0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات

المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية

التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

شخصيات ناجحة / الشخصية المتزنة

المؤلف:  حسن علي الجوادي

المصدر:  اختر شخصيّتك

الجزء والصفحة:  ص 39 ــ 53

2026-10-06

47

+

-

20

ان اتزان الشخصية أمر في غاية الاهمية وما يقابلها ويضدها الشخصية غير المتزنة، نحن نلاحظ بأعيننا قيمة الانسان التي تكون شخصيته معتدلة قوية يتحكم العقل فيه أكثر من اي شيء آخر ولا يخفى ذلك على الناس، فمجرد ان يراه اي شخص يحكم عليه بالاتزان ولو على التعامل الخارجي فقط، ويأخذ الاتزان صوراً متعددة منها الذاتي والآخر الخارجي، يبدأ الانسان بتنظيم داخله ومن ثم ينطلق الى بناء الخارج، فالاتزان جانب مهم في حياة الانسان وبه تكتشف شخصيته ببعدها الظاهري للناظر والمتأمل للسلوك والاتزان لا يعني ان يكون الشخص جامداً لا يتحرك كالصخرة او العمد الحديدي فهو افراط يكون الانسان معه كالصنم، انما الاتزان في موضعه وفي مقامه، مثلاً عندما يكون هناك تجمع لشخصيات كبيرة والحالة تتسم بالهدوء والاستقرار وانت تقفز بكلمة او عبارة او حركة او تضحك بصوت عال تثير به اذهان الحاضرين وتجذب انظارهم فأنت في هذه الصورة تسمى شخصاً غير متزن، الاتزان بهذا المعنى لا بأس به وقد يشكل الانطلاقة الأولى لفهم معنى الاتزان المطروح هنا الا ان الضوابط العرفية واللياقات الاجتماعية لها دخل معين في كشف هذا المفهوم، كما ان الثوابت والقناعات النفسية والرؤى والابعاد السلوكية لدى كل فرد هي من تحدد الاتزان في شخصيته، فمن يمتلك الادوات السليمة في حل المشاكل الطارئة التي تصاحبه في حياته لا يمكن ان يتساوى مع ذلك الشخص المتكل على القدر وتارك العمل، فالسعي في مواجهة اي خطر محتمل او تغير يحصل مستقبلاً له فائدة كبيرة التي لا يعرف اهميتها الا من جربها.

ليس غريباً ان يمر الانسان بحالات مختلفة طوال يوم كامل او أكثر من ذلك، فان الاختلاف في حياة الانسان شيء واقعي لا يمكن لاحد نكرانه، سواء في مظهره الخارجي ام نفسيته وداخله حتى ان القلب سمي بهذا الاسم نتيجة تقلبه وعدم استقراره وثباته على حالة معينة، فهل يا ترى ان مقصدنا من اتزان الشخصية المعنى الذي سبق؟

بعبارة اوضح هل المقصود بالاتزان هنا ثبات حال الانسان المزاجي والظاهري والمعنوي وعدم تغيره ابداً على طول الوقت؟

هذه المعاني من الاتزان غير مقصودة، فلا يمكن ان يكون الانسان متزناً طوال الوقت، فالحالة المزاجية تختلف من وقت لآخر، وفي كثير من الاحيان لا دخل للإنسان بها، فإذا اصابه الجوع يتغير ويتبدل مزاجه، او إذا فَقَدَ عزيزاً وبكى او عثر على ولده الضائع لسنين طويلة فسالت دموعه فرحاً، او إذا ذكر موقفاً مضحكاً فضحك، كل هذه الحالات هي طبيعية يمر بها كل انسان وغالباً ما نسميها المشاعر، لكن ما اريد ان نصل اليه هو:

