انّ فكرة وجود الإمام في كلّ عصر وزمان ليست فكرة حديثة ، بل هي أمر له سابقة من لدن خلقة البشر ، لما عرفت من إقامة البراهين التامّة على لزوم الارتباط بين الخلق وخالقه بالنبوّة أو الإمامة ، وأكّدها النبيّ صلى الله عليه وآله بجملات ، منها : من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية (1) فالاعتقاد بالإمامة كان مبتنيا على أساس قويم برهاني ، بل فكرة كون الأئمة في الإسلام اثني عشر ، وفكرة كون الأئمة الأحد عشر ـ عليهم السلام ـ من نسل النبيّ ونسل علي وفاطمة ، ونسل الحسين ـ عليهم السلام ـ وبعض خصوصيات أخر أمر سماويّ أخبر به الأنبياء السالفة ونبيّنا ـ صلى الله عليه وآله ـ بالتواتر من الأخبار.
روى في منتخب الأثر عن كفاية الأثر بإسناده إلى أمّ سلمة قالت : قال : رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ : لمّا اسري بي إلى السماء ، نظرت فإذا مكتوب على العرش لا إله إلّا الله محمّد رسول الله ، أيدته بعليّ ، ونصرته بعليّ ، ورأيت أنوار عليّ وفاطمة والحسن والحسين ، وأنوار علي بن الحسين ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد وموسى بن جعفر وعليّ بن موسى ومحمّد بن عليّ ، وعليّ بن محمّد ، والحسن بن عليّ ، ورأيت نور الحجّة يتلألأ من بينهم كأنّه كوكب درّي ، فقلت يا رب من هذا؟ ومن هؤلاء؟ فنوديت يا محمّد هذا نور عليّ وفاطمة ، وهذا نور سبطيك الحسن والحسين ، وهذه أنوار الأئمة بعدك من ولد الحسين مطهّرون معصومون ، وهذا الحجّة الذي يملأ الأرض (الدنيا نخ) قسطا ، وعدلا (2) وعليه ففكرة ظهور الإمام الثاني عشر ـ أرواحنا فداه ـ وغلبته على الظلم والجور ، وإقامته للعدل والقسط والحكومة الإلهية الإسلامية في جميع أقطار الأرض ، أمر سماوي أخبر به الأنبياء السابقة ونبيّنا محمّد ـ صلى الله عليه وآله ـ والأئمة الأطهار ـ صلوات الله عليهم ـ بالتواتر ، ووقع كما أخبروا من دون ريب وشبهة ، بل يمكن إقامة البرهان عليه بما يلي: قال العلّامة الطباطبائي ـ قدس سره ـ في «الشيعة في الاسلام» تحت عنوان بحث في ظهور المهدي ـ عجل الله فرجه ـ من وجهة نظر العامّة : وكما أشرنا في بحث النبوّة والإمامة وفقا لقانون الهداية الجارية في جميع أنواع الكائنات ، فالنوع الإنساني منه مجهّز بحكم الضرورة بقوة (قوّة الوحي والنبوّة) ترشده إلى الكمال الإنساني والسعادة النوعيّة ، وبديهي أنّ الكمال والسعادة لو لم يكونا أمرين ممكنين وواقعين للإنسان الذي تعتبر حياته حياة اجتماعية لكان أصل التجهيز لغوا وباطلا ، ولا يوجد لغو في الخلقة مطلقا.
وبعبارة اخرى أنّ البشر منذ أن وجد على ظهر البسيطة كان يهدف إلى حياة اجتماعية مقرونة بالسعادة ، وكان يعيش لغرض الوصول إلى هذه المرحلة ، ولو لم تتحقق هذه الامنية في الخارج ، لما منّى الإنسان نفسه بهذه الامنية ، فلو لم يكن هناك غذاء لم يكن هناك جوع ، وإذا لم يكن هناك ماء لم يكن عطش ، وإذا لم يكن تناسل لم تكن علاقة جنسية.
فعلى هذا وبحكم الضرورة (الجبر) فإنّ مستقبل العالم سيكشف عن يوم يهيمن فيه العدل والقسط على المجتمع البشري ، ويتعايش أبناء العالم في صلح وصفاء ومودّة ومحبّة ، تسودهم الفضيلة والكمال وطبيعي أنّ استقرار مثل هذه الحالة بيد الإنسان نفسه ، والقائد لمثل هذا المجتمع سيكون منجي العالم البشري ، وعلى حدّ تعبير الروايات سيكون المهديّ (3).
