

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
مصر من 1848م إلى 1863م (تغلغل النفوذ الأجنبي والقنصلي)
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 45 ــ 52
2026-03-24
37
شجع الأجانب على الوفود إلى مصر — بعد انقضاء فوضى العهد المملوكي — تأسيس الحكومة القوية التي استطاعت منذ استتباب الأمر لمحمد علي تأمين الأجانب على أرواحهم وأموالهم، واتباع سياسة الاكتفاء الذاتي في عهد محمد علي على أساس تصنيع البلاد حتى تستغني بمنتجاتها عن السلع المستوردة من الخارج فيتم لها الاستقلال الاقتصادي الذي هو ضروري لتحقيق استقلالها السياسي، وثمة سبب آخر هو أن محمد علي كان يستعين بالعملاء الأجانب لتصريف منتجاته في الأسواق الأوروبية، فبلغ عدد الأجانب في مصر في عام 1833م حوالي الخمسة آلاف. ولما كان نظام التمثيل القنصلي في هذا العصر لا يمنع القناصل من مزاولة التجارة. بل كان أصحاب البيوت التجارية الكبيرة هم الذين ينالون هذه المناصب في العادة، فقد عاون جماعة من هؤلاء القناصل الحكومة المصرية في نشاطها التجاري، وصاروا يقومون بأعمال الاستيراد، نذكر من بين الذين توطدت صلاتهم بمحمد علي: قنصل السويد «أنسطاسي» (Anastasi)، وقنصل اتحاد الهانسا — ويَتَأَلَّف من همبرج ولوبك وغيرهما من البلدان في ساحل ألمانيا الشمالي والراين — «زيزينيا» (Zizinia)، وهو يوناني الجنسية، وقنصل اليونان «باستريه» (Pastré)، وقنصل تسكانيا «روشتي» (Rossetti)، ولكن هؤلاء لم يكن لهم أي نفوذ قنصلَي، بمعنى أنهم كانوا لا يستطيعون الانتفاع «بالحقوق» التي اغتصبها زملاؤهم في ولايات الدولة العثمانية الأخرى بفضل سريان معاهدات الامتيازات الأجنبية بها. بل لقد بلغ من تصميم محمد علي على إخضاع الأجانب لسلطته، أنه أراد الاستئثار لنفسه بحق اعتماد تعيين القناصل متى وافق هو عليهم — وذلك عندما ساءت علاقته بالسلطان — وكان المتبع أن تأتي براءات اعتماد القناصل من السلطان صاحب السيادة الشرعية. ولكن الدول التي حرصت على بقاء الباشوية المصرية من أملاك الدولة العثمانية، لم تلبث أن حالت دون تنفيذ هذه الرغبة.
ولقد فقد الأجانب بتولية عباس الأول (1848م) التشجيع الذي كانوا يلقونه في عهد محمد علي. وزيادة على ذلك فقد عمد عباس إلى وقف نزوح هؤلاء إلى مصر، وكان مجيء الأجانب قد تزايد نتيجة لانتشار الانقلاب الصناعي في أوروبا واتجاه الدول إلى البحث عن مواطن جديدة للخامات أو أسواق لتصريف مصنوعاتها، ثم الاعتقاد بأن مصر موطن الذهب، والبلد الذي يستطيع الإنسان فيه الثراء بسرعة. ولما كان عباس — كما قدمنا — يخشى توطد النفوذ الفرنسي في مصر؛ فقد أخرج عددًا من الفرنسيين المشتغلين في المعامل والمصانع وأعادهم إلى بلادهم، وفي أوائل عهده (مارس 1849م) قدَّر القنصل الأمريكي «ماكولي» (McCauley) عدد الموظفين الأوروبيين الذين طردهم عباس بحوالي ستمائة كانوا — كما قال القنصل: «موالين لسلفه إبراهيم باشا ومن محبيه كثيرًا»، ولقد عَوَّل عباس على ترحيل عدد آخر من الروسيين واليونانيين، لولا توسط القنصل الأمريكي «إدوين دي ليون» سنة 1853م في صالح اليونانيين، فسمح عباس ببقاء المشتغلين منهم بالتجارة، على شرط أن يقدموا الضمان اللازم، فيحصلوا في نظير ذلك على «تذاكر للترخيص تُدَوَّن فيها أشكالهم وأسماؤهم منعًا للغش والتزوير»، ولم يغير شيئًا من موقف عباس إزاء الموظفين الأجانب، اتفاقه المعروف مع السير روبرت ستفنسون بشأن سكة الحديد، فقد رفض عباس استخدام مهندسين إنجليز لتشغيل الآلات وأصرَّ على أن يقوم بالعمل في هذه السكة الحديدية المصريون وحدهم.
