قال المستشار عبد الحليم الجنديّ رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة في جمهوريّة مصر في الصفحة الخامسة والعشرين من كتابه المعروف: «الإمام جعفر الصادق» وهو كتاب حديث التأليف. ويُعدّ من الكتب النفيسة والقيِّمة حقّاً: مَنَعَ عُمَرُ تَدْوِينَ الحَدِيثِ- مَخَافَةَ أنْ يُخْلَطَ القُرْآنِ بِشَيءٍ- وبِهَذَا أبْطَأ التَّدْوِينُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ قَرْناً بِتَمَامِهِ. وانْفَتَحَتْ أبْوَابٌ لِلْجَرْحِ والتَّعْدِيلِ ولِلْوَضْعِ ولِلضِّيَاعِ. أمَّا عَلِيّ فَدَوَّنَ مِنْ أوَّلِ يَوْمٍ مَاتَ فِيهِ الرَّسُولُ. ولَعَلَّهُ إذْ دَوَّنَ صَارَ مَرْجِعَ الصَّحَابَةِ بِمَا فِيهِمْ عُمَرُ.[1]
وقال هذا العالم في المذهب الجعفريّ: أخرج الحاكم في تاريخه بالأسناد إلى أبي بكر عن رسول الله قال: مَنْ كَتَبَ عَلَيّ عِلْماً أوْ حَدِيثاً لَمْ يَزَلْ يُكْتَبُ لَهُ الأجْرُ مَا بَقِيَ ذَلِكَ العِلْمُ أوِ الحَدِيثُ.
وأجمع أبو بكر أيّام خلافته على تدوين الحديث فجمع خمسمائة حديث فبات ليلته يتقلّب كثيراً. قالت عائشة: فغمّني تقلّبه. فلمّا أصبح قال لي: أي بُنَيَّةُ! هَلُمِّي الأحَادِيثَ التي عِنْدَكِ، فَجِئْتُ بِهَا فَأحْرَقَهَا.
وعن الزهريّ، عن عروة أنّ عمر أراد أن يكتب السنن. فاستفتى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فأشاروا عليه أن يكتبها. فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً ثمّ أصبح يوماً فقال: إنِّى كُنْتُ ارِيدُ أنْ أكْتُبَ السُّنَنَ، وإنِّي ذَكَرْتُ قَوْماً قَبْلَكُمْ كَتَبُوا كُتُباً فَأكَبَّوا عَلَيْهَا وتَرَكُوا كِتَابَ اللهِ، وإنِّي واللهِ لَا أشُوبُ كِتَابَ اللهِ بِشَيءٍ أبَداً.
وَلَكِنْ عَلِيَّاً دَوَّنَ، وخَلَّفَ في شِيعَتِهِ طَرِيقَةَ التَّدْوِينِ. ولَقَدْ كَانَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ طَرِيقَتِهِ. وهُوَ الذي يَقُولُ فِيهِ الرَّسُولُ: عَلِيّ مَعَ القُرْآنِ والقُرْآنُ مَعَ عَلِيّ ولَنْ يَفْتَرِقَا حتى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.
وَعَنْهُ قَالَ الرَّسُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! واللهِ لَيَبْعَثَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ رَجُلًا مِنْكُمُ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ لِلإيمَانِ فَيَضْرِبُكُمْ عَلَى الدِّينِ.
قَالَ أبُو بَكْرٍ: أنَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: لَا! قَالَ عُمَرُ: أنَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: لَا، ولَكِنْ ذَلِكَ الذي يَخْصِفُ النَّعْلَ. وكان عَلِيّ يخصف نعلًا للنبيّ عند ذلك.[2]
وتحدّث هذا الباحث الحصيف، الحرّ في البحث والكلام عن المَدْرَسَة الكبرى، ويريد بها مدرسة الإمام الصادق عليه السلام. وقال تحت عنوان: المُصْحَفُ الخَاصُّ أوْ كِتَابُ الاصُولِ: آلى أمير المؤمنين عليه السلام على نفسه بعد الفراغ من تجهيز الرسول صلى الله عليه وآله ألّا يرتدي إلّا للصلاة أو يجمع القرآن. فجمعه مرتّباً على حسب النزول. وأشار إلى عامّه وخاصّه، ومطلقه ومقيَّده، ومُحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وعزائمه ورُخَصه، وسُننه وآدابه. ونبّه على أسباب النزول فيه.
ومن جلال شأن هذا الكتاب قال فيه محمّد بن سيرين: لَوْ أصَبْتَ هَذَا الكِتَابَ كَانَ فِيهِ العِلْمُ. فهو كما يظهر من محتوياته مصحف خاصّ وكتاب اصول من صُنع عليّ.
