

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
مصر من 1848م إلى 1863م (أزمة التنظيمات العثمانية)
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسيادة على السودان الوضع التاريخي للمسألة
الجزء والصفحة:
ص 26 ــ 33
2026-03-23
34
والتنظيمات العثمانية هي مجموعة القوانين والأنظمة التي سُنَّت أو صدرت مستندة على القواعد التي تقررت في خط شريف كلخانة الصادر في 3 نوفمبر 1839م. وكان من هذه القوانين والتنظيمات: أوَّلًا: ما تعلق بإعطاء الضمانات لتأمين الشعوب الخاضعة للإمبراطورية مهما اختلفت أجناسهم ودياناتهم، على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، وتنظيم فرض الضرائب وجبايتها، وتنظيم التجنيد وتحديد مدة الخدمة العسكرية، ثانيًا: ما تعلق بالأنظمة الإدارية على أساس تدعيم السلطة المركزية في القسطنطينية، وتوثيق الإشراف المركزي من عاصمة الإمبراطورية على إدارة الأقاليم والولايات بحرمان الولاة أو الباشوات كل سلطة لهم، عن طريق توزيع السلطات المحلية في الأقاليم أو الولايات بين الحاكم العسكري و«المال مدير» أو المحصل أو الدفتردار، والمجالس الإقليمية في المقاطعات — نقلًا عن الأنظمة الأوروبية — لإشراك أعيان الأقاليم في إدارة الشئون العامة؛ ثم حرمان الباشا أو الوالي حق القصاص؛ أي حرمانه من إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها دون الرجوع إلى القسطنطينية للحصول على تصديقها.
هذه «التنظيمات» أبلغها الباب العالي إلى محمد علي منذ 6 ديسمبر 1839م. ولكن هذا الأخير صار ينتحل بنجاح مختلف المعاذير لعدم تطبيقها في باشويته، ومنذ مايو 1841م اعترف الباب العالي بأن من حق محمد علي مراعاة ظروف البلاد المحلية وحالة السكان عند تطبيق التنظيمات العثمانية، فكان ذلك تسليمًا في واقع الأمر من جانب الباب العالي بعدم تطبيق التنظيمات في مصر، لا سيما أن الباب العالي لم يلبث أن اعترف كذلك بحرية محمد علي في فرض الضرائب وجبايتها وإدارة شئون ولايته المالية دون حاجة لخدمات الدفتر دارين أو المحاسبين الذين يستمدون سلطتهم مباشرة من الآستانة. وهكذا ظل محمد علي صاحب السلطة التامة في شئون باشويته الداخلية، وفي عهد إبراهيم (إبريل–نوفمبر 1848م) لم تُثَر مسألة التنظيمات العثمانية.
ولكن عندما تولى عباس الأول، كانت قد بدأت تظهر آثار التسوية التي وُضعت للمسألة المصرية في 1840-1841م؛ من حيث ابتداء تغلغل النفوذ الأجنبي في البلاد نتيجة لتلك «الوصاية» الدولية التي أتت بها التسوية، على نحو ما سبق ذكره. ثم إنه بعد هذه «التسوية» بدأ التنافس يحتدم بين إنجلترا وفرنسا على الاستئثار بالنفوذ الأعلى في مصر، وكانت فرنسا في السنوات الأخيرة من حكم محمد علي قد صارت صاحبة نفوذ كبير في مصر، لا يسوغه ذلك الدور الذي اتسم بالتردد والخذلان الذي لعبته في الأزمة المصرية العثمانية (1840م) وهو الدور الذي كان عباس الأول لا يزال يذكره جيدًا.
