نقل لي المرحوم صديقي البارّ الكريم سماحة آية الله السيّد صدر الدين الجزائريّ أعلى الله مقامه أنّه كان ذات يومٍ في بيت المرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العامليّ رحمه الله بالشام، واتّفق حضور المرحوم ثقة المحدِّثين الشيخ عبّاس القمّيّ رحمه الله هناك. فجرى حوار بين المرحومين القمّيّ والأمين. فقال المرحوم القمّيّ مخاطباً المرحوم الأمين: لِمَ ذكرتَ في كتاب «أعيان الشيعة» بيعة الإمام زين العابدين عليه السلام ليزيد بن معاوية عليه وعلى أبيه اللعنة والهاوية؟!
فقال: إنّ «أعيان الشيعة» كتاب تأريخ وسيرة. ولمّا ثبت بالأدلّة القاطعة أنّ مسلم بن عقبة حين هاجم المدينة بجيشه الجرّار، وقتل ونهب وأباح الدماء والنفوس والفروج والأموال ثلاثة أيّام بأمر يزيد، وارتكب من الجرائم ما يعجز القلم عن وصفها، فقد بايع الإمام السجّاد عليه السلام، من وحي المصالح الضروريّة اللازمة، والتقيّة حفظاً لنفسه ونفوس أهل بيته من بني هاشم، فكيف لا أكتب ذلك ولا أذكره في التأريخ؟! ومثل هذه البيعة كبيعة أمير المؤمنين عليه السلام أبا بكر بعد ستّة أشهر من وفاة الرسول الأكرم واستشهاد الصدِّيقة الكبرى فاطمة الزهراء سلام الله عليهما.
قال المرحوم القمّيّ: لا يصلح ذكر هذه الامور وإن كانت ثابتة، لأنّها تؤدّي إلى ضعف عقائد الناس. وينبغي دائماً أن تُذكر الوقائع التي لا تتنافى مع عقيدة الناس.
قال المرحوم الأمين: أنا لا أدري أيّ الوقائع فيها مصلحة، وأيّها ليس فيها مصلحة. عليك أن تذكّرني بالامور التي ليس فيها مصلحة، فلا أكتبها!
ومن الطبيعيّ أنّ رأى المرحوم القمّيّ هذا غير سديد. ذلك أنّه ظنّ الإمام السجّاد اسوةً للناس بدون بيعة يزيد، وزعم أنّ الناس لو علموا بأنّه بايع، لرجعوا عن الإيمان والاعتقاد بالتشيّع، أو ضعف إيمانهم واعتقادهم. وبالنتيجة فإنّ الإمام هو الذي لا ينبغي له أن يبايع يزيد.
إن مفاسد هذا اللون من التفكير بيّنة. أوّلًا: لأنّ الإمام الحقيقيّ هو الذي يبايع، ويدرك مصالح البيعة، وعمله صحيح، وخلافه، أي: عدم البيعة، غير صحيح.
ثانيا: لو ابتُلينا هذا اليوم بحاكم جائر كيزيد، وقال لنا: بايعوا وإلّا ... وإذا اعتبرنا البيعة - حتى مع هذا الفرض - حراماً وخطأً، فقد أهدرنا دمنا ودماء أهلينا وناس آخرين سدى. وأمّا إذا علمنا أنّ أئمّتنا وقدوتنا قد بايعوا في مثل تلك الظروف، فإنّنا سنبايع فوراً بدون أن نفكّر بالنتيجة السقيمة وما تستتبعه البيعة من محذورات. أفليست التقيّة من اصول الشيعة الثابتة؟! لِمَ نُظْهِرُ للناس خلاف ذلك فنورط اولئك المساكين في عُسرٍ وحرجٍ للحفاظ على شرفهم وكرامتهم ووجدانهم؟ حتى إذا بايع أحد في مثل هذه الحالة، فإنّه يعدّ نفسه آثماً خجولًا، ويرى تلك البيعة مخالفة لسُنّة إمامه ونهجه. وإذا لم يبايع فإنّه يعرّض نفسه وأتباعه لسيف زنجيّ ثمل جائر سفّاك، ويفقد حياته جنوناً وحماقةً.
بيان الحقيقة هو بيان الحقيقة نفسها، لا بيان حقيقة خياليّة، وإلّا فإنّ جميع المفاسد تقع على عاتق من كتم الحقيقة.
كانت في المرحوم المحدِّث القمّيّ - مع جميع ما اتّصف به من الجهاد العلميّ والعناء وحبّ أهل البيت عليهم السلام - مثلبة تتمثّل في بتره للأخبار، إذ يذكر مثلًا شيئاً من الخبر كمثال، ويتغاضى عن الباقي الذي ربّما تكون فيه قرائن مفيدة لحدود هذا المعنى المستفاد.
وهذا غير صائب، إذ لعلّ صدر الخبر قرينة على ذيله، وذيله قرينة على صدره. فما على المؤلِّف إلّا أن ينقل الخبر بحذافيره، ثمّ يعلّق عليه في الهامش أو الشرح إن أشكل عليه في بعض المواضع!
ونلحظ في كتاب «منتهى الآمال» أنّ المحدِّث القمّيّ ذكر مقتل محمّد بن عبد الله بن الحسن المسمّى بالنفس الزكيّة، ومقتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن المسمّى بقتيل باخمرى، وتحدَّث عن سيرتهما التي أوردناها في صفحات متقدّمة من هذا الكتاب، دون أن يشير إلى مثالبهما، واكتفى بالحميد من ترجمتهما.[1]
وهكذا فعل العلّامة الأمينيّ في «الغدير» عند ذكر عبد الله المحض وولديه: محمّد وإبراهيم، فقد تحيّز في كلامه عنهم نوعاً ما، ورغب عن بيان طبيعة الواقعة.[2]
أجل، التفاوت واضح بين أدعية الإمام السجّاد عليه السلام بخاصّة أدعية «الصحيفة الكاملة»، وأدعية الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في النبرة والمضمون. فأدعية «الصحيفة» نبعت من قلبٍ متحرّق ذائب، وروح عاشقة مجذوبة ومدهوشة. وأدعية «الصحيفة العلويّة» التي أعدّها الميرزا عبد الله بن صالح السماهيجيّ، و«الصحيفة الثانويّة» التي أعدّها المحدِّث القريب من عصرنا الميرزا حسين النوريّ، تمتاز بمضامين جليلة عظيمة تبعث على الهيبة. وهذا لا يعني أنّ الإمام السجّاد عليه السلام كان عاجزاً عن الإتيان بمثلها، بل إنّ وضعه كان يتطلّب مثل تلك الأدعية، لا مثل هذه الأدعية التي تطلّبها وضع أمير المؤمنين عليه السلام.
ولعلّه صلوات الله عليه قد أنشأ نظير تلك الأدعية في المدينة أيّام رسول الله وفاطمة الزهراء سلام الله عليهما عند ما كان في حائط بني النجّار (بستان بني النجّار)، ولكن لم ينقلها لنا أحد.
ولا تنحصر أدعيته العجيبة بدعاء كُميل، ودعاء الصباح، بل إنّ جميع أدعيته تكشف عن مقام جلال الحقّ تعالى وعظمته وانتشار رحمته الواسعة، وعن إشراق نور التوحيد على عوالم الإمكان بأسرها.
[1] «منتهي الآمال» ج 1، ص 199 إلى 203، طبعة علميّة إسلاميّة، القطع الرحليّ.
[2] «الغدير» ج 3، ص 271 إلى 273.