قال المؤرّخ الجليل والرحّالة الكبير: أبو الحسن عليّ بن حسين المسعوديّ المتوفّى سنة 346 من الهجرة:
وَقَدْ كَانَ عَمَّارٌ حِينَ بُويِعَ عُثْمَانُ، بَلَغَهُ قَوْلُ أبِي سُفْيَانَ: صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ في دَارِ عُثْمَانَ، عُقَيبَ الوَقْتِ الذي بُويِعَ فِيهِ عُثْمَانُ ودَخَلَ دَارَهُ ومَعَهُ بَنُو امَيَّةَ، فَقَالَ أبُو سُفْيَانَ: أفِيكُمْ أحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ؟- وقَدْ كَانَ أعْمَى[1] قَالُوا: لَا! قَالَ: يَا بَنِي امَيَّةَ! تَلَقَّفُوهَا تَلَقُّفَ الكُرَةِ! فَوَ الذي يَحْلِفُ بِهِ أبُو سُفْيَانَ مَا زِلْتُ أرْجُوهَا لَكُمْ، ولَتَصِيرَنَّ إلَى صِبْيَانِكُمْ وِرَاثَةً! فَانْتَهَرَهُ عُثْمَانُ وسَاءَهُ مَا قَالَ.
وَنَمَى هَذَا القَوْلُ إلَى المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ وغَيْرُ ذَلِكَ الكَلَامِ.
فَقَامَ عَمَّارٌ في المَسْجِدِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! أمَا إذَا صَرَفْتُمْ هَذَا الأمْرَ عَنْ أهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ هاهُنَا مَرَّةً وهاهُنَا مَرَّةً، فَمَا أنَا بِآمِنٍ مِنْ أنْ يَنْزَعَهُ اللهُ مِنْكُمْ، فَيَضَعَهُ في غَيْرِكُمْ كَمَا نَزَعْتُمُوهُ مِنْ أهْلِهِ ووَضَعْتُمُوهُ في غَيْرِ أهْلِهِ!
وَقَامَ المِقْدَادُ فَقَالَ: مَا رَأيْتُ مِثْلَ مَا اوذِيَ بِهِ أهْلُ هَذَا البَيْتِ بَعْدَ نَبِيِّهِم. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: ومَا أنْتَ وذَاكَ يَا مِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو؟!
فَقَالَ: إنَّي واللهِ لُاحِبُّهُمْ لِحُبِّ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وسَلَّمَ إيَّاهُمْ؛ وإنَّ الحَقَّ مَعَهُمْ وفِيهِم. يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! أعْجَبُ مِنْ قُرَيْشٍ- وإنَّمَا تُطَوِّلُهُمْ عَلَى النَّاسِ بَفَضْلِ أهْلِ هَذَا البَيْتِ- قَدِ اجْتَمَعُوا على نَزْعِ سُلْطَانِ رَسُول اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَهُ مِنْ أيْدِيهِمْ! أمَا وأيْمُ اللهِ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَوْ أجِدُ على قُرَيْشٍ أنْصَاراً لَقَاتَلْتَهُمْ كَقِتَالِي إيَّاهُمْ مَعَ النَّبِيّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ يَوْمَ بَدْرٍ. وجَرَى بَيْنَهُمْ مِنَ الكَلَامِ خَطْبٌ طَوِيلٌ قَدْ أتَيْنَا على ذِكْرِهِ في كِتَابِنَا «أخْبَار الزَّمَانِ»[2] في أخبَارِ الشُّورَى وَالدَّارِ.[3]
وروى ابن عساكر بسنده المتّصل عن عمر بن عليّ بن الحسين، عن عليّ بن الحسين، قال: قَالَ مَرْوَانُ بْنُ الحَكَمِ: مَا كَانَ في القَوْمِ أحَدٌ أدْفَعَ عَنْ صَاحِبِنَا مِنْ صَاحِبِكُمْ- يَعْنِي عَلِيَّاً عَنْ عُثْمَانَ- قَالَ: قُلْتُ لَهُ: فَمَا لَكُمْ تَسُبُّونَهُ على المَنَابِرِ؟! قَالَ: لَا يَسْتَقِيمُ الأمْرُ إلَّا بِذَلِكَ.[4]
