1. شأن النزول: سئل أسامة بن زيد عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان والناس في قائلتهم وتجارتهم؛ فأنزل الله: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: 238]. فقال رسول الله: لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم[1].
تنويه: كان الناس لا يهتمون بصلاة جماعة الظهر بإمامة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وذلك بسبب حرارة الجو ونومهم الظهر (القيلولة) أو انشغالهم بالتجارة، ومن هنا نزلت آية (حَافِظُوا عَلَى...) [البقرة: 238] التي دعتهم إلى المحافظة على جميع الصلوات وخصوصاً الصلاة (الوسطى).
وبعد نزول هذه الآية التي تذكر بعض الروايات أنه كان في يوم الجمعة[2]، فقد هدد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأشخاص الذين لم يكونوا يحضرون الصلاة بأنهم إذا لم يكفّوا عن الاستهانة بالصلاة ولم يحضروا اجتماع المسلمين في يوم الجمعة فإنّـه سيحرق بيوتهم[3]، لأن مثل هذا النوع من الحياد لا ينشأ إلا من الشقاق والنفاق. نعم، ليس هناك من أسلوب للتعامل مع المنافقين الحاقدين الذين لا يسعون إلا لتشويه صورة المجتمع الإسلامي غير هذا التهديد النبوي.
2. المراد من الصلاة الوسطى: عن أبي بصير -يعني المرادي- قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: صلاة الوسطى صلاة الظهر، وهي أوّل صلاة أنزل الله على نبيه (صلى الله عليه وآله)[4].
عن علي عليه السلام: أنها الجمعة يوم الجمعة، والظهر سائر الأيام[5].
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ) [البقرة: 238]: الظهر. (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: 238]: إقبال الرجل على صلاته ومحافظته على وقتها حتى لا يلهيه عنها ولا يشغله شيء[6].
عن زرارة، قال: سألت أبا جعفرعليه السلام عما فرض الله عزّ وجل مـن الصلاة؟ فقال: خمس صلوات في الليل والنهار... وقال تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ) [البقرة: 238] وهي صلاة الظهر، وهي أول صلاة صلاها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي وسط النهار ووسط صلاتين بالنهار: صلاة الغداة وصلاة العصر؛ وفي بعض القراءة: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ) [البقرة: 238] صلاة العصر.(وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة: 238][7].
تنويه: إن ما جاء في ذيل الرواية الأخيرة بعنوان إحدى القراءات (بعض القراءة) يبدو أنه من باب التقية؛ فالإمام الباقر عليه السلام ـ الذي هو عدل القرآن الكريم. لم يذكر ذلك في مقام تصحيح ومقابلة النص القرآني، بل إنه ذكر أمام أصحابه أولاً أن الصلاة الوسطى هي صلاة الظهر، وربما كان لورود شخص معيّن بعد ذلك أثره في أن يغيّر الإمام حديثه من باب التقية فيقول إن بعض القراءات قد اعتبرت صلاة العصر هي (الصلاة الوسطى).
3. الصلاة نبع طاهر ومطهر: عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في كلام يوصي أصحابه: تعاهدوا أمر الصلاة وحافظوا عليها واستكثروا منها وتقربوا بها؛ فإنها كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً. ألا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سئلوا: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) [المدثر: 42-43] وإنها لتحت الذنوب حت الورق[8]، وتطلقها إطلاق الربق[9]، وشبهها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالحمة[10]، تكون على باب الرجل فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات. فما عسى أن يبقى عليه من الدرن[11]، وقد عرف حقها رجالٌ من المؤمنين الذين لا تشغلهم عنهـا زينة متاع ولا قـرة عين من ولد ولا مال؛ يقول الله سبحانه: (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) [النور: 37]، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نصباً[12] بالصلاة بعد التبشير له بالجنة؛ لقول الله سبحانه: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) [طه: 132] فكان يأمر بها أهله ويصبر عليها نفسه[13].
تنويه: مثل هذا النوع من العيون الطاهرة المطهرة، هي نموذج من كوثر النعيم الذي تجلت إحدى رشحاته في الدنيا.
4. آثار المحافظة على الصلاة: قال الصادق عليه السلام... وملك الموت يدفع الشيطان عن المحافظ على الصلاة ويلقنه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله في تلك الحالة العظيمة[14].