وعلى ذلك فقد امتنع بسبب هذه السياسة «اللا أوروبية» وجود أي نفوذ أجنبي أو قنصلَي في مصر في عهد عباس الأول.
والجدير بالملاحظة هنا، أنه في خلال السنوات الثلاث عشرة — من وقت تسوية المسألة المصرية في 1840-1841م إلى نهاية عهد عباس الأول في يوليو 1854م — لم يظهر أثر لتغلغل النفوذ الأجنبي والقنصلي في مصر على غير المتوقع من وضع البلاد تحت ذلك النوع من الوصاية الدولية الذي أوجدته هذه التسوية، والذي أعطى الدول حقًّا دوليًّا في تقرير مستقبل أو مصير الباشوية المصرية نفسها. وكان من المتوقع بفضل ما تضمَّنته الفرمانات من وجوب سريان المعاهدات المبرمة أو التي تُبرم في المستقبل بين الباب العالي والدول، في الباشوية المصرية، كأحد أركان التسوية، وأهم هذه المعاهدات: معاهدات الامتيازات الأجنبية — كان من المتوقع أن يقوى نفوذ القناصل ويتغلغل النفوذ الأجنبي في مصر.
لقد استطاعت الدول — إنجلترا في عصر عباس، وفرنسا في عصر سعيد — فرض نفوذها السياسي في تحديد علاقات هذه الباشوية مع الباب العالي صاحب السيادة الشرعية عليها، وكان ذلك — كما عرفنا — على أساس إلزام الطرفين بالإبقاء على «الوضع» الذي أتت به تسوية 1840-1841م، فلم يستطع الباب العالي إلغاء امتيازات الفرمانات، ولم تستطع الباشوية المصرية الانفصال عن تركيا وإعلان استقلالها. ولكن هذا النفوذ السياسي، أو الوصاية السياسية، لم يفد شيئًا في تمكين «التمثيل القنصلي» من فرض تدخله في شئون الحكم الداخلي ونشاط البلاد الاقتصادي خصوصًا؛ وذلك حتى انقضاء عهد عباس للأسباب التي ذكرناها.
ولكن الحال لم يلبث أن تغير بعد ذلك، فبدأ بمجرد وفاة عباس ذلك الأثر الذي تحدثنا عنه كنتيجة مترتبة على وضع البلاد تحت الوصاية الدولية: ونعني به تغلغل النفوذ الأجنبي والقنصلي في مصر.
فقد اشتهر عن محمد سعيد (1854–1863م) حبه للأجانب وتساهله معهم، وانتظر هؤلاء كل خير على يديه؛ فعظُم نزوحهم إلى مصر في عهده، ولم يكونوا كلهم من خيار القوم. بل كانوا إجمالًا من المغامرين الذين أرادوا استغلال البلاد واستنزاف دمائها طلبًا للثراء السريع، واسترعى تدفقهم على البلاد ونشاطهم غير المشروع انتباه القنصل الفرنسي «ساباتيه» الذي كتب في 2 أكتوبر 1854م بعد مضيِّ حوالي ثلاثة أشهر فحسب من بداية الحكم الجديد: «لقد تدفق على البلاد من جميع أنحاء أوروبا بمجرد ذيوع الخبر عن وفاة عباس باشا جمهور كبير انقض على مصر كما لو كانت هذه «كاليفورنيا» جديدة». وقال «ساباتيه»: «إن هؤلاء كانوا من المغامرين الذين جاءوا للبحث عن الذهب، وقد جعلوا دأبهم تقديم المشروعات الخيالية والخطط الجنونية إلى سعيد باشا الذي لا يزال يضيع وقتًا ثمينًا في فحصها لطيبته ولرغبته في الإصلاح.»
