اعلم أنّ الانتظار ليس بمعنى رفض المسئولية والعمل والتعهد ، وإحالة ذلك إلى الإمام المهديّ ـ عليه السلام ـ لقيام الضرورة على بقاء التكاليف ، هذا مضافا إلى التصريح في رواية غيبة النعماني وغيرها ، بلزوم الالتزام بأمر الله والولاية للأئمة والبراءة من أعدائهم ، واختيار الورع والاجتهاد والطمأنينة ، فمن ادعى أنّه من المنتظرين ، ومع ذلك خالف أمر الله أو تولّى لأعداء الله أو أراد غير الأئمة ـ عليهم السلام ـ من الطواغيت ، ولا يكون من أهل الورع ولا يجتهد في العمل بالدين ، وليس له طمأنينة في هذا السبيل وسلب عن نفسه المسئولية وتكاليفه ، فهو من الضالّين المنحرفين ، وليس في الحقيقة من المنتظرين ، وإنّما المنتظر من يصلح نفسه وأصلح الامور ، وينتظر ويتوقع الفرج ، فيما لم يقدر على اصلاحه فالمنتظر لمقدم مولانا الإمام القائم ـ أرواحنا فداه ـ أتى بما عليه وأعدّ نفسه لنصرة الإمام ، ولا يزال مراقبا ، والمراقب هو المعدّ لذلك سيّما إذا انتظر الفرج صباحا ومساء ، فالمنتظرون هم الجند المجند ، والمسئولون المتعهدون ، والصالحون المصلحون ، ومن المعلوم أنّ هؤلاء يحتاجون إلى الصبر والمقاومة ، وأمّا الذين سلبوا عن أنفسهم المسئولية فلا حاجة لهم إلى الصبر ، وتعبير رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ عن الانتظار بالعبادة يناسب انتظار هؤلاء المتعهدين لا الذين رفضوا التكاليف والمسئولية ، كما أنّ الانتظار بالمعنى المذكور يوجب الفرج عن الضلالة والنجاة عن الانحراف عن المسير بحيث إن ظهر الإمام الثاني عشر ـ أرواحنا فداه ـ أمكن له أن يدخل في زمرة ناصريه ، فإيمانه بالإمام قبل ظهوره وانتظاره ينفعه عند ظهوره ، ويصير كما نصّ عليه الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ من مصاديق قوله تعالى : «اولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون».
وهؤلاء المنتظرون هم المستحقّون لما ورد من أنّ المنتظر للثاني عشر كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ يذبّ عنه ، وغير ذلك من الفضائل.
ولقد أوضح ذلك آية الله السيد صدر الدين الصدر ـ قدس سره ـ حيث قال : «الانتظار هو ترقب حصول الأمر المنتظر وتحقّقه ، ولا يخفى ما يترتب على انتظار ظهور المهدي ، من الامور الإصلاحية الراجعة إلى كلّ إنسان ، فضلا عن الهيئة الاجتماعية سيّما الشيعة الإمامية :
الأول : أنّ الانتظار بنفسه من حيث هو رياضة مهمّة للنفس حتى قيل : الانتظار أشدّ من القتل ، ولازمه اشغال القوّة المفكرة وتوجيه الخيال نحو الأمر المنتظر ، وهذا ممّا يوجب قهرا أمرين : الأول : قوة المفكّرة ضرورة توجب ازدياد القوى بالأعمال. الثاني : تمكّن الإنسان من جمعها وتوجيهها نحو أمر واحد ، وهذان الأمران من أهمّ ما يحتاج إليهما الإنسان في معاده ومعاشه.
الثاني : يسهّل وقع المصائب والنوائب ويخفف وطأتها إذا علم الإنسان وعرف أنّها في معرض التدارك والرفع وشتّان بين مصيبة علم الإنسان تداركها وبين مصيبة لا يعلم ذلك ، سيّما إذا احتمل تداركها عن قريب والمهدي ـ عليه السلام ـ بظهوره يملأ الأرض قسطا وعدلا.
الثالث : لازم الانتظار محبة أن يكون الإنسان من أصحاب المهدي وشيعته ، بل من أعوانه وأنصاره ، ولازم ذلك أن يسعى في إصلاح نفسه وتهذيب أخلاقه ، حتّى يكون قابلا لصحبة المهدي ، والجهاد بين يديه ، نعم إنّ ذلك يحتاج إلى أخلاق قلّما توجد بيننا اليوم.
الرابع : الانتظار كما أنّه يبعث إلى إصلاح النفس بل والغير ، كذلك يكون باعثا وراء تهيئة المقدمات والمعدات الموجبة لغلبة المهدي على عدوّه ، ولازمه تحصيل ما يحتاج إليه من المعارف والعلوم سيّما وقد علم أنّ غلبته على عدوّه تكون بالأسباب العاديّة» (1).
ثم إنّ الانتظار أثر الإيمان بمجيء الإمام الثاني عشر ، الذي يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما وجورا مع كون ظهوره محتمل في كلّ عصر وزمان وصباح ومساء ، إذ القول بتأخير الظهور مردود بحسب الأخبار ، كما أنّ القول بتوقيته كذلك ، وأمّا ما ذكر من علائم الظهور فهي ليس جميعها من المحتومات ، مع أنّ محتوماتها أيضا قابلة للتغيير كما دلّ عليه بعض الروايات.
هذا مضافا إلى إمكان وقوعها في زمان قليل ، فالانتظار ممكن في كلّ الأحوال ؛ إذ ظهوره لا يكون معلقا بزمان آخر.
_______________
(1) المهدي : ص 211 ـ 212 الطبع الحديث.