
في قرية صغيرة، بين بيوت الطين والنخل، عاش رسول.
كان شابًا طيّب القلب، معروفًا بابتسامته كأنها صباح هادئ بعد ليلة مطر.
كان له صديق اسمه سالم، لم يكن أخًا له من دم، لكنهما كانا كالأخوين في كل شيء. يأكلان من نفس الطبق، يتقاسمان الحزن والضحك، ويعرف كلٌّ منهما ما يفكر فيه الآخر قبل أن ينطق به.
وذات يوم، تغيّر كل شيء.
لم يعد رسول يتحدث بطلاقة أمام سالم. صار ينتقي كلماته، يتحاشى المزاح الذي كان يملأ أيامهما، ويبتسم ابتسامةً مُفتَعلةً لا تشبهه.
في البداية، لم يفهم سالم. ظنّ أن رسول متعب، أو منشغل. لكنه مع الوقت أحسّ ببردٍ... ليس برد الشتاء، بل برد غربةٍ زحفت بين قلبين كانا قريبين.
وفي مساءٍ ساكن كالسكون الذي يسبق العاصفة، قال له سالم:
ــ "يا رسول، ما الذي بيننا تغيّر؟ لم تعد كما كنت... حتى ضحكتك، صار فيها غربة!"
نظر رسول إلى الأرض، وقال بصوت خافت:
ــ "استحييت منك، يا سالم..."
ــ "تستحي مني؟ أنا؟ كيف؟"
أجاب:
ــ "من يوم ذلك النقاش، يوم اختلفنا، شعرت أنك لم تعد تراني كما كنت. فخفت أن أكون ثقيلاً، فخفّ حديثي... وخفت أن أزعجك، فصمتّ."
سكت سالم لحظة، ثم ابتسم بأسى وقال:
ــ "ويح قلبي، إذا استحييت مني يا رسول، فقد فارقتَني... لا تجعل بيننا حواجز، فالقلب الذي يحبك لا يضيق بك، ولو أخطأت."
ضحك رسول، وضحك سالم. وعادت الألفة كما كانت، وكأن شيئًا لم يكن.
-------------
قال الإمام علي (عليه السلام): " إِذَا احْتَشَمَ الْمُؤْمِنُ أَخَاهُ فَقَدْ فَارَقَهُ".