ولم تكن هذه المشروعات الإصلاحية المزعومة إلا وسيلة للتحايل على الحكومة ومطالبتها بتعويضات مالية طائلة، بدعوى أن الحكومة بعد قبول هذه المشروعات قد تعمدت تعطيلها أو أخطأت في تنفيذها، إلى غير ذلك من الدعاوى والتلفيقات التي كان يساعد هؤلاء المغامرين عليها قناصلُ دولهم الذين كانوا يتَّجرون لحسابهم الخاص والذين شاركوهم في هذه التعويضات.
فلم يمضِ وقت طويل حتى وجد سعيد أن سيلًا من القضايا قد انهال عليه، وتتولى نظر هذه القضايا المحاكم القنصلية؛ لأن أصحاب القضايا من الأجانب، واتبعت هذه المحاكم خطة لا تحيد عنها هي الحكم دائمًا لمصلحة رعاياها المتخاصمين مع الحكومة، ولفائدة القناصل أنفسهم. وكان من بين ذوي السمعة السيئة في هذا الميدان: القنصل الأمريكي «إدوين دي ليون» الذي خرج بمغانم طائلة، والقنصل البلجيكي واتحاد الهانسا «زيزينيا»، وقنصل اليونان «باستريه»، والقنصل الفرنسي «ساباتيه»، والقنصل النمسوي «شراينر». ومن الأفراد العاديين: «برافاي» (Bravay) و«سكاكيني» (Sakakini) و«باولينو» (Paolino Dranhet Bey) — وهو يوناني الأصل وإن كان بولنديًّا — و«كستلاني» (Castellaniô) وهو نمسوي الجنسية، وقضية هذا الأخير مشهورة، تتلخص في أنه طالب وحصل من الحكومة المصرية على تعويض عن تلفٍ أصاب كميات من دود القز كان أحضرها من الصين لحساب بعض المصانع الإيطالية والفرنسية، فتلفت في أثناء نقلها عبر الأراضي المصرية إلى أوروبا، وقد أَيَّدَ هذه الدعوى القنصل النمسوي «شراينر».
وفي 12 أغسطس 1861م كتب القنصل الإنجليزي «كوهون» إلى حكومته «أن الادعاءات الهامة المقامة على الحكومة المصرية للمطالبة بتعويضات هي ادعاءات السادة «روشتي»، «برافاي»، «زيزينيا»، «جبارا» (Gibarra)، وحديثًا كستلاني. والأموال التي دُفعت لهؤلاء الأفراد كان من الممكن استخدامها في سداد ربع مقدار الديون التي على الباشا.»
وعلى ذلك فقد حاول سعيد أن يحدَّ من سلطان القناصل والمحاكم القنصلية ولا سيما في مسألة التعويضات، وأن يسترجع للحكومة هيبتها المفقودة؛ وذلك بإدخال نوع من الإصلاح القضائي، الذي يلائم على الأقل بين ما للباشوية من حقوق في السيادة الداخلية وبين «الحقوق» التي اغتصبها القناصل استنادًا على معاهدات الامتيازات الأجنبية والتي أخضعت الأجانب لسلطة هؤلاء القناصل وحدهم.
كانت أولى هذه المحاولات في عام 1857م عندما وصل سعيد إلى اتفاق مع القناصل في أغسطس وسبتمبر من هذا العام لتنظيم أحوال الأجانب؛ فاستصدر «لائحة عمومية فيما يخص ترتيب ضبط وربط الأهالي الأجنبيين بمملكة محروسة مصر القاهرة»، وأفصح سعيد عن غرضه من استصدار هذه اللائحة بأنه لم يكن الافتئات على «العهود نامات» (أي المعاهدات) التي قالت ديباجة اللائحة إنها «كانت رابطة وأساسًا لمعاملة الحكومة للأجانب» والتي «لم يزل العمل جاريًا بموجبها إلى الآن.»
