(وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [البقرة: 241-242].
خلاصة التفسير: اختصت الآية الأولى ببيان الحكم التكليفي بوجوب أو استحباب اعطاء المال للنساء المطلقات وفي حالة استظهار وجوب التمتيع فيفهم من الآية الحكم الوضعي بالضمان أيضا لكمن عموم (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ) [البقرة: 241] قد تم تخصيصه حيث تفيد أدلة اخرى عدم وجوب التمتيع إلا للنساء المفتقرات للمهر والللاتي لم تتم مباشرتهن لا لجميع النساء المطلقات.
ووجوب دفع المال الى جميع النساء المطلقات هو من الاحكام الخاصة بالرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) لذا لا يمكن توسعة هذا الحكم ليشمل بقية المسلمين كما أن إعطاء المتاع في حالتي الوجوب أو الاستحباب يجب أن يكون بشكل يقره العقل والنقل أي يجب أن يكون منزها عن أي شكل من أشكال الافراط أو التفريط.
والغرض من تبيين الاحكام والآيات الالهية هو إفهام الناس بها وعملهم بمقتضاها فإذا لم يلتزم الشخص بالعمل وفقا للأحكام الالهية فهو ليس بعاقل ولا رشيد بل هو سفيه وجاهل.
والمراد من (العقل) في الآية الثانية هو العقل العملي الذي يقوم بالتزكية باتباعه توجيهات العقل النظري لا مجرد العقل النظري الصرف الذي يكتفي بمجرد التفكير.
والجهل يكون في مقابل العقل، لا في مقابل العلم؛ لأن الجهل يمكن اجتماعه مع العلم (كالعالم الفاسق)؛ لكنّه لا يجتمع مع العقل. والغاية من التعليمات الدينية هي: عقلنة الإنسان، حيث يكون العلم هو الجسر الموصل إلى العقل.
تفسير المفردات: تَعْقِلُون: (العقل) نقيض (الجهل)[1]. وأصل العقل هو الإمساك والاستمساك. و(عقل البعير بالعقال) بمعنى قيد ركبته بالحبال، و(عَقَلَ الدواء البطن) بمعنى أن الدواء قد منع المعدة من الإسهال، و(عَقَلَ لسانه) أي تحكّم فيه ومنعه من قول ما لا يرغب، ومن هذا الباب قولهم للحصن (معقل)[2].
ويستفاد من هذا الأصل أيضاً للدلالة على تقييد أطراف البعير وبقية المطايا، كما في قول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) لأحد الأعراب: اعقلها وتوكل[3]، وكذلك قول الإمام الصادق عليه السلام: واعقل راحلتك وتوكل[4].
وقال بعض علماء اللغة بأن أصل العقل هو تشخيص الصلاح والخير والفساد المادي والمعنوي، مما يستتبع كبح النفس وتقييدها بهذا التشخيص. والعقل النظري يتكفّل بالتشخيص، أما الكبح والتقييد فهو من مختصات العقل العملي[5].
تناسب الآيات: هذه الاية كما يقول الفخر الرازي هي آخر آيات الأحكام الواردة في هذا القسم كما أنه يرى أن المتعة لو كانت هي المقصود من (المتاع) في هذه الاية فسيكون الفرق بين هذه الآية والآيات السابقة هو في العموم والخصوص أما اذا كان المراد منه النفقة فهو مطلب آخر[6].
أما الشيخ الطوسي رحمه الله فيعتقد أن هذه الآية لو كان نزولها متزامنا مع آية (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) [البقرة: 237] فتكون تلك الاية مخصصة للآية التي هي مورد البحث واذا كانت تلك الاية متأخرة في النزول فتكون الاية التي هي مورد البحث منسوخة بها وهو ما ينسجم مع ما ذهب اليه سعيد بن المسيب القائل بالنسخ[7].
[1] ترتيب كتاب العين، ج 2، ص 1253، ع ق ل.
[2] مفردات ألفاظ القرآن، ص 578، ع ق ل.
[3] إرشاد القلوب، ج 1، ص 239؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 46.
[4] الأمالي، المفيد، ص 190-191؛ بحار الأنوار، ج 100، ص 5.
[5] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج 8، ص 196-198، ع ق ل.
[6] التفسير الكبير مج3 ج6 ص173