1ـ الاتزان السلوكي النابع من الثقافة التربوية التي تتمتع بها الشخصية، فهنالك من تجد حركاته خفيفة وسريعة لا تناسب شخصية الانسان، كالرقص والحركات المضحكة، حتى انهم يقرون بذلك وكل من يشاهدهم، وهنالك مبررات يستخدمونها لأداء مثل هذه الحركات، وما يهمنا ان الاتزان في سلوك الانسان في غاية الاهمية فغالباً ما نقيّم بعض الناس من خلال سلوكهم ومظهرهم الخارجي ويمكن لنا ان نطلق عليه الاعتدال، فقد نشاهد اشخاصاً بأشكال غير معتدلة وقد يصل بهؤلاء ان يقلدوا بعض القطط او الحيوانات ظناً منهم ان هذه الحركات تجعلهم محط اهتمام الآخرين او لأجل ان يلفتوا انظار الناس اليهم، وقد تكون احياناً بداعي الحرية وحب التحرر من الانظمة والقوانين والاعراف التي تسود المجتمعات المحافظة، ولسنا بصدد تفصيل هذه الحالات الا ان مدخليتها في سلوك الانسان الظاهري سلباً في غاية الوضوح، وفي مقابل هذه الامثلة نجد اهل الاعتدال والرقي والثقافة في غاية التناسق في حركاتهم ونظراتهم وتصرفاتهم الخارجية، ملبين دعوة العقل والتربية الصحيحة التي تفرض عليهم ان يحافظوا على سلوكهم، وقد وجدنا ان الدين الاسلامي حرص على تهذيب سلوك الانسان سواء اكان خارجياً ام داخلياً، فمشية المختال الفخور قد نهى عنها القرآن الكريم ومن منا لا يشعر بسلبية مشية المتكبر وتعاليه على الناس وافراد المجتمع.

اعطى لنا القرآن العزيز بريقاً حول الموضوع في آية تعد من اهم الآيات التي تهتم بتقويم سلوك الانسان وتفصل بين السلوك الحسن والسلوك الخاطئ، يقول ربنا (عز وجل): {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 18، 19]، لا تعرض بوجهك عن الناس تكبرا ولا تمشِ في الأرض مشية من اشتد فرحه ان الله لا يحب المتكبر الفخور (1).

فمشية المتكبر المختال التي تشعر الانسان بالغرور والتباهي والفخر سلوك خاطئ لا يريده الدين ان ينتشر بين افراد المجتمع، فيعتبر حالة غير صحيحة وسلوكاً خارجاً عن الاتزان والاعتدال فهذا واحد من عشرات الاحكام التي تقيد سلوك الانسان، فليس كل حركة تصدر من الانسان تكون مقبولة فبعضها يهدد اعتدال الشخصية وضعفها، كالرقص فإن صاحبه اشبه بالمجنون تصدر منه حركات غير صحيحة ليس لها غاية شريفة او هدف عقلائي بل لا يكون الرقص الا مع خفة العقل وبعده عن الاعتدال، فيسمى صاحبه باللاهي.

انظر الى الطفل الصغير وقارن بين حركاته وحركات الآخرين وبين سلوكياته وسلوكيات الآخرين الاكبر منه سناً تجد الفارق واضحاً؛ لأن العقل يتحكم بشكل كبير في سلوك الانسان، اما اذا جرد الانسان عن عقله فحركاته التي تصدر منه تكون غير مدروسة تماماً ولا احد من الناس يلومه فهو كالمجنون أو المجنون نفسه، من هنا يُعلم اهمية دراسة حركات الانسان والاهتمام بها، وقد وضع لنا الدين قواعد في ذلك فضلاً عن العقل، فورد النهي عن كل ما يخمر العقل الذي يستتبع ظهور حركات وسلوكيات غير منتظمة، كما ورد ذم التكبر ومشية المختال الفخور، وكذلك النهي عن الرقص والطرب، وغير ذلك، وفي مقابلها رجح اشياء مهمة كالسير بهدوء والحث على الوقار والحلم والصبر، وغيرها في موارد كثير.

2ـ الاتزان في الالفاظ والكلمات عند الحديث مع الناس، ان كلماتك هي الاثر والدليل الذي تعرفك الناس منه، وما حياتنا الا مجموعة من الحروف والكلمات والافكار التي تترجمها سلوكياتنا ومقياس البشرية اليوم بمخاطباتهم ولغتهم، والاتزان في الالفاظ يأخذ صداه في هذه الورقات فهو السلوك الكاشف عن رقي الانسان حتى ان الكلمة الطيبة تفعل مفعولها في اذهان السامعين ومن ثم في قلوبهم لكن يجب ان يرتبط اللسان بقلب سليم غير مريض كي تخرج لنا الكلمة طيبة، فالقلب يزود الالفاظ بالروح واللسان يخرجها بصورتها المادية للاذن السامعة، فتؤثر اثرها، وقد يطلب القارئ تفصيلا لهذا المحور من الاتزان ان ما يمكن قوله في هذه الأوراق هو: كل شخص يصدر منه الكلام اما ان يكون قاصداً له او غير قاصد، واختياره للكلام يتم فيما إذا كان واعياً على دراية لما يقول، فإذا انتهت هذه المرحلة نخوض في مرحلة اساس إطلاق الكلام.

