المقام الثالث: في الدعاء وآدابه.
يستحب الدعاء في جميع الأوقات، وقد ورد أنّ أعجز النّاس من عجز عن الدعاء [1]، وأنّ أفضل العبادة الدعاء [2]، وأنّ أحبّ الأعمال إلى اللّه (عزّ وجلّ) في الأرض الدعاء [3]، وأنّه إذا أذن اللّه لعبده في الدعاء فتح له أبواب الرحّمة، وأنّه لن يهلك مع الدعاء أحد [4]، وأنّ الدعاء مخّ العبادة [5]، وأنّه ما من شيء أفضل عند اللّه (عزّ وجلّ) من أن يسأله العبد ويطلب ما عنده[6]، وأنّ المسلمين لم يدركوا نجاح الحوائج عند ربّهم بأفضل من الدعاء، والرغبة إليه، والتضّرع إليه، والمسألة منه [7].
ويستحبّ الإكثار من الدعاء؛ لما ورد من أنّه ليس من باب يقرع إلّا يوشك أن يفتح لصاحبه [8]، وأنّ الدعاء ترس المؤمن، ومتى تكثر قرع الباب يفتح لك [9]، وأنّ الدعاء كهف الإجابة كما أنّ السحاب كهف المطر [10].
ووردت الأوامر الأكيدة بإكثار الدعاء؛ لأنّه مفتاح كلّ رحمة، ونجاح كلّ حاجة، ولا ينال ما عند اللّه إلّا به [11]، وأنّ اللّه يحبّ من عباده المؤمنين أن يدعوه ووعدهم الإجابة، وأنّه سبحانه مصيّر [12] دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملًا يزيدهم في الجنّة [13]، وأنّ الدعاء يردّ القضاء بعد ما أبرم إبرامًا[14]، وأنّه ما من مسلم دعا اللّه سبحانه دعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم إلّا أعطاه اللّه أحدى خصال ثلاث: إمّا أن يعجّل دعوته، وإمّا أن يدخّر له، وأمّا أن يدفع عنه من السوء مثلها [15].
ويحرم ترك الدعاء استكبارًا عنه؛ لما ورد من تفسير العبادة في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60] بالدعاء [16].
وورد أنّه ما من أحد أبغض إلى اللّه (عزّ وجلّ) ممّن يستكبر عن عبادته، ولا يسأل ما عنده [17]، وأن من لم يسأل اللّه تعالى من فضله افتقر [18]، وأنّه يدخل الجنّة رجلان كانا يعملان عملًا واحدا فيرى أحدهما صاحبه فوقه، فيقول: يا ربّ! بما أعطيته وكان عملنا واحدًا؟! فيقول اللّه تعالى: سألني ولم تسألني.
ويُكرَه ترك طلب الحاجة الصغيرة استصغارًا لها؛ للنهي عن ترك ذلك، معلّلًا بإنّ صاحب الصغار هو صاحب الكبار [19]، قال (عليه السّلام): ليس شيء أحّب إلى اللّه (عزّ وجلّ) من أن يُسأل، فلا يستحي أحدكم أن يسأل اللّه من فضله ولو شسع نعل [20].
وقد قال اللّه سبحانه لموسى (عليه السّلام): سلني كلّما تحتاج حتّى علف شاتك، وملح عجينك [21].
وينبغي بثّ الحوائج وتسميتها فردًا فردًا عند الدعاء؛ لما ورد من أنّ اللّه يحبّ أن يُبث إليه الحوائج، فإن دعوت فسمِّ حاجتك [22].
ويُكره ترك الدّعاء اتّكالًا على القضاء والقدر، فإنّ عند اللّه منزلة لا تنال إلّا بمسألته، والذي قضى وقدّر هو الذي أمر بالدعاء ووعد الإجابة، وحذّر على الترك.
وقد ورد أن الدعاء يردّ البلاء وقد قدّر وقضي، ولم يبقَ إلّا امضاؤه، فإذا دعا اللّه (عزّ وجلّ) وسأل صرف البلاء صرفه [23]، وأنّ الدعاء والبلاء ليترافعان إلى يوم القيامة، إنّ الدعاء ليردّ البلاء وينقض القضاء، وقد نزل من السماء وأبرم إبرامًا [24].
