11. قياس الإنتاجية وتحديد مساهمة التغير التقني في نمو الصناعة التحويلية في العراق
إن هدف الدراسة الرئيس يتمحور حول ظاهرة النمو وعلى المستوى التجميعي (1)، لذلك قد يكون هناك تقدم محرز في وسائل الالتقاط القياسية للعوامل المؤثرة في تحديد مسار النمو الاقتصادي للقطاع قيد الدراسة والتي تسهل بدورها تحليل هذا المسار لاحقاً، إلا أن شمولية ظاهرة النمو الاقتصادي ترفع من درجة المخاطرة في الركون إلى نتائج كمية يقود إليها القياس الاقتصادي وحده Econometrics))، يضاف إلى ذلك المعرفة المسبقة بعدم دقة البيانات (خاصة على المستوى التجميعي Aggregate) والتي تتضمن أخطاء قياس تؤثر نسبياً في دقة القياس ولكن يبقى العمل التجريبي هو العنصر الحازم في اختبار الفرضيات النظرية مبرراً بدوره صعوبات العمل التي يواجهها أي باحث في هذا الميدان.
والجدير بالذكر أن الدراسات المتعلقة بتحديد دور التغير التقني لا تنفصل عن الدراسات المرتبطة بتحديد وتحليل مساهمة المدخلات الإنتاجية لذلك فإن النتائج التي تم التوصل إليها في الأجزاء السابقة من الدراسة تشكل الأساس الذي ينطلق منه الباحث في التحري عن مساهمة التغير التقني.
تنامى الاهتمام بعامل التغير التقني في نظريات النمو الاقتصادي فضلاً عن عدة أحد مصادر النمو الأمر الذي آل تطوير صيغ ونماذج كمية لاحتساب دور هذا العامل إضافة إلى العوامل الأخرى، كما أن التطور السريع في الأساليب الرياضية المستخدمة يضع الباحث في موقف صعب نسبياً عند اختيار الأسلوب الكمي المناسب حيث يصعب استخدامها جميعاً، لذا حاول الباحث تذليل هذه الصعوبة النسبية من خلال وضعه للأسس الآتية عند اختيار الصيغة الكمية المناسبة لقياس:
ــ بما أن الدراسة تتبنى الأسلوب الكمي في تحليل ظاهرة النمو وعلى المستوى التجميعي، لذا فإن بساطة الصيغة الكمية لا يعني الإخلال بالأساس الاقتصادي والفني لها.
ــ إن الصيغة الكمية المناسبة هي التي تعكس قدرة القياس على التعبير عن المفهوم الذي تبناه الباحث للتغير التقني وهو مفهوم إنتاجية العامل الكلية (TFP)، لذا تختبر هذه الصيغة من خلال قدرتها على عزل أثر الوفرة والندرة النسبيتين (أو أثر كمية المدخلات الأولية والوسيطة المستخدمة) عن أثر الكفاءة التي يعكسها بشكل إجمالي متغير التغير التقني.
ــ إمكانية استثمار جملة البيانات المتوفرة للخروج بنتائج مقبولة، إذ يصعب تطبيق عدد من الصيغ لسببين، الأول عدم توفر قاعدة البيانات اللازمة لها، والثاني تجنب اللجوء إلى مجموعة قروض تبسيطية في بعض الصيغ بشكل يفقد نتائج القياس منطقيتها.
إن وضع مثل هذه الأسس تجنب الباحث الجري وراء الاختيار الرياضي غير المرتبط بأرضية اقتصادية صلبة، كما أنها تتيح له حرية قبول أو رفض نتائج القياس بالاستناد إلى سلسلة النتائج والتحليلات التي تم الحصول عليها من الأجزاء السابقة من الرسالة، لذا فقد جاءت طريقة القياس باتجاهين وكما يأتي:

