قال المحدِّث القمي: كان قد رُبّي في حجر عمّه الحسن وأبيه الحسين عليهما السلام، وادِّب بأدبهما كما يشهد لذلك ما في الزيارة المعتبرة المنقولة في «الكافي» و«التهذيب»، و«مَن لا يحضره الفقيه» في السلام عليه: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ الحَسَنِ والحُسَيْنِ.
إلى أن قال: كما في بعض المقاتل المعتبرة أنّه عليه السلام رفع شيبته نحو السماء وكان لسان حاله: أصابتني مصيبة فجيعة وداهية عظيمة، فانّما أشكو بثّي وحزني إلى الله؛ لأنّ الأخذ باللحية من علامة هجوم الحزن وكثرة الاغتمام، كما أشار بذلك شيخنا رئيس المحدِّثين أبو جعفر بن بابويه القمّيّ![1]
أجل، يستشفّ من كلام المرحوم المحدِّث أنّ عليّ الأكبر قد تربّى في حِجر ذينك الإمامين العظيمين وتأدّب بآدابهما، فلهذا هو بمنزلة الابن لهما معاً. والدليل هو السلام عليه بابن الحَسَنِ والحُسَيْنِ.
نقول هنا: لو كانت تربية الإمامين وآدابهما واحدةً تماماً بلا تفاوت، فلا معنى لهذا الشرح والتفصيل! وإذا كان الحزن عديم الأثر في الإمام، وهو أمر صوريّ، فما ذا يعني رفع الشيبة واللجوء إلى الله تعالى والاشتكاء إليه من قوم معاندين؟! لا! لا! ليس كذلك، وكم نبتعد عن الحقيقة والواقع إذا نظرنا إلى الإمام على أنّه قويّ الجسم، وأنّه مَلَكٌ ليست له جوارح بشريّة، وأنّ الحرب، والجرح، والأسر، والنهب امورٌ شبيهة بدمي الأطفال ولعبة خيال الظلّ! إنّ سيّد الشهداء عليه السلام - مع جميع الإمكانات والتعيّنات البشريّة، وكافّة القوى والجوارح المدركة للملذّات المادّيّة والطبيعيّة، ومع وجود النفس الواسعة المحبّة للرئاسة الغريزيّة بعيدة عن رضا الحقّ - قد عبر هذه المنازل والمراحل كلّها، وأودعها في ملفّ النسيان، وضحّى بها جميعاً فداءً للمحبوب، وضرب عن العالَم صفحاً بسبب عشقه الإلهيّ، وتحرّك فارس الميدان وحده عجلًا إلى الله سبحانه، وطلّق كلّ شيء في الحياة، وأنزل حاجته في مقام العزّة الربوبيّة بلباس بالٍ ممزّق، وجسمٍ قد أثخنته الجراح، صلى الله عليك يا أبا عبد الله!
كم نراه مناسباً هنا، ونحن ننوي إنهاء هذا الجزء من «معرفة الإمام»، أن ننقل كلاماً لآية الله الكبير الشيخ محمّد الحسين كاشف الغطاء من كتابه «جنّة المأوى». قال: )التَّضحِيَةُ في ضَاحِيَةِ الطَّفِ( إن التضحية والفداء اللذين تسامى وتعالى بهما إمام الشهداء وأبو الأئمّة يوم الطفّ من أيّة ناحيةٍ نظرتَ إليهما، ومن كلّ وجهةٍ اتّجهتَ لهما متأمّلًا فيهما، أعطياك دروساً وعِبراً، وأسراراً وحكماً تخضع لها الألباب وتسجد في محراب عظمتها العقول.
هذه الدنيا وشهواتها ولذائذها وزينتها وزخارفها التي يتكالب عليها البشر، ويتهاوى على مذبحها كلّ يوم ضحايا الأنام، هذه الدنيا التي اتّخذها كلّ واحدٍ من الناس ربّاً وصار عبداً لها ولمن في يده شيء منها، فلعبت بهم ولعبوا بها، هذه الدنيا وشهواتها التي أشار جلّت عظمته إلى جمهرتها بقوله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والْبَنِينَ والْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ والْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ.[2] كانت كلّ هذه النفائس الدنيويّة قد تَوفَّرَ للحسين عليه السلام أكملها وأجملها من المال، والبنين والنساء، والخيل المسوّمة، مضافاً إلى ما كان له من العزّ والكرامة وكلّ مؤهّلات الشرف والتقدير التي استحقّها بحسبه ونسبه وبيته ومواهبه. وقد كان في ذلك العصر لا يوازيه ولا يدانيه أحد في دنيا المفاخر والمآثر. الكلّ يعترف ويعرف ما له من عظيم القدر ورفيع المنزلة. فسلّم المجد والصعود إلى السماء بيمينه، ومفاتيح خزائن الدنيا في قبضة شماله. ومع ذلك كلّه فحين جدّ الجدّ وحقّت الحقيقة بذل كلّ ذلك وضحّى به في ضاحية يوم الطفّ، وفي سبيل المبدأ كان أهون شيء عليه تلك النفائس، وما اكتفى حتى بذل نفسه وجسده ورأسه وأوصاله وأولاده وكلّ حبيب له وعزيز عليه في سبيل حبيبه الأعلى ومعشوقه الأوّل.
[1] «نفثة المصدور في تجديد أحزان يوم العاشور» ص 24 و25.
[2] الآية 14، من السورة 3: آل عمران.