ولقد خشي عباس إذا استمر النفوذ الفرنسي يتزايد على أيدي أولئك الذين درسوا في فرنسا وتأثروا بمساعي فرنسا التي تعمل لكسب ودهم، وكان يتزعم هؤلاء عمه محمد سعيد؛ خشي عباس أن تتدهور الباشوية المصرية إلى مجرد بلاد خاضعة «للحماية» الفرنسية، تعمل على مكافحة النفوذ الفرنسي، ولم تجهل فرنسا حقيقة ميوله نحوها وكراهيته لها، فراحت من جهتها تكيد له وتتربص به الدوائر، وسنحت لها الفرصة عندما اشتد النزاع بين عباس وسائر أعضاء الأسرة بسبب اختلافهم على تقسيم تركة محمد علي، وتآمر هؤلاء ضده خصوصًا نازلي هانم (من بنات محمد علي) مع رجال الديوان العثماني لإقصائه عن الولاية، وشوَّه أعداؤه سمعته في تركيا، فاتهموه بالإسراف والاستبداد وقلة الدربة والعجز عن إدارة شئون الحكم؛ وروَّجت فرنسا هذه الاتهامات ضده في القسطنطينية وفي العواصم الأوروبية، وصارت تؤيد مساعي أعدائه لدى الباب العالي الذي اتخذ من هذه الاتهامات مبررًا لتنفيذ تلك السياسة التي لم يستطع تنفيذها أيام محمد علي وإبراهيم، والتي هدفت إلى إلغاء الامتيازات التي تمتعت بها مصر بفضل الفرمانات الصادرة في عام 1841م باعتبار أن تشويه الحكم والإساءة إلى سمعة الحكام، في مصر يؤديان إلى ثبوت الاتهام على الباشوية المصرية بالضعف والعجز، فلا يبقى هناك مبرر لاستمرار تمتع هذه الباشوية بالامتيازات التي أعطيتها، بل يجب تجريدها من هذه الامتيازات وإرجاعها إلى حظيرة الدولة ولاية عادية حتى تستقيم أحوالها، ولم تكن أغراض الباب العالي هذه سرًّا خافيًا، فقد قال الواقفون على بواطن الأمور في اليوم نفسه الذي قُرِئَ فيه فرمان تولية عباس باشا بالقلعة في 19 فبراير 1849م:
يبدو محققًا أن الباب العالي يريد أن ينتقص من نواحٍ متعددة السلطات المستقلة التي كان يمارسها محمد علي، وأن يضع مصر تحت إشرافه المباشر بأكثر مِمَّا كان عليه الحال في السنوات الطويلة الماضية.
وأما وسيلة الباب العالي إلى ذلك فكانت مطالبة عباس بتطبيق التنظيمات العثمانية في ولايته. بل إن الباب العالي عندما اشتدت المكايد ضد عباس في الآستانة وتزايد نفور الباب العالي منه، قرر إخراجه من الحكم نهائيًّا عند سنوح أول فرصة، وكان محمد سعيد — متزعم الجماعة الفرنسية، والذي آزرته فرنسا — هو المرشح للولاية بعد عزله.
وعلى ذلك طلب الباب العالي من عباس في مارس 1850م إدخال التنظيمات العثمانية لتطبيقها بحذافيرها في مصر، وإعطاء الضمانات الكافية لحماية الأرواح والأعراض والأموال بإقامة الإدارة العادلة في البلاد، وإنزال القوات البرية المصرية إلى الحد الذي نصَّت عليه الفرمانات (أي ثمانية عشر ألفًا)؛ وهذا عدا مطالب أخرى بشأن إزالة القيود التي فرضها عباس على أعضاء الأسرة من أعدائه الذين منعهم من الذهاب إلى «دار الخلافة» أي تركيا.
ولم يلبث عباس أن عارض بشدة في تطبيق «التنظيمات» بحذافيرها دون تعديل، واستند في معارضته هذه على أساسين جوهريين؛ أولهما: أن تطبيق التنظيمات بالصورة المطلوبة متعارض مع الحقوق التي هي من أركان الحكومة الوراثية كما رسمها فرمان فبراير 1841م، وكما ضمنتها الدول بموافقتها عليها، فمن حق الوالي بفضل الفرمانات أن يمارس السلطة الداخلية في شئون ولايته كاملة غير منقوصة، وأما إذا طُبقت التنظيمات كما هي في مصر فإنها سوف تطغى على كل حقوقه في الإدارة الداخلية؛ بإخضاع كل شئون القضاء والإدارة والمال رأسًا للديوان العثماني بالقسطنطينية؛ الأمر الذي يترتب عليه خفض مركز الوالي في مصر إلى مستوى الباشوات العاديين في الروملي أو الشام وغير ذلك من الولايات أو المقاطعات العادية في الدولة، وذلك مناقض لما تقرر في الفرمانات التي أعطت مؤسس البيت الحاكم في مصر حق الولاية بموافقة الدول الأوروبية.
