لقد كنت اكثر من التردّد على سماحة العلّامة الشيخ آغا بزرك الطهرانيّ أعلى الله تعالى مقامه الشريف أيّام إقامتي في النجف الأشرف من أجل الدراسة، بخاصّة في أيّام الخميس والجمعة، لأنّه كان استاذي في علم الدراية والرجال والحديث. يضاف إلى ذلك أنّه كان يتلطّف عَلَيّ ويودّني كثيراً بسبب انحدارنا من مدينة واحدة، ونتيجة لعلاقات قديمة كانت تربطه بجدّي وأبي وخال أبي. وبلغ حبّه إيّاي أنّي إذا أردتُ منه كتاباً اطالعه فإنّه كان يُعيرنيه من مكتبته مهما كان نوعه. وكنت آتي بالكتاب وأكتب منه. ولا يخفى أنّ هذه الكتب مخطوطة ولعلّ بعضها فريد من نوعه مثل كتاب «ضِيَاءُ المَفَازَاتِ في طُرُقِ المَشَايِخِ والإجَازَاتِ»، ونظائر ذلك كاجازة المرحوم آية الله السيّد حسن الصدر له.
كنت عنده يوماً ودار الحديث حول سند «الصحيفة الكاملة السجّاديّة» فقال: لا شكّ أنّ القائل: «حدّثنا» هو أحد السبعة الذين ذكرهم المجلسيّ في مشيخة «بحار الأنوار» في إجازة صاحب «المعالم» عن خطّ الشهيد رحمه الله. وكلّ واحد منهم في غاية الوثوق والإتقان. ثمّ قال: ذكرتُ أسماءهم في الورقة الملحقة في ظهر صحيفتي، وإذا رغبتَ فاكتب، خذها إلى البيت واكتب! وأعطاني صحيفته المخطوطة، فكتبت صفحة منها طبق الأصل وألحقتها بصحيفتي المخطوطة الموروثة. وأنقلها فيما يأتي نصّاً تيمّناً وتبرّكاً وتذكاراً للنجف مدينة العاشقين، وتخليداً للعالِم المتّقي المتحرّر من هوي النفس العلّامة الشيخ آغا بزرك الطهرانيّ: (بسمه تعالى شأنه العزيز رأيت بخطّ العلّامة النحرير فريد عصرنا الشيخ آغا بزرك الطهرانيّ مدّ ظلّه في ظهر «الصحيفة السجّاديّة» ما هذا لفظه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لوليّه، والصلاة على نبيّه ووصيّه، وبعد فاعلم أنّه روى «الصحيفة» عن بهاء الشرف المصدَّر بها اسمه الشريف جماعة منهم مَن ذكرهم الشيخ نجم الدين جعفر بن نجيب الدين محمّد بن جعفر بن هبة الله بن نما الحلّيّ في إجازته المسطورة في إجازة صاحب «المعالم» -و تاريخ بعض إجازاته سنة 637 - في إجازات «البحار»، ص 108: جعفر بن عليّ المشهديّ أبو البقاء هبة الله بن نما الشيخ المُقْري جعفر بن أبي الفضل بن شعرة الشريف أبو القاسم بن الزكيّ العلويّ الشريف أبو الفتح بن الجعفريّة الشيخ سالم بن قبارويه الشيخ عربيّ بن مسافر وكلّهم أجلّاء مشاهير، وأبو الفتح المعروف بابن الجعفريّة هو السيّد الشريف ضياء الدين ابو الفتح محمّد بن محمّد العلويّ الحسينيّ الحائريّ، وقد قرأ عليه السيّد عزّ الدين أبو الحرث محمّد بن الحسن بن عليّ العلويّ الحسينيّ البغداديّ كتاب «معدن الجواهر للكراجكيّ في الحلّة السيفيّة» في ج 1 سنة 573، وذكرت هذا التأريخ ليُعلم عصر غيره ممّن شاركه في رواية «الصحيفة» عن بهاء الشرف تقريباً وإجازة صاحب «المعالم» مدرجةٌ في المجلّد الأخير من «البحار» وادرج هو في إجازته إجازات ثلاث وجدها بخطّ الشهيد الأوّل إحداها إجازة نجم الدين جعفر بن نما، كما ذكره في أوائل صفحة المائة من هذا المجلّد، ثمّ أدرجها متفرّقةً في إجازته منها الفقرة التي نقلناها، فقد ذكرها في وسط ص 108 من مجلّد الإجازات).
