قال:[1] سمعتها على الشيخ الصدوق أبي منصور محمّد بن محمّد بن أحمد بن عبد العزيز العكبريّ المعدّل رحمه الله[2] عن أبي المفضّل محمّد ابن عبد الله بن المطّلب الشيبانيّ.
قال: حدّثنا الشريف أبو عبد الله جعفر بن محمّد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
قال: حدّثنا عبد الله بن عمر بن خطّاب الزيّات سنة خمس وستّين ومائتين.
قال: حدّثني خالى عليّ بن النعمان الأعلم.
قال: حدّثني عمير بن متوكّل الثقفيّ البلخيّ عن أبيه متوكّل بن هارون.
قال: لقيتُ يحيى بن زيد بن عليّ عليه السلام بعد قتل أبيه وهو متوجّه إلى خراسان فسلّمت عليه. فقال لي: من أين أقبلتَ؟! قلتُ: من الحجّ. فسألني عن أهله وبني عمّه بالمدينة. وأحفى السؤال عن جعفر بن محمّد عليه السلام فأخبرته بخبره وخبرهم وحزنهم على أبيه زيد بن عليّ عليه السلام.
فقال لي: قد كان عمّي محمّد بن عليّ عليه السلام[3] أشار على أبي بترك الخروج وعرّفه إنّ هو خرج وفارق المدينة ما يكون إليه مصير أمره! فهل لقيت ابن عمّي جعفر بن محمّد عليه السلام؟![4]
قلتُ: نعم! قال: فهل سمعته يذكر شيئاً من أمري؟! قلتُ: نعم!
قال: بِمَ ذكرني؟ خبّرني!
قلتُ: جُعلتُ فداك! ما أحبّ أن أستقبلك بما سمعته منه!
فقال: أبا لموت تخوّفني؟! هات ما سمعته!
فقلتُ: سمعته يقول: إنّك تُقتَل وتُصلَب كما قُتِلَ أبوك وصُلب!
فتغيّر وجهه وقال: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ.[5] يا متوكّل إنّ الله عزّ وجلّ أيّد هذا الأمر بنا وجعل لنا العلم والسيف فجُمعا لنا، وخصّ بنو عمّنا بالعلم وحده.
فقلتُ: جُعلتُ فداك! إنّي رأيتُ الناس إلى ابن عمّك جعفر عليه السلام أمْيَلَ منهم إليك وإلى أبيك.
فقال: إنّ عمّي محمّد بن عليّ وابنه جعفراً عليهما السلام دَعَوا الناس إلى الحياة ونحن دعوناهم إلى الموت!
فقلتُ: يا ابن رسول الله! هم أعلم أم أنتم؟!
فأطرق إلى الأرض مليّاً ثمّ رفع رأسه وقال: كلّنا لنا علم غير أنّهم يعلمون كلّما نعلم ولا نعلم كلّ ما يعلمون.
ثمّ قال لي: أكتبتَ من ابن عمّي شيئاً؟!
قلتُ: نعم! قال: أرِنِيهِ!
فأخرجتُ إليه وجوهاً من العلم، وأخرجتُ له دعاءً أملاهُ عَلَيّ ابو عبد الله عليه السلام وحدّثني أنّ أباه محمّد بن عليّ عليهما السلام أملاه عليه، وأخبره أنّه من دعاء أبيه عليّ بن الحسين عليهما السلام من دعاء «الصحيفة الكاملة». فنظر فيه يحيى حتى أتى على آخره وقال لي: أتأذن في نسخه؟!
فقلت: يا ابن رسول الله! أتستأذن فيما هو عنكم؟!
فقال: أما لأخرجنّ إليك صحيفة من الدعاء الكامل ممّا حفظه أبي عن أبيه، وإنّ أبي أوصاني بصونها ومنعها غير أهلها.
قال عمير: قال أبي (متوكّل): فقمتُ إليه فقبّلت رأسه، وقلتُ له: والله يا ابن رسول الله إنّي لأدين الله بحبّكم وطاعتكم! وإنّي لأرجو أن يسعدني في حياتي ومماتي بولايتكم.
فرمى صحيفتي التي دفعتها إليه إلى غلامٍ كان معه، وقال: اكتب هذا الدعاء بخطٍّ بيِّنٍ حَسَنٍ! واعرضه عَلَيّ! لعلّي أحفظه فإنّي كنتُ أطلبه من جعفر حفظه الله فيمنعنيه.
قال المتوكّل: فندمتُ على ما فعلتُ ولم أدرِ ما أصنع. ولم يكن أبو عبد الله عليه السلام تقدّم إليّ ألّا أدفعه إلى أحدٍ.
ثمّ دعا (يحيى) بعيبة فاستخرج منها صحيفة مقفّلة مختومة، فنظر إلى الخاتم وقبّله وبكى، ثمّ فضّه وفتح القفل، ثمّ نشر الصحيفة ووضعها على عينه وأمرّها على وجهه وقال: والله يا متوكّل! لو لا ما ذكرتَ من قول ابن عمّي أنّني اقْتَلُ واصْلَبُ لما دفعتها إليك ولكنتُ بها ضنيناً ولكنّي أعلم أنّ قوله حقّ أخذه عن آبائه، وأنّه سيصحّ. فخفتُ أن يقع مثل هذا العلم إلى بني اميّة فيكتموه ويدّخروه في خزائنهم لأنفسهم (و ينسبون إنشاءها إلى أنفسهم). فاقبضها واكفنيها وتربّص بها! فاذا قضى الله من أمري وأمر هؤلاء القوم ما هو قاضٍ فهي أمانةٌ لي عندك حتى توصلها إلى ابنَي عمّي محمّد وإبراهيم ابنَي عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليّ عليهما السلام فإنّهما القائمان في هذا الأمر بعدي.
