الميل العظيم هو اتباع الشهوات
قال تعالى : {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا } [النساء : 27].
قال الشيخ الطوسي : معنى الآية الإخبار من اللّه تعالى أنه يريد من المواجهين بها ، أن يتوب عليهم ، بمعنى أن يقبل توبتهم ، عما سلف من آثامهم ، ويتجاوز عما كان منهم في الجاهلية ، من استحلالهم ما هو حرام عليهم من حلائل الآباء والأبناء ، وغير ذلك مما كانوا يستحلونه ، وهو حرام عليهم. إن قيل : لم كرر قوله : { وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } ؟ مع ما تقدم من قوله : { يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } قلنا عنه جوابان :
أحدهما - أنه لما في الأول ، وتقديره : يريد اللّه ليتوب عليكم أنى في الثاني ب ( أن ) ليزول الإبهام أنه يريد ليتوب ، ولا يريد « 1 » أن يتوب علينا.
والآخر - أن يبين أن إرادته منا خلاف إرادة أصحاب الأهواء لنا ، لنكون على بصيرة من أمرنا ، وجاء الثاني على التقابل ، بأن اللّه يريد شيئا ويريدون خلافه.
والمعنى : بقوله : { وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ } قيل فيه أربعة أقوال :
1 - قال ابن زيد : كل مبطل ، لأنه يتبع شهوة نفسه في باطله.
2 - قال مجاهد : يعني به : الزناة.
3 - قال السدي : هم اليهود والنصارى.
4 - اليهود خاصة ، لأنهم يحلون نكاح الأخت من الأب ، والأول أقوى ، لأنه أعم فائدة ، وأوفق لظاهر اللفظ. وقوله : « أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً »
معناه أن تعدلوا عن الاستقامة بالاستكثار من المعصية ، وذلك أن الاستقامة هي المؤدية إلى الثواب ، والفوز بالسلامة من العقاب ، وأما الميل عن الاستقامة فيؤدي إلى الهلاك واستحقاق العقاب. فإن قيل : ما معنى إرادتهم الميل بهم ؟ قيل قد يكون ذلك لعداوتهم ، وقد يكون لتمام الأنس بهم في المعصية ، فبين اللّه أن إرادته لهم خلاف إرادتهم منهم ، وليس في الآية ما يدل على أنه لا يجوز اتباع داعي الشهوة في شيء البتة ، لأنه لا خلاف أن اتباع الشهوة فيما أباحه اللّه تعالى جائز ، وإنما المحظور من ذلك ما يدعو إلى ما حرمه ، لكن لا يطلق على صاحبه بأنه متبع للشهوة ، لأن إطلاقه يفيد اتباع الشهوة فيما حرم عليه « 2 ».
_________________
( 1 ) في المخطوطة ( ولأنه يريد ) بدل ( ولا يريد ).
( 2 ) التبيان : ج 3 ، ص 175.