لم تشر الآية الشريفة صراحة إلى وقت بداية الصوم ونهايته معاً رغم أن أداءه معلوم وواضح ولا لبس فيه. ففيما يتعلق بالصلاة مثلاً أشار القرآن الكريم بجلاء إلى بدايتها وختامها بالآية الشريفة ،(أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ[1]) ولكن بالنسبة للصوم فقد وردت المعلومات التالية: 1. وجوب الصيام في شهر رمضان.
2. جواز الأكل والشرب والجماع في ليالي الصيام.
3. استمرار العمل بالجواز المذكور إلى حلول الفجر(حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ).
4. تم الاستمرار بالصيام حتى حلول ظلمة الليل.
ومن مجموع النقاط الأربعة المذكورة في أعلاه تتضح لنا بداية الصوم ونهايته كذلك، وتُقدّم لنا الروايات إيضاحات أكثر حول بداية الصوم ونهايته.
واعتبر بعض مفسري العامة[2] وكذلك بعض المفسرين من الإمامية[3]، اعتبروا أن انتهاء الرخصة المذكورة في قوله تعالى: (حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) يتعلق بالأكل والشرب والنكاح والرفث، وقالوا: بجواز النكاح والرفث (كالأكل والشرب) في ليالي الصيام حتى طلوع الفجر، ولذلك أجازوا تعمّد الصائم على البقاء جُنُباً وهو. ما اتفقت عليه العامة قائلين بأن منع النكاح والمباشرة يبدأ من طلوع الفجر ولا مانع إذا كان قبل ذلك، وعليه لا يُعتبر بقاء الصائم جُنُباً عن عمد من مفطرات الصيام لأمرين اثنين: الأمر الأوّل: إنّ ا المقصود بـ«الليلة» في قوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ) هو بداية الليل إلى طلوع الفجر، إذا فالرفث جائز حتى الصباح ويكون الاغتسال في النهار، فيكون حال الصيام هنا كحال الصلاة، أي كما أن الغسل واجب للصلاة بعد طلوع الفجر كذلك يجب الغسل للصيام بعد طلوع الفجر وليس متعيّناً قبل ذلك.
الامر الثاني: بالإضافة إلى ما يفيده ظاهر الآية فإن هناك روايات اجازت تعمّد البقاء جُنُباً حتى طلوع الفجر، وسوف نناقش هذه الروايات في البحث الروائي.
ويتلخص مقتضى التحقيق في أنّ الغاية من قوله تعالى: (حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ) تتعلّق فقط بالجملة الأخيرة الخاصة بالأكل والشرب؛ لأنّ تعلق القيد بالجملة الأخيرة متيقن كما صرح بذلك بعض المختصين والباحثين في علم الأصول[4]، وبقرينة الروايات التي سنذكرها عند بحثنا موضوع الرفث فإن المقصود بالليلة في صدر الآية هو الليل كله إلى ما قبل طلوع الفجر ليتمكن الصائم من الاغتسال أو التيمم.
هذا، وتنقسم الروايات في هذا المجال إلى قسمين، حيث صرح بعضها بأنه إذا كان لا بد للشخص في شهر رمضان المبارك من أن يغتسل، لكنه لم يفعل حتى طلوع الفجر فإنّ صيامه صحيح ولا كفّارة عليه، فيما قالـت بعـض الـروايـات الأخرى بوجوب القضاء والكفّارة على الصائم المذكور، وسوف نتناول هذه الروايات ووجه الجمع بينها وبين الروايات السابقة في البحث الروائي.
[2] راجع: الجامع لأحكام القرآن: المجلد 1، 2 / 303.
[3] ومنهم المرحوم الشيخ الصدوق، إلا أنه لم يتأكد بعد من أنها فتواه هو. (راجع: المقنع: 189؛ جواهر الكلام: 16 / 237).
[4] راجع كنز العرفان 1 / 215؛ زبدة البيان: 173. قال المحقق الأردبيلي في زبدة البيان: «فقد ظهر لك من ذلك أنه على تقدير جعل (حَتَّىٰ) غاية للمباشرة أيضاً لا يدل على جواز الوطء إلى الفجر، فيدل على جواز وقوع الغسل نهاراً وصحة صوم المصبح جنباً، ومــا ذكــره في الكشاف بقوله: قالوا فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم شهر رمضان، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، كما قاله القاضي أيضاً غير ظاهر، ثُمّ إنّ الظاهر أنّ (حَتَّىٰ) غاية للشرب؛ لأنّ المذهب الحق الثابت في الأصول أن القيد المذكور بعد الجُمَل المتعدّدة للأخيرة فكأنه أشار إليه صاحب الكشاف بإسناد ما مر إلى الغير، كيف لا وهو خلاف مذهب الحنفي؟ وأمـا هنـا فـيمكن تعلقه بـ(كُلُوا) أيضاً، لأنه مع الشّرب كشيء واحد فكأنها جملة واحدة، أو نقول ليس بمتعلق إلا بالقرب، وكون الأكل مثله لدليل آخر من السنة والإجماع أو إجماع مركب، وكذا غاية الجماع، واشتراط الصوم بالغسل في الليل وعدمه يُفهم من موضع آخر. وأكثر الأصحاب على اشتراطه، وابن بابويه على عدمه، والأخبار مختلفة، والظاهر مذهب ابن بابويه للأصل والرواية الصحيحة الصريحة، بل ظاهر الآية حيث دلّت على جواز الرفث والمباشرة في جميع أجزاء الليل والشريعة السهلة وأولوية الجمع بين الأدلة بحمل ما يدل على الغسل ليلاً على الاستحباب، ولكن الاحتياط مع الجماعة، وتركنا ذكر الأخبار والبحث عنها خوفاً من التطويـل مـع أنها مبينة في موضعها. وأيضاً وجوب الإفطار بمعنى تحصيل مبطل للصوم ، ولو كان بقصد إبطاله في الليل، ويُحتمل كون الإتمام إشارة إلى وجوب استمراره إلى الليل حسب فلا يجب غيره.