و«الجامعة» كتاب طوله سبعون ذراعاً من إملاء النبيّ وخطّ عليّ. فيه ما يحتاجه الناس من حلال وحرام وغيره، حتى ليصل في التفصيل إلى أرش الخدش (الدية التي يجب على الإنسان أن يدفعها إلى من يخدشه أو يخمشه). وقد وصفها بذلك الباقر والصادق عليهما السلام. وشهدها عندهما الثقات من أصحابهما، ومنهم أبو بصير.
قال الصادق عليه السلام: أمَا واللهِ عِنْدَنا مَا لَا نَحْتَاجُ إلَى أحَدٍ، وَالنَّاسُ يَحْتَاجُونَ إلَيْنَا. إنَّ عِنْدَنَا الكِتَابَ بِإمْلَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ، وخَطِّ عَلِيّ بِيَدِهِ، صَحِيفَةٌ طُولُهَا سَبْعُونَ ذِراعاً؛ فِيهَا كُلُّ حَلَالٍ وحَرَامٍ.
وقال: إنَّ الجَامِعَةَ لَمْ تَدَعْ لأحَدٍ كَلَاماً. فِيهَا الحَلالُ والحَرَامُ. إنَّ أصْحَابَ القِيَاسِ طَلَبُوا العِلْمَ بِالقِيَاسِ فَلَمْ يَزِدْهُمْ مِنَ الحَقِّ إلَّا بُعْداً. وإنَّ دِينَ اللهِ لَا يُصَابُ بِالقِيَاسِ.
قالوا: سُمِّيَت الجامعة، والصَّحيفة، وكتاب عليّ، والصحيفة العتيقة.
كان أمير المؤمنين عليه السلام يخطب الناس فيقول: وَاللهِ مَا عِندَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ عَلَيْكُمْ إلَّا كِتَابُ اللهِ تعالى وهَذِهِ الصَّحِيفَةُ- وكَانَتْ مُعَلَّقَةً بِسَيْفِهِ- أخَذْتُهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ.
ولقد دعا الخليفة أبو جعفر المنصور بكتاب عليّ هذا، فجاء به الإمام الصادق عليه السلام وقرأ فيه «إنّ النساء ليس لهنّ من عقار الرجل، إذا توفّى عنهنّ، شيء» وقال أبو جعفر: هَذَا واللهِ خَطُّ عَلِيّ وإمْلَاءُ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ.
وأبو جعفر من العلماء كما قال عنه مالك إمام المدينة، وكما أقرّ له الجاحظ كبير النقدة. فهو قد يقسم لأنّه قرأ كتابةً قبل ذلك لعليّ، أو لأنّ لديه من العلم ما يعرفه أنّها بإملاء النبيّ صلى الله عليه وآله.
وكتاب الديات: وهو يُغطّي ما يُسَمّى في الفقه المعاصر: (المسئوليّة المدنيّة) عن الفعل الضارّ بالجسم. أورد محتوياته ابن سعد في كتابه المعروف بـ «الجامع». وروى عنه أحمد بن حنبل في «المسند الأعظم». وذكره البخاريّ ومسلم، ورويا عنه.[3]
وقال في هذا الكتاب التحقيقيّ أيضاً: كَانَ أوَّلُ المُسْتَفِيدينَ بِالتَدْوِينِ البَاكِرِ اولَئِكَ الَّذِينَ يَلُوذُونَ بِالأئمَّةِ مِنْ أهْلِ البَيْتِ فَيَتَعَلَّمُونَ شِفَاهاً أوْ تَحْرِيراً. أي: مِنْ فَمٍ لِفَمٍ أوْ بِالكِتَابَةِ.
فَمَا تَنَاقَلَتْهُ كُتُبُ الشِّيعَةِ مِنَ الحَدِيثِ، هُوَ التُّرَاثُ النَّبَوِيّ- في صَمِيمِهِ- بَلَغَ الشِّيعَةَ في يُسْرِ طَوْعٍ لِعِلْمِهِمُ الأزْدِهَارِ؛ في حِين لَمْ يَجْمَعْ أهْلُ السُّنَّةِ هَذَا التُّرَاثَ إلَّا بَعْدَ أنِ انْكَبَّ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُهُمْ قَرْناً ونِصْفَ قَرْنٍ حتى حَصَّلُوا مَا دَوَّنُوهُ في المُدَوَّنَاتِ الأولى. ثُمَّ ظَلُّوا قُرُوناً اخْرَى يَجُوبُونَ الفَيَافِي والقِفَارَ في كُلِّ الأمْصَارِ.[4]
[1] «الإمام جعفر الصادق» ص 25، طبعة القاهرة سنة 1397 هـ بإشراف محمّد توفيق عويضة.
[2] «الإمام جعفر الصادق» لعبد الحليم الجنديّ، ص 185 و186.
[3] «الإمام جعفر الصادق» ص 199 و200.
[4] «الإمام جعفر الصادق» لعبد الحليم الجنديّ، ص 202 و203.