وفقاً لآية (لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) [البقرة: 226][1] فيجوز للزوج أن يصبر بعد الإيلاء حتى أربعة أشهر، ومع ذلك لا يعد ذلك منه ارتكاباً لمعصية؛ لأن الزوج يستطيع حتى في الحالة العادية أيضاً أن يمتنع عن جماع زوجته إلى هذه المدة، ولكن بعد انقضائها يصبح الزوج مرتكباً للمعصية ومستحقاً للمؤاخذة.
نعم، في حالة رجوع الزوج وإصلاح حياته فإنّ الله يعفو عنه، لأنه غفور ورحيم (فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [البقرة: 226] حتى لو كان الـزوج نـاويـاً لإيصـال الضرر إلى زوجته.
وقد توهم البعض صحة أن تكون مدة الإيلاء أقل من أربعة أشهر، كما هي الحال مع الزمخشري الذي نقل ذلك عن إبراهيم النخعي[2].
وبعد انقضاء أربعة أشهر تستطيع المرأة أن تطالب بحقها، وعلى الزوج إمـا الرجوع أو طلاق زوجته بالصورة التي تحقق لها الخروج من حالة الحيرة والضياع. وبناءً على ذلك فلو لم يرجع الزوج فإنّ مجرد عزمه على الطلاق ليس كافياً، بل على الزوج في حالة عدم انتخابه الرجوع أن يختار الطلاق، كما أنّ الطلاق يجب أن يكون طلاقاً بائنا أما إذا طلقها طلاقاً رجعياً فيجب ألا يرجع بعد ذلك، كي تتحرّر الزوجة وتخرج من حالة الضياع.
ويُفهم عدم كفاية العزم على الطلاق دون صيغته من وجود صفة (السميع) في (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [البقرة: 227] لأنه لو كان العزم على الطلاق كافياً، لاكتفى القرآن الكريم بالقول إنّ الله عليم بما في الصدور، ولم يذكر كونه سميعاً. إذن، فبما أنّ مقصود الله هو وقوع الطلاق، وأن الطلاق له صيغته الخاصة المعتبرة، فلذا جاء وصف الله بالسميع أيضاً. وإلا فالعزم القلبي لا يصير. متعلقاً للسمع، خلافاً لما قاله الزمخشري في الكشاف من أن الدمدمة وحديث الشخص مع نفسه مسموع الله، مثل وسوسة الشيطان التي يسمعها الله[3].
وعلى هذا الأساس، فعلى الرجل أن يختار إما الرجوع أو الطلاق، وفي حالة إبائه عن كلا هذين الأمرين فيمكن للحاكم الإسلامي أن يجبر الزوج على أداء واجبه، وإذا قاوم الزوج ذلك أمكن للحاكم الإسلامي سجنه والتضييق عليه في المكان والغذاء وأمثال ذلك كي يقوم بما عليه القيام به، وإذا لم يؤدّ هذا إلى النتيجة المطلوبة فهنا يقوم الحاكم الإسلامي بطلاق الزوجة نيابة عن الرجل.
وكل هذه الأحكام المذكورة هي في حالَةِ مطالبة الزوجة بحقها، أما إذا تنازلت عن حقها واختارت الحياة من دون المجامعة الزوجية، فلا مانع من ذلك، والرجل حرّ أيضاً، وإن كان يترتب على ذنبه عقوبة إلهية.
وهنا لا بد من التذكير بما ذكرناه سابقاً من أنّ بعض أحكام الإيلاء تكفلت الآيات ببيانه، وبعضها الآخر يؤخذ من الروايات[4].
[1] (للذين) خبر مقدّم، و(تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) [البقرة: 226] مبتدأ مؤخّر.
[2] الكشاف عن حقائق التنزيل، ج 1، ص 269.
[3] الكشاف عن حقائق التنزيل، ج 1، ص 270.
[4] راجع المصدر السابق فقه القرآن، ج 2، ص 201-202.