ولكن لما كانت الحكومة قد عجزت في هذا التنظيم الجديد عن تجريد القناصل تمامًا من الحقوق التي أكسبهم إياها العرف؛ فقد صارت هذه المحاولة عديمة النفع، ولم تسترد الحكومة شيئًا من هيبتها أو سلطتها المفقودة، واتجه تفكير سعيد لإنشاء محاكم مختلطة في استطاعتها بحث القضايا الجنائية والمدنية «التجارية» على غرار ما حدث في تركيا.
ومما يجدر ذكره أن الباب العالي في عهد عباس كان — بإيعاز من إنجلترا — قد أصدر فرمانًا في مارس 1850م — وذلك قبل أن يتم التفاهم بين عباس والإنجليز الذي بدأ في فبراير 1851م — بإنشاء محكمتين مختلطتين جنائيتين إحداهما في القاهرة والأخرى في الإسكندرية، ورفض عباس العمل بهذا المشروع حرصًا منه على سلطانه الداخلي في الوقت الذي كان يناضل فيه لمنع تطبيق «التنظيمات العثمانية» ولمنع التدخل العثماني في شئون باشويته الداخلية.
وفي 20 يونيو 1860م عقد شريف باشا وزير الخارجية المصرية اجتماعًا في وزارته حضره قناصل الدول الخمس المشتركة في تسوية 1840-1841م، بسط فيه شريف الأسباب التي جعلت الحكومة تريد إنشاء محكمة مختلطة للنظر في ادعاءات التعويضات المجحفة. على أن تنظر ما قيمته 50000 ريال أو 10000 جنيه إنجليزي أو ما يزيد على ذلك. ولكن هذا المشروع في أيدي القناصل لم يلبث أن خرج عن الغرض الأساسي الذي قصده سعيد باشا منه؛ فقد وضع هؤلاء مشروعًا نهائيًّا لإنشاء محكمة مختلطة دولية في الإسكندرية، وعلى خلاف ما كان يريده سعيد، جعلوا استئناف الأحكام بمقتضى هذا المشروع النهائي لدى الباب العالي؛ لأن إنجلترا على وجه الخصوص، وهي التي احتضنت المشروع من البداية كانت تريد الاحتفاظ بسلطة الباب العالي صاحب السيادة الشرعية على مصر، فلم يَلْقَ هذا المشروع قبولًا لدى سعيد، في الوقت الذي كان يعمل فيه بجد للتحرر من تدخل الباب العالي في شئونه، بل ينشد الاستقلال والانفصال عن تركيا إذا استطاع ذلك، وكانت معارضة سعيد من أهم الأسباب لإخفاق هذا المشروع: أول مشروعات الإصلاح القضائي. ولو أن من أسباب الإخفاق كذلك معارضة القنصل الفرنسي «دي بوفال» (de Beauval) الذي أراد أن يكون استئناف الأحكام أمام محكمة الدولة التابع لها المدعي؛ أي في الخارج، فإذا كان فرنسيًّا يكون الاستئناف في باريس، وإذا كان ألمانيًّا ففي فينا. وهكذا، وكذلك كان على رأس المعارضين القنصل الأمريكي «إدوين دي ليون»، وقناصل الدول «الأقل أهمية»، وهم جميعًا الذين استفادوا أكبر فائدة مادية من بقاء نظام القضاء القنصلي على حاله، وخصوصًا «إدوين دي ليون» الذي كان يضع تحت حمايته أفرادًا من كل الجنسيات من إيطاليين وبولنديين … إلخ حتى من الأقباط في مصر. وأما الدعوى «الظاهرية» التي استند إليها «إدوين دي ليون» في معارضة المشروع فهي كما قال «إن المشروع يجعل حق تعيين قضاة المحكمة المنتظر إنشاؤها مقصورًا على الدول الخمس الكبرى التي اشتركت في تسوية 1840-1841م، مما سوف يؤدي إلى بسط حماية هذه الدول الخمس على مصر.»
