قال المحدِّث القمّيّ: رواه أبو الفرج عن المغيرة قال: قال معاوية: مَنْ أحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الأمْرِ؟
قَالُوا: أنْتَ!
قَالَ: لَا! أولى النَّاسِ بِهَذَا الأمْرِ عَلِيّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنُ عَلِيّ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، جَدُّهُ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ، وفِيهِ شَجَاعَةُ بَنِي هَاشِمٍ، وسَخَاءُ بَنِي امَيَّةَ، وزَهْوَ ثَقِيفٍ.
هذا الكلام، وتلك الأبيات المذكورة في علوّ الصفات، وقول معاوية الجدير بالثناء: إنّه أولى الناس بخلافة رسول الله، كلّ ذلك يدلّ على أنّه لم يكن ابن ثماني عشرة سنةً، لأنّ صبيّاً مثله لا يقال فيه هذا الكلام.
ذكر أبو جعفر الطبريّ في منتخب «ذيل المُذَيَّل» في تأريخ الصحابة والتابعين:
أنّ امّ عليّ هي آمنة ابنة أبي مُرَّة بن عروة بن مسعود، وامّها ابنة أبي سفيان.
كان معاوية يراه أهلًا للخلافة لانتسابه الثلاثيّ. أمّا سخاء بني اميّة الذي عدّه من فضائلهم فهو كذب محض. فالسخاء كلّه سخاء بني هاشم. والأموال التي كان يبذّرها معاوية من بيت مال المسلمين بلا حساب من أجل حكومته وإمارته الشيطانيّة، لا ينبغي أن نحسبها سخاءً.
وجملة القول: استبان ممّا جاء في هذا البحث أنّ عليّ الأكبر عليه السلام لم يكن ذلك القويّ الذي لا تؤثّر فيه ضربات الأسلحة من سيف ورمح وغيرهما. كما لم يكن مضطرّاً في تحرّكه واستشهاده، فيأخذ سيفه ويقتل به الكفّار تلقائيّاً. وهو نفسه قال: أبَه! العطش قتلني وثقل الحديد أجهدني. ولم يكن عند أبيه ماء فيُعطيه. ولم يرد أن يعمل خلاف سنّة الجهاد، والقتل في سبيل الله، والتضحية في سبيل الدين، فيقوم بمعجزة أو كرامة، وإلّا فانّه كان قادراً على ذلك بسهولة، وحينئذٍ لم تكن كربلاء بهذا الشكل الذي نعهده.
عند ما قال رسول الله للحسين عليهما الصلاة والسلام: وإنَّ لَكَ في الجِنَانِ لَدَرَجَاتٍ لَنْ تَنَالَهَا إلَّا بِالشَّهَادَةِ![1] فهذا يعني أنّ عليك أن تذهب في سفرك خطوة خطوة بإرادتك واختيارك متحمّلًا المشاقّ والمصائب، وصابراً في سبيل الله، ومضحّياً بنفسك وبابنك عليّ الأكبر، بتلك الكيفيّة المعهودة، حتى تبلغ مقصودك!
وهذا السيّد الأمير الحرّ الذي هو مثال النبيّ يجب أن يكون رفيقك في هذا الطريق بنحوٍ يتحقّق فيه هُو الهُويَّة الحقيقيّة من نفسيكما الروحانيّتين لجميع أهل العالم، وتُروى جذور شجرة الإسلام التي يبست، وتنقرض حكومة بني اميّة: معاوية ويزيد وبني مروان، ولا يبقى لهم أثر. ويتّضح لكافّة أهل هذا العالم وذلك العالم الملكوتيّ أنّ الحقّ غير الباطل.
كان عليّ الأكبر أمل قلب أبيه. فرع من شجرة، ووشيجة من ساق. وهو كأبيه في اسلوب تفكيره ومرامه ومقصده. وينطبق عليه ما قيل: كَأنَّهُ هُوَ، بَلْ إنَّهُ هُوَ.
لذا عاد إلى ميدان القتال، وقاتل بجسمه الجريح ولَبانه الذاوي وفمه الجافّ وكبده الحرّان في شدّة حرارة الصيف، إذ كان يوم عاشوراء الخامس والعشرين من السرطان على أساس المحاسبة النجوميّة. أجل، قاتل قتالًا أدهش الصديق والعدوّ، وهو يقول: أحْمِي عَنْ أبِي. لهذا له في يوم القيامة مقام لا يناله الشهداء والصدِّيقون.
[1] «نفس المهموم» ص 24، عن المجلسيّ في «بحار الأنوار» عن محمّد بن أبي طالب الموسويّ ضمن بيان رؤياهُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلّم.