أورد ذلك آية الله السيّد حسن الصدر تحت عنوان: تَقَدُّمُ الشِّيعَةِ في تأسِيسِ عُلُومِ الحَدِيثِ، وفي ذيله المعنون: أوَّلُ مَنْ جَمَعَ الحَدِيثَ النَّبَوِيّ، وتحته عبارة: الصحيفة الأولى في أوّل من جمَعَ الحديث النبويّ في الإسلام ودوّنه، وذكر فيها أبا رافع كأوّل مدوِّن. ثمّ تحدّث مستدلًّا عن تأخّر أهل السنّة عن تدوين الحديث وجمعه قرنين من الزمان؛ ويردّ بشدّة على السيوطيّ الذي يقول: وأمّا ابتداء تدوين الحديث فإنّه وقع في رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز بأمره.
قال رحمه الله: وأوّل من دوّن الحديث من شيعة أمير المؤمنين بعده أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله. وبعد أن شرح تأخّر أهل السنّة في التدوين. رجع إلى أبي رافع فذكر خصائص تأليفه، وقد مرّ ذكره.
أمّا ما استدلّ به على تأخّر أهل السنّة، فهو قوله: وقد وهم الحافظ جلال الدين السيوطيّ في كتابه «تدريب الراوي» حيث زعم أنّ ابتداء تدوين الحديث وقع في رأس المائة.
قال: وأمّا ابتداء تدوين الحديث، فإنّه وقع في رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز بأمره؛ ففي «صحيح البخاريّ» في أبواب العلم: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فاكتبه، فإنّي خفتُ دروس العلم وذهاب العلماء!
وأخرجه أبو نعيم في «تاريخ إصفهان» بلفظ: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله فاجمعوه!
قال في «فتح الباري»: يستفاد من هذا ابتداء تدوين الحديث النبويّ. ثمّ أفاد أنّ أوّل من دوّنه بأمر عمر بن عبد العزيز، ابن شهاب- (انتهى ما في «تدريب الراوي»).
قال السيّد حسن الصدر: قلتُ: كانت خلافة عمر بن عبد العزيز سنتين وخمسة أشهر، مبدؤها عاشر صفر سنة ثمان أو تسع وتسعين. ومات سنة إحدى ومائة لخمس أو لستّ مضين، وقيل: لعشر بقين من رجب. ولم يؤرّخ زمان أمره، ولا نقل ناقل امتثال أمره بتدوين الحديث في زمانه.
والذي ذكره الحافظ ابن حجر من باب الحدس والاعتبار، لا عن نقل العمل بأمره بالعيان. ولو كان له عند أهل العلم بالحديث أثر بالعيان لما نصّوا على أنّ الإفراد لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله كان على رأس المائتين كما اعترف به شيخ الإسلام وغيره. قال: فأوّل من جمع الآثار ابن جُرَيح بمكّة، وابن إسحاق أو مالك بالمدينة، والربيع بن صبيح، أو سعيد بن أبي عروبة، أو حمّاد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثوريّ بالكوفة، والأوزاعيّ بالشام، وهيثم بواسط، ومَعْمَر باليمن، وجرير بن عبد الحميد بالري، وابن المبارك بخراسان. قال العراقيّ وابن حجر: وكان هؤلاء في عصر واحد، فلا ندري أيّهم أسبق؟
قال ابن حجر: إلى أن رأى بعض الأئمّة أن تفرد أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم خاصّة، وذلك في رأس المائتين وعدّد جماعة.
وقال الطيّبيّ: أوّل من كتبه وصنّف من السلف ابن جُرَيح. وقيل: مالك، وقيل: الربيع بن صبيح. ثمّ انتشر التدوين وظهرت فوائده- (انتهى).
ويقول المرحوم الصدر هنا لتأييد كلامه: ألا تراه لم يذكر تدوين أحد قبل ابن جريح؟!
وكذلك الحافظ الذهبيّ في «تذكرة الحفّاظ» نصّ أنّ أوّل زمن التصنيف وتدوين السُّنن وتأليف الفروع بعد انقراض دولة بني اميّة وتحوّل الدولة إلى بني العبّاس. قال: ثمّ كثر ذلك في أيّام الرشيد. وكثرت التصانيف، وأخذ حفظ العلماء ينقص. فلمّا دوّنت الكتب اتّكل عليها. وإنّما كان قبل ذلك علم الصحابة والتابعين في الصدور، فهي كانت في خزائن العلم لهم- (انتهى كلام الذهبيّ).
ولا يُقاس بالذهبيّ غيره في الخبرة بالتواريخ في أمثال هذه الامور، فلم يذكر ما ذكره السيوطيّ، بل كلّ مَن كتب في الأوائل من علماء السنّة لم يذكره. اللهمّ إلّا أن يقال باستبعاد عدم الأخذ بقول مثل عمر بن عبد العزيز. فلعلّه جُمع بعده، فلا يكون الحكم بجمعه في رأس المائة من القول السديد المحقّق. عصمنا الله من التسرّع في القول.
إذا عرفتَ هذا فاعلم أنّ الشيعة أوّل من تقدّم في جمع الآثار والأخبار، في عصر خلفاء النبيّ المختار عليه وعليهم الصلاة والسلام اقتدوا بإمامهم أمير المؤمنين عليه السلام. فإنّه عليه السلام صنّف فيه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله.
و ذكر المرحوم الصدر هنا شرحاً حول تدوين «الجامعة» عن أصل «بصائر الدرجات». ثمّ تحدّث عن تدوين أبي رافع مفصّلًا[1].
[1] «تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام» ص 278 إلى 280.