•••
وكان إخفاق سعيد في مقاومة أصحاب الادعاءات في التعويضات الجسيمة على الحكومة المصرية، من الأجانب الجشعين، أحد العوامل التي أدت إلى استحكام الأزمة المالية، وهي التي كانت قد بدأت تتجمع أسبابها من مدة سابقة.
فقد ذكر القنصل الإنجليزي «كوهون» الشيء الكثير عن أسباب هذه الأزمة المالية في تقرير مسهب إلى حكومته في 21 فبراير 1860م جاء فيه: «إن النظام المالي الذي اتبعه سعيد باشا من مدة سابقة قد بدأ الآن يكشف عن آثاره السيئة؛ إذ لا توجد خزانة — مهما كانت الأموال مكدسة بها — تستطيع مواجهة سيل الطلبات الذي أخذ ينهال عليها كما هو حاصل من مدة قريبة على الخزانة المصرية»، وأما أسباب هذه «الطلبات» فقد ذكر منها «كوهون»: ولع سعيد بالعسكرية، وحبه للمنشآت العسكرية مثل التحصينات المقامة عند القناطر الخيرية، ومشترياته من الأراضي الواسعة والقصور التي يدفع ثمنها في صورة مستندات «أذونات» على الخزانة بآجال تروح بين 18 و24 و36 شهرًا؛ وتداول هذه السندات في السوق عندما صارت الحكومة تدفع بها أثمان مشترياتها من التجار: بضائع، مؤن، مهمات عسكرية، عربات سكة حديد؛ الأمر الذي رفع سعر الخصم بنسبة 17٪ و18٪ من قيمة السندات، وقَدَّرَ «كوهون» قيمة ما صدر من هذه السندات بمبلغ يروح بين 3 و3٫5 مليون جنيه إنجليزي.
وفي رسالة أخرى بتاريخ 3 مايو 1860م قال «كوهون»:
إن من أسباب الارتباك المالي إغداق سعيد على صنائعه أمثال «برافاي» وغيره بالأموال الطائلة.
ويؤخذ من رسالتي «كوهون» (في 21 فبراير و3 مايو 1860م) أن الحكومة لم تعد قادرة على دفع مرتبات موظفيها، فتأخرت مرتبات الموظفين كبارهم وصغارهم على السواء ومن عسكريين وملكيين مدة تروح بين 12 و18 شهرًا. وكان من الوسائل التي حاولت بها الحكومة التوفير في المصروفات أن طردت عددًا كبيرًا من الشرطة والقوَّاسين؛ فطردت في القاهرة وحدها حوالي ثلثي رجال البوليس — مما أدى إلى زيادة السرقات. وكان القوَّاسون المطرودون هم الذين ينهبون ويسرقون.
ولكي يخرج سعيد من مأزقه عقد قرضه الخارجي الأول في باريس على يد صنيعته «باولينو بك» في 17 يوليو 1860م، وقيمته 28 مليون فرنك، وتُسدد أقساطه كل ثلاثة أشهر ابتداءً من 30 سبتمبر 1861م لغاية 30 يونيو 1865م.
ولم يكن منتظرًا إمكان تسديد هذا القرض؛ لأن سعيدًا عقد اتفاقًا ماليًّا مع فردنند دلسبس في 6 أغسطس 1860م تعهد فيه بسداد ديونه لشركة قناة السويس ابتداء من عام 1863م؛ ولأنه دفع في سبتمبر 1860م تعويضًا «لزيزينيا» (عن وعود كان محمد علي قد وعده بها ثم ألغاها (!)) ثم دفع 500000 فرنك لابن أخيه مصطفى باشا، 1250000 فرنك لأخته نازلي هانم «المتوفاة سنة 1860م» ثمن عمارة كبيرة، وعند اقتراب موعد القسط الأول كتب «كوهون» في 10 مايو 1861م: «إن مالية الحكومة المصرية في شدة الارتباك، وبنفس ما كان عليه الحال سابقًا؛ وإن سعيدًا وقد قرب موعد القسط الأول من القرض الفرنسي، قد أرسل وكيله «باولينو بك» إلى باريس للاتفاق مع أصحاب القرض على تأجيل الدفع سنة أخرى.»