وكيف كان فنذكر من الروايات الكثيرة المتواترة رواية واحدة ، وهي ما رواه في فرائد السمطين عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآلهوسلم ـ : إنّ خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي لاثنا عشر ، أوّلهم أخي وآخرهم ولدي قيل : يا رسول الله ومن أخوك؟ قال : عليّ بن أبي طالب ، قيل : فمن ولدك؟ قال : المهديّ الذي يملأها قسطا وعدلا ، كما ملئت جورا وظلما والذي بعثني بالحقّ بشيرا لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهديّ ، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلّي خلفه ، وتشرق الأرض بنور ربّها ، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب (4).
قال الشهيد السيد محمّد باقر الصدر ـ قدس سره ـ : «إن فكرة المهديّ بوصفه القائد المنتظر لتغير العالم إلى الأفضل قد جاءت في أحاديث الرسول الأعظم عموما ، وفي روايات أئمة أهل البيت خصوصا ، وأكّدت في نصوص كثيرة بدرجة لا يمكن أن يرقى إليها الشك ، وقد احصي أربعمائة حديث عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ من طرق إخواننا أهل السنّة كما احصي مجموع الأخبار الواردة في الإمام المهديّ من طرق الشيعة والسنّة ، فكان أكثر من ستة آلاف رواية. هذا رقم إحصائي كبير لا يتوفر نظيره في كثير من قضايا الإسلام البديهيّة التي لا شكّ فيها لمسلم عادة» (5).
ثم مما ذكر يظهر وجه ضعف القول بأنّ فكرة ظهور المهديّ مستحدثة عند الشيعة ، هذا مضافا إلى ما أشار إليه في المتن من أنّه لو لا ثبوت فكرة المهديّ عن النبيّ ـ صلى الله عليه وآله ـ على وجه عرفها جميع المسلمين وتشبّعت في نفوسهم واعتقدوها لما كان يتمكن مدّعو المهديّة في القرون الاولى كالكيسانية والعبّاسيين وجملة من العلويين ، وغيرهم من خدعة الناس ، واستغلال هذه العقيدة فيهم طلبا للملك والسلطان ، فجعلوا ادعاءهم المهديّة الكاذبة طريقا للتأثير على العامّة وبسط نفوذهم عليهم.
ثم لا يخفى عليك قصور ما أفاده المصنّف من أنّ طبيعة الوضع الفاسد في البشر البالغة الغاية في الفساد والظلم مع الإيمان بصحّة هذا الدين ، وأنّه الخاتمة للأديان يقتضي انتظار هذا المصلح (المهديّ) لإنقاذ العالم مما هو فيه ، ولأجل ذلك آمنت بهذا الانتظار جميع الفرق المسلمة الخ.
فإنّ مجرد طبيعة الوضع الفاسد يقتضي إظهار مصلح وإخراجه حتّى يتمكّن به إصلاح العالم مما هو فيه ولا يدلّ على وقوع هذا الإصلاح إلّا بضميمة ما بشّر الله به في الكتاب العزيز من غلبة الدين الإسلامي على جميع الأديان كقوله : (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) أو بضميمة بشارة النبيّ والأئمة الماضين ـ عليهم السلام ـ بوقوع هذا الأمر وحتميته ، وهذا هو السبب في إيمان جميع الفرق المسلمة بذلك الانتظار لا مجرد طبيعة الوضع الفاسد فلا تغفل.
_______________
(1) موسوعة الإمام المهدي: ص 9 نقلا عن أحمد بن حنبل في مسنده : ج 2 ص 83 وج 3 ص 446 ، وج 4 ص 960 وغيره من الأعلام فراجع.
(2) منتخب الأثر : ص 114.
(3) الشيعة في الإسلام تعريب بهاء الدين : ص 195.
(4) موسوعة الامام المهدي : ص 70 نقلا عن فرائد السمطين : ج 2 ص 562.
(5) بحث حول المهدي : ص 63 ـ 64.