له المعابد المشيدة [وله تدق النواقيس بأجرامها الهائلة المُعلقة] وأن كل من تحت السماء من أهل الحكمة [بما في ذلك أشهر المجادلين والمتناظرين] والداعين بين الناس بالحق والعدل، جميعهم بغير استثناء قد قصدوا أعتابه الملَكية ولم يستنكفوا أن يهتدوا بنُصحه وإرشاده، كما لم تأبَ دولة من الدول التي فوق الأرض أن تخضع لنفوذه وتأتمر بأمره [وتأتيه طوعًا بما يحتاج أن يفرضه عليها قسرًا]، فالكل مُستجير به ملتجئ إلى عونه ومساندته، أما الحكماء [الذين تتحدث عنهم] فإن أعلاهم قدرًا يمشي بين آحاد الناس على قدمَيه ويُقيم بأطراف الحقول والمزارع، أما أدناهم مكانة، فيسكن الأحراش ويهيم في البرية، أو يقبع عند مداخل الأزقة والحواري الضيقة [وضيع الشأن، حقير المنزلة]، فليس الحكماء، والزهاد على شيء مما يستوجب التوقير والإكبار!»
الجزء الثالث من الفصل نفسه
وردَّ يانشو قائلًا: «مال بكم الرأي وجانبكم الصواب؛ أما عرفتم أن الأمراء والحكام في زمن الإمبراطور الأكبر «يو» [مؤسس عرش أسرة «شيا» الحاكمة] كانوا يقومون على شئون إماراتهم ودويلاتهم مُهتدين في ذلك بمبدأ «مراعاة التقاليد الأخلاقية النبيلة» ومُستندِين إلى ما شاع بين الجميع من تبجيلهم لرجال الحكمة والأماجد والنبهاء، وهكذا [فقد كان ذلك هو المبدأ الذي بواسطته] جرت ترقية الملك شون من مجرد عامل زراعي يجوب المزارع والمحلات البعيدة إلى مرتبة الإمارة، وقد بلغ عدد الحكماء [من هذا النمط [في زمن الملك تانغ] أسرة شانغ الملكية] ثلاثة آلاف فرد، أما في زماننا هذا فلم يعد هناك من الملوك الجنوبيين الذين تسبق أسماءهم ألقاب: «المتواضع»، «المسكين»، «الخادم الفقير» سوى أربعة وعشرين حاكمًا فقط، وهذا في حدِّ ذاته دليل واضح على أن التسويات والمُساومات السياسية قد جاءت بأوخم العواقب، حتى صار الملوك والأمراء يتقاتلون ويزاحِمون بعضهم بعضًا في الاستئثار بحُكم الدويلات أو الاستيلاء على عروش الأباطرة، فأبادوا الديار وشتَّتوا الناس وأفنوا القبائل والعشائر، ولم يعد هناك — من الأمراء — من يفكر في أن يذهب ويقبع بجوار بوابات الأزقة والشوارع [كالحكماء والزهاد، فيما مضى] وهو المعنى الذي نُطالع شيئًا منه في «كتاب التغيرات» حيث يرد النص التالي: «إذا ما تولَّى المرء منصبًا مرموقًا دون جدارة أو استحقاق بموجب مزايا أو مواهب أصيلة ثم راح يتباهى بين الناس فخورًا بما أوتي من جاهٍ وشرفٍ ومكانة، فسوف يتطبع بطابع الصلف والغرور، وهي صفات قريبة من معاني النفاق والنذالة والكبر والهمجية، ومن ثم فالساعي إلى المجد بغير امتلاك لأسباب المجد قمين بالانكسار والمذلة، وكالباحث عن لذيذ العيش دون سندٍ من خصال أو أخلاق، فدرْبُه وعر، ومسالكه عسر، ومصيره محتوم، بعد اللِّين، بالضيق والشدَّة، ومن كسب مالًا أو جاهًا بغير جهدٍ أو فضل، فالهوان قدره المقدور؛ ونكبته النكباء لا تزول …» [ فمن ثَم كان] المُتشدِّق بالفضل ليس له أي فضل، والراجي من دون سند للرجاء لا يُنال له رجاء.» وكان الحكماء قديمًا حريصين على أن ينالوا المجد بما يبذلون من جهد، حتى إن الملك «ياو» اضطر [لكثرة ما تراكم عليه من مشاغل] أن يستعين بتسعة من المساعدين، أما الملك شون الحكيم، فقد كان له سبعة من المعاونين، وكان للإمبراطور العظيم «يو» خمسة من المعاونين، بينما تضاءل العدد إلى ثلاثة فقط في عهد الملك تانغ ولم يحدث على مرِّ الزمان أن ترقى إلى أوج المجد من لم يتزوَّد بزاد الحكمة، فمن ثم لم يرَ الملوك عيبًا في طلب العِلم والنصح والمشورة، ولم يتحرَّجوا عن استصواب آراء العامة والدهماء أن نطق فيهم ناطق الحكمة؛ فكان سلوكهم هذا هو سبب ذيوع شهرتهم وبلوغهم آفاق المجد بما وطَّدوا أنفسهم عليه من مبادئ سامية وما اكتسبوه من أخلاقٍ وفضائل، ومن بين الملوك والأباطرة الذين ساروا على هذا النحو: ياو، شون، يو، تانغ، أون.
