قال الشيخ محمّد رضا المظفّر في كتاب «السقيفة»: وإذا كانوا في حياته لا يُطيعون أمره في هذه السبيل، فكيف إذَن بعد وفاته؟
وإنّ ترك النصّ على الخليفة قد فرّق الامّة، ومزّق كلمتها، وأوقعها في التطاحن والتناحر إلى آخر يوم. والسبب الوحيد في ذلك كلّه هو الخليفة الثاني، ومَن آزره في رأيه، وأعانه على منع الرسول أن يكتب لهم كتاباً لا يضلّون بعده أبداً.
وإنّ بيعة أبي بكر، وعمر لم تكن بالنصّ ولا بالشورى، وإنّما كانت مجرّد غلطة. ومعنى غلطة أنّها على غير الحقّ. أمّا عثمان، فخالف الإسلام، ولذا ثارت عليه الأقطار الإسلاميّة بتحريض عائشة، فكانت الثورة عليه شعبيّة إسلاميّة، لا شعوبيّة، ولا من الشُّذّاذ وقطّاع الطرق، كما قيل.
وإنّ الأصحاب الذين حالوا بين عليّ والخلافة إنّما فعلوا ذلك لسببَين:
الأوّل: أنّه شديد في الحقّ لا يتساهل به أبداً.
الثاني: التعصّب على أهل البيت، حيث كرهوا أن تجتمع في بيت واحد، وهو بيت محمّد، النبوّة والخلافة.
وإذا أبى مَن أبى تعصّباً وعناداً أن يعترف لعليّ بالخلافة، لا لشيء إلّا لأنّه على حقّ ومن أهل البيت، فإنّ الشيعة آمنوا بخلافته، لأنّهم يؤمنون بالحقّ، وأحبّوه، لأنّهم يحبّون النبيّ وأهل بيته الأطهار.
وبالإجمال فإنّ ما قاله الإماميّة في هذا الباب لا يزيد في حقيقته شيئاً عمّا قاله أحمد أمين في كتاب «يوم الإسلام» الذي ألّفه في أيّامه الأخيره، وبعد أن أقام الدنيا ولم يقعدها على الإماميّة في «فجر الإسلام»، و«ضحى الإسلام».[1]
أجل، كان حقيقاً بأحمد أمين- وفقاً لقواعد الشرف والإنصاف والعدل والمروءة- أن يُصَرِّح بتوبته في كتاب «يوم الإسلام»، ويعتذر عن كتاباته الكثيرة المنتشرة في العالم والموجودة في المكتبات المختلفة. وها هو يلجأ إلى السكون والهدوء بعد الحركة، ويُخمِد نار الضجّة التي كان قد أشعل فتيلها بعد أن أثار شرق العالم وغربه ضدّ الإماميّة في كتابَيه الآنفَي الذكر.
بَيدَ أنّه لم يفعل، واكتفى بإيراد ما نقلناه عنه في تضاعيف كتاب «يوم الإسلام». اللهُمَّ احْشُرْهُ مَعَ مَنْ يَتَوَلَّاهُ ويُحِبُّهُ، وأبْعِدْهُ مِمَّنْ يَتَبَرَّا مِنْهُ ويُبْغِضُهُ.
ولو كان أحمد أمين صرّح بأخطائه في كتاب أو عنوان أو موضوع، لما ضلّ أحد من الساذجين بقراءة «فجر الإسلام» وضُحاه، ولكن الجميع ضلّوا إلّا من طالع كتاب «يوم الإسلام» بإمعانٍ. والذي يطالعه ينبغي أن يكون كالشيخ البصير محمّد جواد مغنية الذي خَبِرَ الربط بين كتبه، واستخرج تلك النتيجة من الجمع بين موضوعاتها.
ولو أنّ عمر لم يمنع الإتيان بالكتف والدواة، لما ضلّ مسلم، ولما كانت الولاية للشيعة فحسب، بل لكان العالم كلّه شيعيّاً منذ ذلك الحين إلى قيام الساعة.
لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالكتابة، وطلب في اللحظات الأخيرة من عمره الشريف كتفاً ودواة من أجل أن يكتب لُاولئك القوم وصاية مولى الموالي أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين وخلافته بلا فصل، وولايته الإلهيّة الكلّيّة. بَيدَ أنّ المعارضين المناوئين حالوا دون ذلك، ولم يرغبوا في تحقيق ولاية الإمام، فضلّوا وأضلّوا أنفسهم وأتباعهم. أمّا أمير المؤمنين عليه السلام فقد كان يدوّن جميع الأحاديث القدسيّة والسنن النبويّة العلميّة والعمليّة، مضافاً إلى كتابته القرآنَ الكريم، وكلّ ذلك كان مضبوطاً عنده.
ولا غَرْوَ فإنّه ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله مُذ كان وليداً، وهو موضع سرّه، بل من أخصّ الناس به في حفظ أسراره. وهو أنيسه ومؤنسه ونديمه وعشيره في السفر والحضر، والحضور والغيبة، والحرب والسلم، والإقامة والهجرة، والسكون والحركة. وكان يقرأ عليه كلّ آية نازلة وهو يكتبها حتى لو مضت أيّام على نزولها. وكان يقرأ تلك الآية لكُتّاب الوحي، فيكتبونها أيضاً.
وإنّما أمير المؤمنين عليه السلام دوّن القرآن كلّه في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان ذلك القرآن المكتوب بخطّه مصدراً ومرجعاً.
[1] كتاب «الشيعة والتشيّع»، وقد طبعته مكتبة المدرسة، ودار الكتاب اللبنانيّ للطباعة والنشر في بيروت، على حِدَة، ص 72 إلى 75. وطبع أيضاً مع كتابيه الآخرين: «مع الشيعة الإماميّة»، و«الإثنا عشريّة» في مجموعة واحدة تحت عنوان: «الشيعة في الميزان»، طبعتها دار التعارف للمطبوعات في بيروت، ص 70 إلى 73.