وثانيهما: أن تطبيق التنظيمات العثمانية على علاتها في مصر لا يتفق إطلاقًا مع ظروف هذا القطر وأحواله وحاجاته، من ذلك ما نصت عليه التنظيمات بشأن عدم توقيع عقوبة «الإعدام» على القتلة والثائرين من غير أن يجيز ذلك فرمان يصدر من الحضرة الشاهانية، فكان من رأي عباس، وأَيَّده في هذا القنصل الإنجليزي «شارلس مري» (Charles Murray) أنه في بحر ستة شهور من نشر مثل هذا القانون في مصر لن يفقد (فحسب) المسيحيون كل أمن على أموالهم وأرواحهم بل إن القطر بأجمعه كذلك سوف يرتمي في أحضان الفوضى والثورة، ثم كان من رأي عباس أن الأعراب في الصحراء والفلاحين بالصعيد والأهلين في النوبة وسنار لا يأبهون للأوامر التي يصدرها الباب العالي، وهو الذي يبعد بعدًا شاسعًا عنهم، ولا يخشون بأسه وسطوته، ولكنهم يخشون الحكومة التي تقتص منهم في التو والساعة إذا حصل ما يوجب الاقتصاص منهم؛ فصار الأمن مستتبًّا واطمأن الناس على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم بخلاف الحال في ولايات الدولة العثمانية الأخرى.
ومن المسائل التي أثارها عباس للتدليل على عدم ملاءمة التنظيمات: مسألة «القصاص» ذاتها، فالشريعة الإسلامية تجيز لولي الدم (أي أقرباء المقتول وورثته) قبول الدية (ثمن الدم) من القاتل، فلا يُعدم هذا إذا دفعها هو وقبلها هؤلاء، فأرادت التنظيمات الآن أن يكون للحكومة حق القصاص من القاتل حتى بعد تقديمه الدية (أي دفع ثمن الدم) وقبول «ولي الدم» لها؛ أي بعد صفح هذا عنه، وذلك بمحاكمته ثم معاقبته بالحبس (بعد ثبوت الجرم عليه) بالأشغال الشاقة من سنة إلى خمس سنوات؛ وذلك بدلًا من الإعدام مِمَّا من شأنه ( كما قال عباس) إثارة شعور الأهلين المسلمين الذين يحرمهم هذا التشريع حقوقهم.
ولما كان تطبيق التنظيمات العثمانية قد أخفق في أكثر ولايات الدولة (إن لم تكن في جميعها) في تأمين الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، فقد ساد الاعتقاد في مصر بأن ليس الغرض من المطالبة بتطبيقها في هذه البلاد سوى تحقير عباس وإهانته، يدفع الباب العالي إلى ذلك تأثره — كما اعتقد عباس — بالمكايد التي كان يدبرها له أعداؤه في القسطنطينية لإضعاف سلطته.
والحقيقة أن إدخال التنظيمات العثمانية في مصر والإصرار على تنفيذها برمتها وعلى علاتها كان معناه إلغاء الباشوية الوراثية، كآخر خطوات هذا التدخل من جانب الباب العالي، وكما جاءت هذه الباشوية الوراثية في فرمانات الولاية.