ولقد كان يُقال دائمًا [في مأثور الأمثال]: «إن الخفي الباطني من الأمور هو الذي يُحدد ويسود على الظاهر الملموس منها، وكل ما لا يُعلم له بداية يصبح هو الأساس لكل بداية.» إن كل من يسبر غور الأشياء ويعي منطلقاتها، هو وحده الذي يفهم مسار تطورها، ويبلغ في ذلك ما بلَغه القديسون والعلماء، من تمكن وفهم أسرار العلم وبواطنه، [… وإن كنت أعجب لشيء] فإني أعجب لمن يُنكر الخير والصواب لمن يسلك ذلك السبيل! ومما يذكر عن [الفيلسوف الحكيم] لا وتسي في هذا الصدد، قوله: «لا [بلوغ ﻟ …] رفعة وتوقير بغير [سابق عهد ومقام في] مذلة وتحقير، ولا مجد لمن لم يسقط في قاع الحضيض.» وهكذا يُطلق الملك «خو» على نفسه لقب «الضعيف»، «المسكين»، «الحقير»، انطلاقًا من مبدأ التوسُّل بالضعة والمذلة، بلوغًا لأرفع مقام شريف؛ ذلك أن جلالته يختار لنفسه لقبًا لا يُطلَق إلا على من تدنَّت مكانته من العامة والبسطاء، أوَليس ذلك دليلًا على استعداده للنزول الى أدنى موقع اجتماعي يُمكِّنه من التطلع بعين التبجيل إلى مرتبة الحكماء الزهاد؟ إن ذلك هو ميراث العلم والحكمة والزهد من «ياو» إلى «شون» ومن بعدهما إلى «يو» والملك تشنغ حاكم «جو» وأخيه الأصغر الذي خلفه على عرش البلاد والملك «كندان»، فأولئك هم الملوك الحكماء، الذين أشاد الناس على مر الأجيال بسيرتهم وفضلهم، وفي هذا ما يكفي لتبيان مدى ما يناله الحكماء الزاهدون من احترام وتقديس.»
الجزء الرابع من الفصل نفسه
تنهد الملك شيوان عميقًا وهو يقول: «كيف يمكن لملك أن يقف هذا الموقف غير اللائق؟ لكني أنا الذي جلبتُ على نفسي كل ذلك، وكنت جديرًا بالذم والتوبيخ، وقد سمعت منك اليوم يا «يانشو» ما بصَّرني بحقائق الأشياء، وأرجو أن تقبلني منذ اللحظة واحدًا من تلاميذك وحوارييك، وسيطعم كِلانا، أنا وأنت، طعامًا واحدًا، وتركب في تجوالك عربة تجرُّها الجياد، وتلبس زوجتك وبناتك أفخر الثياب.»
الجزء الخامس من الفصل نفسه
اعتذر يانشو بأدب قائلًا: «إذا كانت تصفية الشوائب عن حجر الماس تستوجب تغيير ملامحه وإعادة تشكيل حالته الخام الطبيعية فهي لا تعني فقدانه لقيمته، بل تعني تغيير شكله الظاهري، وإذا قُدر للحكيم الزاهد المقيم في القفار الوحشية أن [يلتحق بوظيفة مرموقة] ويحظى بدخل هائل وثروة وافرة فسيسعد بذلك كثيرًا لأنه لا يكره الشهرة والثروة والنفوذ — أصلًا — لكنه سيخسر روحه ويبدِّل جوهره، [وكل ما أرجوه يا مولاي أن …] أعود إلى بلدتي، وأمضغ طعامي على مهل، كأني أتلذَّذ بالْتهام أصناف من اللحوم، وأمشي على الطرقات هانئًا سعيدًا كأني أركب عربة فارهة، وتمتلئ روحي بالثقة والرضا كأني صاحب ثروة وجاه عريض، أعيش حياة سعيدة هادئة، لا يُراجعني أحد في آرائي سوى جلالة الملك، الذي لن أتوانى عن أن أبذل له كل الإخلاص والصدق. (والآن) وقد فرغت من ذكر أهم ما في جعبتي من الكلام، فأرجو أن يأذن لي الملك في العودة إلى مسقط رأسي حيث أرجع إلى بيتي وحجرتي الصغيرة.» ثم انحنى بجسده راكعًا، واستأذن الملك في الانصراف.
الجزء السادس من الفصل نفسه
كان يانشو صادقًا في رضاه، مخلصًا في قناعته، وقد آب أوبًا حسنًا إلى نقي طبعه وأصيل جوهره، فسلِم من الخزي طوال حياته.