قال المتوكّل: فقبضتُ الصحيفة فلمّا قُتِل يحيى بن زيد، صرتُ إلى المدينة فلقيتُ أبا عبد الله عليه السلام فحدّثته الحديث عن يحيى فبكى واشتدّ وَجْدُهُ به، وقال: رحم الله ابن عمّي وألحقه بآبائه وأجداده!
والله يا متوكّل! ما منعني من دفع الدعاء إليه إلّا الذي خافه على صحيفة أبيه! وأين الصحيفة؟! فقلتُ: ها هي. ففتحها وقال: هذا والله خطّ عمّي زيد ودعاء جدّي عليّ بن الحسين عليهما السلام. ثمّ قال لابنه: قم يا إسماعيل فائتني بالدعاء الذي أمرتك بحفظه وصونه! فقام إسماعيل فأخرج صحيفة كأنّها الصحيفة التي دفعها إليّ يحيى بن زيد فقبّلها أبو عبد الله ووضعها على عينه وقال: هذا خطّ أبي وإملاء جدّي عليهما السلام بمشهدٍ منّي. فقلتُ: يا بن رسول الله! إن رأيتَ أن أعرضها مع صحيفة زيد ويحيى فائذن لي في ذلك. وقال: قد رأيتُك لذلك أهلًا! فنظرتُ وإذا هما أمرٌ واحد. ولم أجد حرفاً منها يخالف ما في الصحيفة الاخرى. ثمّ استأذنتُ أبا عبد الله عليه السلام في دفع الصحيفة إلى ابنَي عبد الله بن الحسن. فقال: إنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إلَى أهْلِهَا.[6]
نعم! فادفعها إليهما. فلمّا نهضتُ للقائهما، قال لي: مكانك.
ثمّ وجّه إلى محمّد وإبراهيم فجاءا، فقال: هذا ميراث ابن عمّكما يحيى من أبيه قد خصّكما به دون إخوته. ونحن مشترطون عليكما فيه شرطاً!
فقالا: رحمك الله! قُل فقولك المقبول!
فقال: لا تخرجا بهذه الصحيفة من المدينة!
قالا: ولِمَ ذاك؟
قال: إنّ ابن عمّكما خاف عليها أمراً أخافه أنا عليكما!
قالا: إنّما خاف عليها حين علم أنّه يُقتَل.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: وأنتما فلا تأمنا! فوالله إنّي لأعلم أنّكما ستخرجان كما خرج وتُقتلان كما قُتِل! فقاما وهما يقولان: لَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العَلِيّ العَظِيمِ.
فلمّا خرجا، قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا متوكّل! كيف قال لك يحيى إنّ عمّي محمّد بن عليّ وابنه جعفراً دعوا الناس إلى الحياة ونحن دعوناهم إلى الموت؟!
قلتُ: نعم، أصلحكَ الله! قد قال لي ابن عمّك يحيى ذلك! فقال: يَرْحَمُ اللهُ يحيى!
[1] قال آية الله المدرّسيّ الجهاردهيّ في ص 10 من شرحه على الصحيفة: كان الشيخ محمّد هذا فقيهاً وصالحاً. لُقِّبَ بالمُفَجَّع لكثرة حزنه على أهل بيت العصمة عليهم الصلاة والسلام. وكان صحيح المذهب حسن الاعتقاد، ومن كبار مذهب الإماميّة.
[2] من الجدير ذكره أنّ ما أورده الاستاذ الحاجّ مهدي إلهي قمشهاي في ص 16 من الترجمة الفارسيّة لشرح «الصحيفة السجّاديّة» عند ترجمة هذه الفقرات سهو. فقد قال: حدّثنا الشيخ السعيد محمّد بن أحمد بن شهريار (و هو صهر شيخ الطائفة الصدوق عليه الرحمة) أنّ أبا منصور محمّد بن أحمد بن عبد العزيز العكبريّ المُعَدَّل رحمه الله كان يعرض «الصحيفة» على الشيخ الصدوق قراءة عليه وأنا أسمع.
أوّلًا: سنجد في الهامش أنّ محمّد بن أحمد بن شهريار الخازن لقبر أمير المؤمنين عليه السلام كان صهر شيخ الطائفة الطوسيّ لا الصدوق. ولم نر إلى الآن إطلاق الصدوق على الشيخ الطوسيّ عَلَماً مشهوراً يُعَرِّفه.
ثانياً: الصدوق في الرواية صفة لأبي منصور محمّد العكبريّ المعدّل - وهو الذي روى الصحيفة عن أبي المفضّل الشيبانيّ - لا عَلَمٌ - ورواية العكبريّ كانت بسبب العرض على الشيخ الصدوق. فلاحظ وتأمّل!
[3] جاء في ص 10 من هذا المصدر أنّ عمر الإمام محمّد الباقر عليه السلام 55 سنة، إذ كانت ولادته سنة 59 في حياة جدّه الحسين عليه السلام، ووفاته في شهر ربيع الآخر سنته 114، وقيل غير ذلك.
[4] ذكر السيّد علي خان المدنيّ في ص 8 من شرحه علي الصحيفة، الطبعة الحجريّة، عمر الإمام جعفر الصادق عليه السلام كالآتي: وُلِد بالمدينة سنة 83 من الهجرة، وقُبِض بها في شوّال سنة 148، وله خمس وستّون. وقيل: ثمان وستّون علي أنّ مولده سنة ثمانين.
[5] الآية 39، من السورة 13: الرعد.
[6] الآية 58، من السورة 4، النساء.