في هذه الظروف إذن قرر عباس الاستعانة بالنفوذ الأجنبي. ولما كان متعذرًا على عباس للأسباب التي عرفناها أن يتجه صوب فرنسا لمساعدته، فقد ولى وجهه شطر إنجلترا. ومما يجب ذكره أن علاقات عباس بهذه الدولة لم تكن طيبة عند بداية حكمه، فهو يكره كل نفوذ أجنبي سواء كان فرنسيًّا أم إنجليزيًّا. ثم إنه قد رفض منذ ديسمبر 1848م إنشاء سكة حديدية بين السويس والإسكندرية أراد الإنجليز إنشاءها لتسهيل تجارتهم وبريدهم مع الهند عبر الطريق البري؛ لأن عباسًا كان يخشى انتشار النفوذ الإنجليزي. ثم إنه عندما شاهد القنصل الإنجليزي «مري» يسعى لجذب البدو إليه في شبه جزيرة سيناء لأغراض قد تكون متصلة برغبة الإنجليز في تأمين مواصلاتهم البرية، بادر عباس في عام 1850م بإنشاء مركز حربي في «الطور»؛ ليحول دون تأسيسهم مراكز أو مناطق نفوذ في تلك الجهات يهددون منها حدود مصر الشرقية. ولذلك لم يكن الإنجليز متحمسين لمصلحته بتاتًا عندما ثار النزاع بينه وبين الباب العالي وقويت المكايد ضده في الآستانة. بل كان «السير ستراتفورد كانينج» (Stratford Canning) السفير الإنجليزي لدى الباب العالي يكره عباسًا كراهية شديدة. ومن المشكوك فيه كثيرًا أن هذه الكراهية قد زالت أو انكسرت حدتها في أثناء التعاون المصري البريطاني في القسطنطينية بعد ذلك.
زد على ذلك أن الإنجليز قد اتبعوا في علاقاتهم مع مصر وتركيا خطة التزام حرفية الفرمانات لاتفاق ذلك مع مصالحهم السياسية، وقد جعلتهم هذه الخطة لا يرتاحون إلى سعايات ومكايد أعداء عباس ضده في القسطنطينية ولا يوافقون على أي تدبير يرمي إلى عزله من الباشوية؛ لأنه لم يكن من مصلحتهم أن يتدخل الباب العالي في شئون الباشوية المصرية بالصورة التي تمكنه من استرداد نفوذه كاملًا في الباشوية، فينهدم بذلك أحد أركان التسوية التي وُضعت للمسألة المصرية، وهو إخراج الباشوية المصرية من تدخل الباب العالي والسيطرة الفعلية العثمانية؛ ولأنه لم يكن من مصلحتهم أن ينفسح المجال أمام فرنسا منافستهم القوية للاستئثار بالنفوذ الأعلى في مصر على يد محمد سعيد بعد عزل عباس، فيصبح النفوذ الفرنسي خطرًا يتهدد مصالح الإنجليز الذين يعنيهم قبل أي اعتبار آخر بقاء الطريق البري: السويس-القاهرة-الإسكندرية مفتوحًا لمواصلاتهم الإمبراطورية مع الهند.
ولكن هذه الخطة نفسها (التزام حرفية الفرمانات) قد جعلتهم من ناحيةٍ أخرى، على نحو ما قال «بالمرستون» نفسه في رسالته إلى القنصل الإنجليزي في مصر «شارلس مري» في 20 فبراير 1851م:
لا يريدون، بل إنهم ليمتنعون عن تأييد عباس في معارضة تطبيق التنظيمات العثمانية في مصر.
وذلك على اعتبار أن تطبيقها ينطوي على إصلاحات مفيدة لإنشاء الحكومة العادلة الطيبة في مصر. ثم إنه لا يتعارض مع مبدأ الحكم الوراثي الذي استند عليه مسند الباشوية؛ ولأنه لم يكن منتظرًا إجراء أي تعديل في الأوضاع القائمة من غير موافقة الدول، ولأن عباسًا كان معاكسًا — بموقفه من السكة الحديد التي أراد الإنجليز إنشاءها — مصالح هؤلاء، ولم يكن، كما أسلفنا، على علاقات طيبة معهم، بينما هم على خلاف ذلك؛ كانوا أصحاب حظوة لدى الباب العالي بفضل السمعة والنفوذ الكبيرين اللذين تمتع بهما سفيرهم في الآستانة وقتئذٍ السير «ستراتفورد كانينج» لدى دوائر الباب العالي.
