هناك الكثير من الشواهد الداخلية والخارجية التي تدل على استحباب التمتيع :
1. الشاهد الداخلي: عبارة (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) هي قرينة داخليّة على أن مضمون الآية التي هي مورد البحث هو التمتيع الاستحبابي؛ لأن التقوى فضيلة سامية، وتحصيلها أعلى مراتب الكمال والأمور المستحبة، والآية لا تتحدث عن أدنى درجات التقوى اللازمة على كلّ فرد فيكون التعبير المذكور كما لو قيل: «إنّ على الرجال المتهجدين بالأسحار أو الكرماء أن يدفعوا بعض المال إلى نسائهم قبل طلاقهنّ. ومن الواضح أن تعليق الحكم على موضوع استحبابي علامة على استحبابية الحكم. فتكون جملة (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) قرينة على عدم وجوب التمتيع وعلامة على استحبابه، وقد سبق استخدام مثل هذه العبارة في الآيات المتضمنة للأحكام الاستحبابية، مثل: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 180].
وقد جاءت كلمة (كُتِبَ) [البقرة: 180] في صدر هذه الآية، وهي أقوى ظهوراً في الوجوب من (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: 241] كما أن تعبير (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 241] قد جاء في ذيل الآية أيضاً، لكنّ محتوى الآية هو الحكم الاستحبابي بالوصية المذكورة؛ لأنّ الوصية للأقارب ليست واجبة، فهي لا تجب إلا على الشخص الذي يتعلّق حق لله أو للناس في ذمته، حين ظهور علامات قرب الموت لديه. وهكذا لا تشكل جملة (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 241] مانعاً من حمل الآية التي هـي مـورد البـحـث عـلـى استحباب التمتيع، بل هي شاهدة داخلية عليه.
2. الشاهد الخارجي: يقول القرآن الكريم عند بيان التمتيع الواجب: (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 236] كما أنه بمناسبة الحديث عن الطلاق أمر بأن يكون طلاق المرأة مقروناً بالإحسان إليها: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: 229] والمراد من (الإحسان) هو وجوب أداء الأعمال الحسنة، لا استحباب عمل الخير للآخرين؛ لأنّ الذي يقال له (محسن) هو الشخص الذي يؤدّي ما عليه من واجب بصورة حسنة.
ويظهر من التأمل في هاتين الآيتين أنّ التمتيع الواجب الذي يقع على عاتق أهل الإحسان، هو من موارد الإحسان الواجب المأمور بها في مسألة الطلاق. وعلى هذا يكون القرآن الكريم عند الحديث عن التمتيع الواجب قد استفاد من تعبير (حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 236] ولم يستفد من تعبير (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 180] الذي يستخدمه في موارد التمتيع الاستحبابي.
وسنتطرق في البحث الروائي للروايات المؤيدة لاستحبابية حكم التمتيع في هذه الآية.
تنبيه: استظهر بعض المفسّرين الوجوب من عبارة (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 180] في حين استظهروا الاستحباب من عبارة (حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 236][1].
ومن الأمور الواضحة أن الحكمة في مسألة اقتران حكم الآية بالتقوى هـو تأمين رضا الزوجة المبتلاة بأبغض الحلال إلى الله، عدا مورد طلاق الخلع الذي تكون المرأة فيه بدرجةٍ من الانزعاج والكره للرجل بحيث لا تلتفت فيه إلى المهر وما شابهه من الأمور.
[1] راجع: التفسير الكبير مج 3 ج6 ص173 تفسير التحرير والتنوير، ج 2، ص 440 و454.