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يزال الشيطان ذعرا من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس؛ فإذا ضيّعهنّ تجرأ عليه فأدخله في العظائم[15].
تنويه: عند قبض الروح والانتقال من عالم الدنيا إلى البرزخ، وهي حالة صعبة جداً، ربما لا يستطيع بعض الناس تحمّلها فيخسروا دينهم بسبب دسائس ووساوس الشيطان؛ إلا إذا كانوا ممن يحافظ على صلاته. فكما تذكر الرواية الأولى يقوم ملك الموت المكلف بقبض الروح بإبعاد الشيطان عن الشخص المحتضر وتلقينه الشهادتين في هذه الظروف العصيبة.
5. محافظة الصلاة على الإنسان: عن يزيد بن خليفة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا قام المصلي إلى الصلاة، نزلت عليه الرحمة من أعنان السماء إلى أعنان الأرض، وحقت به الملائكة، وناداه ملك: لو يعلم هذا المصلي ما في الصلاة ما انفتل[16].
عن أبي جعفر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا قام العبد المؤمن في صلاته، نظر الله عز وجل إليه -أو قال: أقبل الله عليه ـ حتى ينصرف، وأظلّته الرحمة من فوق رأسه إلى أفق السماء والملائكة تحقه من حوله إلى أفق السماء، ووكل الله به ملكاً قائماً على رأسه يقول له: أيها المصلّي، لو تعلم من ينظر إليك ومن تناجي! ما التفت ولا زلت من موضعك أبداً[17].
تنويه: ما الذي يحمي الانسان أفضل من الرحمة الإلهية؟ وهل يوجد حارس تسكن اليه النفس أكثر من أن يرى الإنسان نفسه في ظل عناية ولطف الله المنان ورعايته الخاصة؟ ومن مظاهر الرحمة الإلهية للمصلي إحاطته بملائكة الرحمة من جميع جهاته حيث تحفه من داخله وخارجه فتمنع النفس المسولة والأمارة من الداخل والشيطان من الخارج من أن يصيباه بأي ضرر بل أكثر من ذلك ما يحيي القلب من ذلك الصوت المحبوب للملك الذي يقول للمصلي: إنك لو كنت تعلم من هو الذي ينظر اليك ولو كنت تعلم من هو الذي تناجيه؟ وما الذي ستجنيه من صلاتك؟ لكنت لا تنهي صلاتك أبدا ولما كنت تلتفت الى أي شيء غيره.
[1] الدر المنثور، ج 1، ص 720
[2] تفسير العياشي، ج 1، ص 127.
[3] صحيح مسلم، مع شرح النووي، مج 1-2، ج 2، ص 123-124.
[4] معاني الأخبار، ص 331؛ وسائل الشيعة، ج 4، ص 22.
[5] مجمع البیان، ج 1-2، ص 599؛ وسائل الشيعة، ج 4، ص 23.
[6] تفسير العياشي، ج 1، ص 127-128؛ وسائل الشيعة، ج 4، ص 23.
[7] الكافي، ج 3، ص 271؛ وسائل الشيعة، ج 4، ص 10-11.
[8] حتّ الورق، بمعنى تساقط الأوراق الصحاح، ج 1، ص 246.
[9] الربق: جمع ربق، بمعنى الحبل الذي فيه عدّة عُقد، أو الحبل فيه عدة عُرى، تُشدّ به البهائم. المعجم الوسيط، ص 325، (رب ق). وتُطلق على كل واحد من الذنوب التي تكون سبباً في بروز العقبات أمام عمل الإنسان.
[10] الحمة: عين فوّارة حارّة يغتسل بها الأعلاء والمرضى للاستشفاء. المعجم الوسيط، ص 200، ح م م.
[11] الدَرَن: الوَسَخ والغبار. معجم مقاييس اللغة، ج 2، ص 271، در ن.
[12] النصب، بمعنى التعبان. مفردات ألفاظ القرآن، ص 807، ن ص ب
[13] وسائل الشيعة، ج 4، ص 30-31؛ نهج البلاغة، الخطبة 199.
[14] من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 137؛ وسائل الشيعة، ج 4، ص 29.
[16] المصدر السابق، ص 265، والانفتال من الفشل بمعنى الانصراف راجع المعجم الوسيط ص 673 (ف ت ل).