قال أحمد أمين المصريّ: وقَدْ بَدَأ التَّشَيُّعُ مَنْ فِرْقَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا مُخْلِصِينَ في حُبِّهِمْ لِعلِيّ يَرَوْنَهُ أحَقُّ بِالخِلَافَةِ لِصِفَاتٍ رَأوْهَا فِيهِ؛ مِنْ أشْهَرِهِمْ سَلْمَانُ الفَارِسيّ وأبُو ذَرٍّ الغِفَارِيّ والمِقْدَادُ بْنُ الأسْوَدِ. وتَكَاثَرَتْ شِيعَتُهُ لَمَّا نَقَمَ النَّاسُ عَلَى عُثْمَانَ في السَّنَوَاتِ الأخِيرَةِ مِنْ خِلَافَتِهِ ثُمَّ لَمَّا وَلِيَ الخِلافَةَ.[5]
واعترض اسامة بن زيد على خلافة أبي بكر، وقال له في كتاب بعثه إليه: أنى لك هذا المقام؟
[1] أي: أنَّ أبا سفيان أراد أن يتحدّث بحضور بني اميّة لا غيرهم بحيث إنَّ شخصاً واحداً من أنصار بني هاشم لا يحضر بينهم، حتّى يبقى كلامه سرّيّاً، ولا يُفصِح عنه، ونحن نقلنا كلام أبي سفيان بعبارة اخرى في الدرس 91- 93، من دروس «معرفة الإمام» ج 7.
و روى ابن أبي الحديد في الجزء الثاني من «شرح نهج البلاغة» ص 44 عن أحمد بن عبد العزيز، قال: إنَّ أبا سفيان، قال لمّا بويع عثمان: كان هذا الأمر في تَيْم؛ وأني لتيم هذا الأمر؟ ثمّ صار إلى عديّ، فأبعد وأبعد ...؛ ثمّ رجعتْ إلى منازلها واستقرَّ الأمر قراره، فتلقّفوها تلقّف الكرة.
و روي عنه أيضاً في ص 45: إنَّ أبا سفيان قال لعثمان: بأبي أنت أنفق ولا تكن كأبي حجر! وتداولوها يا بني اميّة تداول الولدان الكرة! فو الله ما من جنّة ولا نار. وكان الزبير حاضراً، فقال عثمان لأبي سفيان اعزُبْ! فقال: يا بني أهاهنا أحد؟! قال الزبير: نعم والله لا كتمتها عليك!
يقول راوي هذه الرواية: المغيرة بن محمّد المهلّبيّ: عند ما ذاكرت إسماعيل بن إسحاق القاضي بهذا الحديث، قال: هذا باطل. قلت: وكيف ذلك؟ قال: ما أنكر هذا من أبي سفيان، ولكن أنكر أن يكون سمعه عثمان، ولم يضرب عنقه. (أي: لو كان أبو سفيان قد قال ذلك، لضرب عثمان عنقه).
[2] جاء في كتاب «كشف الظنون» ج 1، ص 27 ما نصّه: «أخبار الزمان ومن أباده الحَدَثان»: في التأريخ، للإمام أبي الحسن عليّ بن محمّد بن الحسين (عليّ بن الحسين بن عليّ) المسعوديّ المتوفّى سنة 346 هـ. وهو تأريخ كبير قدّم القول بهيئة الأرض ومدنها وجبالها وأنهارها ومعادنها وأخبار الأبنية العظيمة وشأن البدء وأصل النسل وانقسام الأقاليم وتباين الناس. ثمّ أتبع بأخبار الملوك الغابرة والامم الداثرة والقرون الخالية وأخبار الأنبياء. ثمّ ذكر الحوادث سنة سنة إلى وقت تأليف «مروج الذهب» سنة 332 هـ. ثمّ أتبعه كتاب «الأوسط» فجعله إجمال ما بسطه فيه، ثمّ رأي اختصار ما وسّطه في كتاب سمّاه «مروج الذهب» ورتّب أخبار الزمان على ثلاثين فنّاً.
[3] «مروج الذهب» ج 2، ص 342 و343، طبعة دار الأندلس، وج 2، ص 351 و352، طبعة مطبعة السعادة بمصر، سنة 1367 هـ.
[4] «تاريخ دمشق» ج 3، ص 98، ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب.
[5] «ضحي الإسلام»، ج 3، ص 209.