روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال: (الجهل في ثلاث: الكبر، وشدة المراء، والجهل بالله فأولئك هم الخاسرون) (1).
ذكر في تفسير آية: {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} [الكهف: 22]، أي فلا تجادل أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف إلا جدالا ظاهرا غير متعمق فيه، وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب، ولا تزيد، من غير تجهيل لهم، ولا تعنيف بهم في الرد عليهم، كما قال: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، هذه تدل على جواز البحث والجدل في العلم بطريق ظاهر حسن، وتحريمه وعدم جوازه لا على ذلك الوجه المرضي الحسن، فهي مخصصة لما دل على النهي عن ذلك وتحريمه، مثل لا تمار فإن المؤمن لا يماري، وهو ظاهر (2) فـ (جدِلَ جِدَلًا): اشْتَدَّتْ خُصُومَتُه (3) في ما تقدم نفهم أن صاحب (الجدال) تكثر أخطاؤه فيقع في الخصام مع غيره وليس بالضرورة هذا الغير هو عدو له، فقد يكون من أعز الناس عليه.
إن الجدال غير الحسن يؤدي بالضرورة إلى نشر وزرع الضغينة بين المجتمع وأفراده التي تورث الحزازية والبغضاء والأحقاد، وقد تسبب القطيعة الطويلة بين الأرحام والاقوام؛ لأن الجدال يتسم بقلة المروءة، ويمتاز بضياع الكرامة، لأنه يُشغل العقل والقلب، ويُورث النفاق والانشقاق، ويُوقع صاحبه في رذائل كثيرة منها الكبر وإهانة الآخرين، وربما الازدراء والشزر بالنظرات المتعالية على الناس، وأخذ حق الرد من الآخر.
والجدل يوغر الصدور ويزيد في الحقد، ويساهم مساهمة واضحة وفعالة في تهيج وإثارة الغضب، ويحرّض على النيل من أعراض الناس مما يجعل كل من حوله يكرهه وينفر من التعامل معه، ويحمل الكل في قلوبهم الغل الكثير عليه ويتحينون الفرصة حتى يوقعوا به.
وهذا يسمى الجدال بالباطل أو (الجدال السلبي) واتخاذ المواقف ضد الوقائع والآيات القائمة على أساس الدليل المنطقي، يعتبر أساساً لضلال المجادلين وتنكبهم عن جادة الهداية والصواب، وكذلك في إغواء الآخرين، حيث تنطفئ أنوار الهداية في تلك الأوساط، وتتقوى أسس ودعائم حاكمية الباطل (4).
أما الجدل الإيجابي وهو (صناعة علمية يقتدر معها حسب الإمكان - على إقامة الحجة من المقدمات المسلمة على أي مطلوب يراد، وعلى محافظة أي وضع يتفق على وجه لا تتوجه عليه مناقضة) (5).
بمعنى أن الإنسان العاقل الجدلي الذي يبحث عن الحق بالحق عليه أن يبحث عن القضايا التي لا اعتراض عليها من قبل الشخص الذي يدور النقاش معه لحل أزمة أو علاج مشكلة، وأيضا (أن يتمكن المجادل من تقوية الآراء النافعة وتأييدها ومن إلزام المبطلين والغلبة على المشعوذين وذوي الآراء الفاسدة على وجه يدرك الجمهور ذلك) (6)، الى آخره من الفوائد الجمة للجدل الإيجابي (7).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج 1، ص 131.
2ـ زبدة البيان في أحكام القرآن للأردبيلي: ص 345.
3ـ المعجم الوسيط مادة (جدل).
4ـ تفسير الأمثل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: ج 15، ص 259.
5ـ المنطق، الشيخ المظفر: ج 3، ص 386.
6ـ المصدر السابق.
7ـ لمن طلب الزيادة في موضوع صناعة (الجدل)، ينظر المنطق، الشيخ محمد رضا المظفر: ج 3، ص 390.