ولكن عباسًا عندما صمم على الاستعانة بالنفوذ الإنجليزي لاجتياز الأزمة، كان يدرك تمامًا حقيقة الموقف؛ الأمر الذي جعله مستعدًّا لدفع الثمن الذي يرضاه الإنجليز لخدماتهم؛ وهذا الثمن هو موافقته على مد السكة الحديد في الطريق البري من الإسكندرية إلى السويس، ومنذ 16 فبراير 1851م استطاع عباس الاتفاق مع «شارلس مري» على أصول قواعد الاتفاق بينه وبين الحكومة البريطانية: أن تتدخل إنجلترا لدى الباب العالي للمحافظة على حقوق عباس كما جاءت في فرمانات الوراثة، وأن يتفاوض عباس مع المهندس الإنجليزي «السير روبرت استفنسون» (Sir Robert Stephenson) لمد الخط الحديدي؛ وأن يعمل عباس على تشجيع التجارة البريطانية وتأمين المواصلات مع الهند.
وفي 7 مارس 1851م بعث «بالمرستون» بتعليماته إلى «مري»: «كي يؤكد لعباس باشا استجابة الحكومة الإنجليزية لرغائبه»؛ ولتبليغه «أنها قد أصدرت تعليماتها إلى سفيرها بالقسطنطينية ليقدم كل مساعدة في استطاعته لعباس لدى الباب العالي.»
وكان من العوامل التي جعلت الحكومة الإنجليزية تبادر بالموافقة على التفاهم والاتفاق مع عباس، أن هذا الأخير كان قد أطلع «شارلس مري» على عرض تقدمت به فرنسا إليه منذ يناير 1851م فحواه أن تتعهد فرنسا بمساعدته في القسطنطينية في مسألة التنظيمات العثمانية على قاعدة الاحتفاظ «بمبادئ الفرمانات وبقدر الاستقلال الذي أعطته الفرمانات إلى عباس في الإدارة الداخلية» في نظير أن تطمئن هي إلى صداقة عباس لها وارتمائه في أحضانها.
وهذا الاتفاق الذي تم التفاهم عليه بين عباس وإنجلترا حدث في وقت مناسب؛ لأن العلاقات بين الباب العالي وعباس كانت قد زادت توترًا بسبب أزمة التنظيمات لدرجة أن صارت تركيا تسعى جديًّا لعزله، فكان من كلام «بتراكي» (Petraki) قنصل إسبانيا العام بالإسكندرية، والذي عهد إليه عباس في بذل المساعي لدى الحكومتين النمساوية في فينا والبروسية في برلين؛ لتوضيح الموقف لهما أو بالأحرى إقناعهما بتأييد قضيته؛ كان من كلامه: «من الواضح أن خطة رشيد باشا «الوزير العثماني» وأرتين الوزير المصري — وكان قد هرب من مصر إلى الآستانة — ترمي إلى إثارة الاضطرابات الخطيرة في مصر حتى يتسنَّى بفضل ذلك لا عزل عباس باشا فحسب، بل حرمان كل أسرة محمد علي «من الولاية»؛ فيصبح متيسرًا عندئذٍ وضع أحد صنائع الوزير العثماني في حكومة مصر؛ الأمر الذي يمكن بواسطته استخدام مورد جديد «مصر» لإصلاح الحالة التعيسة السائدة في مالية الإمبراطورية العثمانية.»
ومن ناحيةٍ أخرى فإن الباب العالي كان يلقى تأييدًا له في موقفه لا من جانب فرنسا وحدها فقط — وقد سبق ذكر أسباب عدائها لعباس — بل من جانب روسيا والنمسا، وهما اللتان قال القنصل الأمريكي في مصر «ماكولي» (McCauley) في 13 أغسطس 1851م يفسر مسلكهما: كانتا مدفوعتين في هذه السياسة «بعامل الحسد من النفوذ الذي تمتعت به إنجلترا في مصر وصارت تخدم به مصالحها المرتبطة بإمبراطوريتها في الهند.»