حرّره مالك النسخة إرثاً الجاني محمّد محسن المدعو بآغا بزرك الطهرانيّ في 5 رجب سنة 1345 - انتهى.
حرّره مالك هذه الصحيفة إرثاً محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ في 19 رجب، سنة 1375.
ولا يخفى فإنّ المرحوم الاستاذ أعلى الله تعالى مقامه لم يذكر في هذه الورقة اسم محمّد بن جعفر المشهديّ الذي كان قد روى عن السيّد الأجلّ سماعاً، واكتفى بذكر أبيه جعفر بن عليّ المشهديّ، في حين يعدّ من رواة «الصحيفة» وبه يكون مجموع الرواة ثمانية.
ومن الطرائف أنّنا رأينا أخيراً في ص 164 من هذه المجموعة نقلًا عن صاحب «المعالم» أنّ الشهيد رحمه الله يروي «الصحيفة» بالسند المذكور في أوّلها عن السيّد تاج الدين بن مُعَيَّة بسندين مختلفَين عن الشيخ الطوسيّ. ولمّا كانت رواية الشيخ عن السيّد الأجلّ متعذّرة لا محالة، لأنّ السيّد الأجلّ - كما تفيد قرائن زمن الرواة عنه - كان في النصف الثاني من القرن السادس، والشيخ الطوسيّ توفّي في النصف الثاني من القرن الخامس (ولد سنة 385 هـ، وتوفّي سنة 460 هـ) لهذا لا يمكن أن يروي الشيخ عن السيّد بهاء الشرف إلّا أن يكون المراد من عبارة السند المذكور في أوّل (الصحيفة» الأشخاص المتأخّرين الذين كانوا قبل السيّد الأجلّ. وهذا الاحتمال حسن.
إذ - مضافاً إلى أنّ عندنا طريقة الشيخ في رواية «الصحيفة» عن غير بهاء الشرف - إنّ هاتين الروايتَين عن تاج الدين بن مُعَيَّة تُشعران بروايته عن هذا الطريق أيضاً. ولهذا يبلغ مجموع الرواة عن السيّد الأجلّ لحدّ الآن، وعن الرواة السابقين عن طريقه ثلاثة عشر.
لا ينحصر سند «الصحيفة» بالسيّد الأجلّ بهاء الشرف. ذلك أنّها رويت عن طريقٍ غيره بأسناد لا تُحصى.
وقد أورد العلّامة محمّد تقي المجلسيّ الأوّل بخطّه شرحاً يدور حول رواية «الصحيفة الكاملة» عن مشايخه رضوان الله عليهم، وذكره المجلسيّ الثاني في «بحار الأنوار».
قال المجلسيّ ضمن الصورة 41: رواية اخرى للوالد العلّامة «الصحيفة الكاملة السجّاديّة» عن مشايخه رضوان الله عليهم وهي بخطّ الوالد العلّامة.
ويروى المجلسيّ الأوّل هنا روايات عديدة بسنده المتّصل بالشهيد، والعلّامة وابن طاووس، وغيرهم. وبخاصّة يروي بسنده المتّصل تسع عشرة رواية حول «الصحيفة» يصل سندها إلى شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسيّ، والشيخ يرويها بجميع هذه الأسانيد عن الحسين بن عبيد الله الغضائريّ، عن أبي المفضّل الشيبانيّ، عن الشريف الحسنيّ، إلى آخر السند.
ولا ينحصر سند عربيّ بن مسافر أيضاً بالسيّد الأجلّ، بل يبلغ بسنده مع السيّد الأجلّ إلى الشيخ إذ يقول: وعَنْهُ (عن السيّد غياث الدين بن طاووس)، عن عليّ بن يحيى الخيّاط، عن عربيّ بن مسافر، عن السيّد بهاء الشرف، عن محمّد بن أبي القاسم، عن أبي عليّ، عن أبيه (شيخ الطائفة) إلى غير ذلك، ممّا لا يحصى.[1]
[1] «بحار الأنوار» ج 110، ص 51 إلى 59، طبعة المكتبة الإسلاميّة.