وأما سعيد فقد عقد قرضه الثاني مع بيت «فرولنج جوشت» (Fruhling Goschen) الإنجليزي الألماني بلندن في 18 مارس 1862م، وقيمته الاسمية 3293000 جنيه إنجليزي والحقيقية 2400000 جنيه إنجليزي. وفي 5 يناير 1863م أي قبل وفاة سعيد بحوالي أسبوعين (وكانت وفاته في 18 يناير 1863م) بعث القنصل النمسوي «شراينر» إلى حكومته بتقرير طويل، كان مما تناوله فيه مسألة ديون سعيد من سائرة وثابتة، فقَدَّرَهَا بسبعة ملايين وأربعمائة ألف جنيه إنجليزي.
•••
تلك إذن كانت آثار تسوية 1840-1841م على توجيه السياسة المصرية في شطر الوادي الشمالي «مصر» خلال ربع قرن تقريبًا؛ أصحاب الحكم في مصر يبذلون قصارى جهدهم للمحافظة على «الوضع» الذي نالته البلاد بمقتضى «التسوية»، وذلك بمنع الباب العالي من إلغاء امتيازات الفرمانات المعطاة إلى أسرة محمد علي: أي بقاء الباشوية الوراثية، والاستئثار الكامل بشئون الحكم الداخلية، أو الاستقلال الداخلي؛ ثم يعملون على تقوية مسند الباشوية؛ إما بتعديل نظام الوراثة بجعل الوراثة صُلبية، وتوسيع دائرة الاستقلال الداخلي، داخل نطاق الإمبراطورية العثمانية؛ وإما بالانفصال عن الدولة وإعلان الاستقلال.
ولم يكن في وسع الولاة — في كلا الحالين — تحقيق هذه الغاية إلا بالاعتماد على مؤازرة إحدى الدول الأجنبية التي اشتركت في وضع تسوية 1840-1841م للمسألة المصرية، وهي التسوية التي ذكرنا أنها فرضت نوعًا من «الوصاية الدولية» على مصر جعل مصير الباشوية مرتهنًا بإرادة الدول في الحقيقة.
ولقد تمكن الولاة في نهاية هذا الشوط من الاحتفاظ بالوضع القائم؛ وكان هذا «كسبًا» لا شك فيه، ولكنه كان من ناحيةٍ أخرى «كسبًا» محدودًا، وذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الولاة قد أخفقوا في تحقيق استقلال البلاد من جهة، وساعدوا من جهة ثانية باعتمادهم على مساعدة الدول لهم على دخول وتغلغل النفوذ الأجنبي والقنصلي في مصر، وتعريض البلاد للاستغلال الشنيع على أيدي المغامرين والأفاقين الأجانب؛ وكان ذلك في حد ذاته شرًّا لا سبيل لاتقائه كأثر من آثار «الوصاية الدولية» التي أوجدتها تسوية 1840-1841م؛ والتي زادت قوة على قوتها في أثناء هذه الفترة.
على أن نتائج هذه التسوية الشاذة والضعيفة لم تظهر فيما جرى من توجيه السياسة المصرية تلك الوجهات المعينة التي عرفناها في مصر وحدها فحسب. بل كان لهذه التسوية نتائج لا تقلُّ في خطورتها عن هذه، لم تلبث أن ظهرت فيما جرى من توجيه لنشاط السياسة المصرية وجهات معينة في السودان كذلك.
الاكثر قراءة في الاحتلال العثماني للوطن العربي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)