الاتجاه الأول
لأغراض الملاءمة فقد تم اختيار مقياس للتغير التقني يعتمد هذه قاعدة الإنتاج بناءً على تبني الدراسة دوال الإنتاج وعليه (2):
ففي إطار استخدام قاعدة الإنتاج، فإن مرونات الإنتاج بالنسبة للمدخلات (الأولية) تمثل المساهمة النسبية للمدخل في تحديد وتيرة النمو الاقتصادي وبالتالي تمثل دوال الإنتاج المقدرة للعلاقة بين الإنتاج ومدخلاته التي حظيت بقبول إحصائي وقياسي واقتصادي أكبر، الأساس الذي يمكن الاعتماد عليه في تحديد حجم مساهمة التغير التقني وعزله عن أثر تغير حجم المدخلات.
فمن خلال المعادلة (4-1) المقدرة قياسياً للسنوات (70-1990) ومعدلات النمو السنوية لكل من القيمة المضافة (الناتج) (Q) ورأس المال (K) والعمل (L) للسلسلة الزمنية 1970، 1990 يتم استخراج مساهمة التغير التقني (TC) ومساهمة المدخلات الأخرى فضلاً عن ذلك سيجري استخراج معدل النمو السنوي للتغير التقني بالاعتماد على معدلات النمو السنوية للقيمة المضافة والمدخلات الأولية الواردة في الجدول (28).
إن معدل التغير التقني (TFPG) يساوي الفرق بين معدل نمو القيمة المضافة ومجموع معدلات نمو المدخلات الموزونة بمساهماتها النسبية (مرونة الناتج للمدخل)
حيث يمثل:

ولغرض احتساب معدل التغير التقني لكل سنة ضمن السلسلة (70- 1990) تعتمد الدالة المقدرة (4-1).
LnQ=0.603+0.235LnK - 0.392LnL
يعكس الجدول (29) معدل التغير التقني المحتسب لكل سنة من سنوات الدراسة وللمدة (71-1990) بالاعتماد على الدالة المقدرة سابقاً لنفس المدة لإظهار مدى التغير الحاصل في معدل التغير التقني.
إن أهم ملاحظة يمكن مشاهدتها من المعدلات المحتسبة هو التدني النسبي لمعدل التغير التقني للسنوات جميعاً مقارنة بمعدلات النمو المتحققة للمدخلات، إذ أن متوسط معدل التغير التقني للمدة (71-1990) بلغ (1.05%)، بينما بلغت معدلات النمو السنوية المركبة للقيمة المضافة، ومخزون رأس المال والعمل (7.4%)، (15.8%) ، (2.2%) على التوالي السنوات (1990-70) جدول (2) ، جدول (9) ، جدول (5) ، وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه سابقاً في أن عقد السبعينات شهد اعتماداً كاملاً على حجم الوفرة النسبية للمدخلات الإنتاجية وبالتالي فإن الإفراط في استخدام المدخل يقلل من الأثر التقني المتحقق في مسار النمو الصناعي.
ومفاد ما تم تقدم أن التوسع الشديد في عملية الاستخدام خلال السنوات (70-1975) ثم الضخ الاستثماري المطرد للسنوات (75-1980) ترك أثره واضحاً في بطء مساهمة التغير التقني الذي يتحدد بأثر الاقتصاد في المدخلات من جهة وارتفاع كفاءتها من جهة أخرى (3).



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تختلف بعض الصيغ والنماذج الكمية المستخدمة في الدراسات ذات الهدف القياسي أو الإحصائي أو على المستوى الجزئي (Micro)، ينظر الجزء الخاص بالدراسات السابقة في مقدمة الدراسة.
(2) المصدر: محمود محمد داغر، مصدر سابق، ص 129-130
- L.R.Christensen & D. Cumming, "Real product real factor input & productivity in the republic of Korea 1960-1973", Journal of Development Economics, 8, 1981, pp. 297-300.
- Mieko Nishimize & Charles R. Hulten, "The Sources of Japanease Economic growth 1955-1971", The Review of Economics, v. LX, N. 3, 1978, P.358".
(3) عند أخذ اليابان كحالة للمقارنة، يلاحظ أن الاقتصاد الياباني استهلك عام 1984 حوالي (60%) من المدخلات التي استهلكها عام 1983 لإنتاج الكمية نفسها من المنتجات الصناعية مما يؤكد حقيقة الوفر المتحقق الذي يبرز الارتفاع المطرد في إنتاجية العامل الكلية (TFP)، ينظر: محمود محمد داغر مصدر سابق، ص 123.