ولكن كان من المنتظر إذا انضمت إنجلترا إلى عباس في كفاحه السياسي في القسطنطينية، أن تبذل هذه الدولة قصارى جهدها لجذب الدول المعارضة إلى صف عباس، أو تسعى لتخفيف وطأة المعارضة ضده في دوائر الباب العالي، بفضل ما كان لسفيرها «ستراتفورد كانينج» من سمعة ونفوذ في القسطنطينية.
وبالفعل لم تلبث أن خفت حدة المعارضة ضد عباس بسبب الدبلوماسية النشيطة التي اتبعتها الحكومة الإنجليزية في سان بطرسبرج «روسيا» وبرلين «بروسيا» والقسطنطينية. ثم إن انقلابًا لم يلبث أن حدث في فرنسا ذاتها، في ديسمبر 1851م، مهد لإنشاء إمبراطورية نابليون الثالث (الإمبراطورية الثانية) وكانت سياستها التفاهم مع إنجلترا، مما ترتب عليه أن زال كل تفكير لدى الباب العالي في خلع عباس وإقصائه عن الولاية، وزال كل خطر يتهدد الباشوية الوراثية نفسها؛ وما لبثت المفاوضات أن بدأت بين الباب العالي وعباس لتصفية المسائل المختلف عليها بينهما.
وانتهت أزمة التنظيمات بالاتفاق نهائيًّا بين الطرفين في 16 و17 أبريل 1852م؛ وفي 23 أغسطس 1852م قرئ رسميًّا فرمان السلطان في القاهرة؛ وهو يتضمن ما انتهى إليه الاتفاق بشأن تطبيق التنظيمات العثمانية في مصر، فترك لعباس حق القصاص (إصدار أحكام الإعدام) من غير موافقة الباب العالي مقدمًا على نصوص الأحكام الصادرة به. على أن يُكْتَفَى بإرسال إعلام شرعي بهذه الأحكام ومحاضرها — بعد نفاذ الأحكام — إلى الآستانة، وقبِل الباب العالي أن يظل «القصاص» من حق عباس «مؤقتًا» لمدة سبع سنوات، وأما فيما يتعلق بإشراف الباب العالي المباشر على شئون الإدارة فإن شيئًا من ذلك لم يتحقق، وظل عباس محتفظًا بكل سلطاته الداخلية كاملة حسب ما جاء في فرمانات الولاية.
وأما إنجلترا فقد حصلت على ثمن وساطتها عندما صدر في أكتوبر 1851م فرمان من الباب العالي بالموافقة على إنشاء السكة الحديدية، وكان عباس قد بادر منذ 18 يوليو 1851م بإبرام عقد مع «السير روبرت ستفنسون» لإنشاء سكة حديدية بين الإسكندرية والقاهرة، فعل ذلك سرًّا ودون أن ينتظر تصريحًا من الباب العالي، بل على الرغم من تحذير هذا الأخير له ضد هذا العمل، فثارت ثائرة الباب العالي واعترض بشدة على هذه الخطوة في مذكرة جافة اللهجة إلى عباس في 4 سبتمبر 1851م، وراح الباب العالي يتهم عباسًا بأنه يريد التخلص من السيادة العثمانية والانفصال عن الدولة وإعلان استقلاله، ولكن تدخل الحكومة الإنجليزية لم يلبث أن أسفر عن إيجاد حل لهذه المشكلة، وذلك على أساس أن يحصل عباس أوَّلًا على إذن (أو تصريح) من الباب العالي، وصدر هذا الإذن في صورة فرمان في أكتوبر 1851م كان يتضمن كذلك الشروط التي رآها السلطان ضرورية لإنشاء السكة الحديدية، وفحواها: ألَّا يُعهد بإنشاء السكة الحديدية إلى شركات، وأَلَّا يُسخر الأهالي في بنائها، وأَلا تُفرض ضرائب جديدة أو تُعقد قروض أجنبية بسببها، وأن يخصص للإنفاق عليها فائض الإيرادات فحسب بعد تأدية الجزية ودفع نفقات الإدارة الداخلية العادية، وفي عهد عباس تم إنشاء الخط الحديدي من الإسكندرية إلى كفر الزيات (1854م).
الاكثر قراءة في الاحتلال العثماني للوطن العربي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)