ويُستحب التقّدم بالدعاء في الرخاء قبل نزول البلاء، ويُكره تأخيره؛ لما ورد من أنّ من تقدّم في الدعاء استجيب له إذا نزل به البلاء، وقيل صوت معروف ولم يُحجب من السماء، ومن لم يتقدّم في الدعاء لم يُستجب له إذا نزل به البلاء، وقالت الملائكة: إنّ ذا الصوت لا نعرفه [25]، وأنّ الدعاء في الرخاء يستخرج الحوائج في البلاء [26]، وأنّ من تخوّف بلاء يصيبه فتقدّم فيه بالدعاء لم يره اللّه ذلك البلاء أبدًا [27]، وأنّ ما من أحد ابتلي وأن عظمت بلواه بأحقّ بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء [28]؛ ولذا قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): تعرّف إلى اللّه في الرخاء يعرفك في الشّدة [29]، وورد أنّ الدعاء بعد ما ينزل البلاء لا ينتفع به [30]، والمراد به عدم الانتفاع به مثل الانتفاع به قبل نزوله، فإنّه قبل نزوله يمنع من نزوله، وأما بعده فلا يزيل ما قد وقع، وإنّما ينفع في قطع استمراره فيما يستقبل، فليس المراد بعدم الانتفاع به عدم فائدة له في رفعه بوجه، وسقوط استحباب الدعاء بعد نزول البلاء، كما يوضح ما قلناه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] عدّة الداعي: 34 التاسع.
[2] أصول الكافي: 2/466 باب فضل الدعاء والحث عليه حديث 1.
[3] أصول الكافي: 2/467 باب فضل الدعاء والحث عليه حديث 8 بسنده عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السّلام): أحبّ الأعمال إلى اللّه (عزّ وجلّ) في الأرض الدّعاء، وأفضل العبادة العفاف، قال: وكان امير المؤمنين (عليه السّلام) رجلًا دعّاءً.
[4] عدّة الداعي: 35 الحادي عشر.
[5] عدّة الداعي: 24.
[6] أصول الكافي: 2/466 باب فضل الدعاء والحث عليه حديث 2.
[7] وسائل الشيعة: 4/1089 باب 3 حديث 5.
[8] أصول الكافي: 2/466 باب فضل الدعاء حديث 3.
[9] أصول الكافي: 2/468 باب الدعاء سلاح المؤمن حديث 4.
[10] أصول الكافي: 2/471 باب من دعا استجيب له حديث 1.
[11] أصول الكافي: 2/470 باب الدعاء يردّ البلاء والقضاء حديث 7.
[12] في الأصل: يصير.
[13] وسائل الشيعة: 4/1086 باب 2 حديث 6.
[14] أصول الكافي: 2/469 باب الدعاء يردّ البلاء والقضاء حديث 1.
[15] عدّة الداعي: 24 الرابع.
[16] أصول الكافي: 2/467 باب فضل الدعاء والحثّ عليه حديث 5.
[17] مكارم الأخلاق: 2/413 الباب العاشر الفصل الأول في فضل الدعاء.
[18] أصول الكافي: 2/467 باب فضل الدعاء والحث عليه حديث 4.
[19] أصول الكافي: 2/467 باب فضل الدعاء والحثّ عليه حديث 6.
[20] الفقيه: 2/40 باب 19 حديث 181
[21] وسائل الشيعة: 4/1090 باب 4 حديث 3.
[22] أصول الكافي: 2/476 تسمية الحاجة في الدعاء حديث 1.
[23] أصول الكافي: 2/470 باب الدعاء يرد البلاء والقضاء حديث 8.
[24] أصول الكافي: 2/469 باب الدعاء يرد البلاء والقضاء حديث 3 و4.
[25] أصول الكافي: 2/472 باب التقدّم بالدعاء حديث 1.
[26] أصول الكافي: 2/472 باب التقدّم بالدعاء حديث 3.
[27] أصول الكافي: 2/472 باب التقدّم بالدعاء حديث 2.
[28] الفقيه: 4/285 باب النوادر 176 حديث 853.
[29] وسائل الشيعة: 4/1098 باب 9 حديث 13.
[30] أصول الكافي: 2/472 باب التقدّم في الدعاء حديث 6.