ان خروج الكلمات من الفم تعتمد بدرجة عالية على المخزون الثقافي والدربة والاستمرارية، فكل كلامنا هو تابع بشكل مباشر لما نحمله من بعد ثقافي وعلمي، والاعتياد عامل آخر وسبب في التمسك ببعض الكلام او حتى الطريقة، وهو على نوعين تبعاً لنوع الكلام، فهنالك اعتياد سلبي وآخر ايجابي حسب الكلمة المستخدمة.

ان الكلمة التي تخرج من اللسان وتذهب الى اذهان السامعين مثل الصنبور التي تقطر حبات من الماء المتصل بالحوض او النهر فكلما كان مصدر الماء نقياً كان الماء صافياً عذباً زلالاً، فمصدر الكلمات هي ثقافة الانسان وما يعرفه، فمن كان على درجة عالية من الثقافة كانت كلماته كذلك والعكس صحيح ايضاً، فعين الماء النابعة من الارض هي متصلة بذلك الماء في الجوف اسفل العين، فعذوبتها تتبع الجوف وكميته الخارجة وما يحمله من مواصفات أخرى، الانسان عندما يتكلم يشبه تماماً عين الماء، كلامه دليل على رقيه هذا حسب الحقيقة والواقع، فلربما يكذب الانسان ويعطي خلاف الواقع، يطرح ذلك القرآن الكريم ويسمي هذه الحالة بالنفاق فهو يتكلم خلاف واقعه، ولم يخرج هذا الصنف عن دائرة النقد في مثالنا هذا فان المنافق منبعه ملوث وان اظهر خلاف ذلك، فلولا خبث وفساد داخله لما صار منافقاً، وقد وجدنا النصوص الدينية تهتم اشد الاهتمام في الاتزان اللفظي؛ اذ حرمت الالفاظ القبيحة التي يستنكرها كل العقلاء التي تخدش الحياء وتنشر ظلام المنكر في المجتمع بشكل واضح، الى جانب ذلك اوجد البديل والمقابل لتلك الكلمات ووضع الثواب لمن يتكلم بالخير ويكون كلامه وفق الموازين المقننة شرعاً:

أـ لقد حرم الاسلام ان يغتاب المؤمن اخاه المؤمن، فلا يظهر عيبه الذي خفي عن الناس، بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12]، فاحد صور الغيبة هو الكلام على الآخرين بما لا يرضيهم ابداً، الا تجد هذه الصورة التي قدمها القرآن الكريم عن قبح الغيبة والمغتاب، وكأنه لا يتكلم على اخيه بل يأكل من لحمه اشارة دقيقة الى الفم الذي تخرج منه هذه الكلمات القبيحة، ففي ميزان الله تعالى ان كل كلام يحرم يكون قبيحاً حتى وان استحسنه الناس.

ب- لقد حرم الله تعالى الغناء والكلام الباطل، الذي يؤدى بألحان أهل الفسق والفجور، وحرم تلك المجالس واجر الغناء، وجاءت النصوص الشرعية عن أهل البيت (عليهم السلام) مفصلة في ذلك منعه وبيان أثره على الفرد والمجتمع، فقد روي في الكافي عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عز وجل): {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30]، قال (الغناء) (2) وهنالك آثار يتركها في السامع وما يحيط به منها: عن زيد الشحام قال: قال أبو عبد الله: (بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة ولا تجاب فيه الدعوة ولا يدخله الملك) (3).

فالغناء كلام يخالف الاتزان من الناحية الشرعية وقد يعتبره البعض بانه لا يخالف، فرغم شهرة حرمتها في الدين الا ان أكثر الناس بعيدون عن الشرع واحكامه فلا يلتزمون به.

ج- تحريم الدين الاسلامي للبهتان والافتراء على الآخرين، فهنالك طرق يتخذها بعض الناس في تلفيق التهم على الآخرين وهي غير موجودة فيهم سعياً منهم في تزوير الحقائق كي ينالوا رغباتهم الشيطانية، فهذه الكلمات والاساليب حرمها الدين وجعلها من الكبائر التي يستحق مرتكبها النار، فهذا الكلام في موضوعنا الآن يهدد اتزان الشخصية من هذه الجهة.

ان الالفاظ القبيحة التي يستهجنها السامع الواعي ويستقبحها العاقل السوي ما هي الا اضطراب في ثقافة الانسان اللفظية وسبب واضح في قلة الوعي من هذه الجهة او ضعف الالتزام الناشئ من ضعف الشخصية امام الوساوس والتطبع والاندكاك الاجتماعي الذي يورث الانسان ويترك فيه حب التلفظ بمفردات غير صحيحة اطلاقاً، ولعل بعضهم يتلذذ بها؛ لأنه يجد نفسه تنسجم تماماً وتتماشى مع هذه المفردات الا انه واقع تحت تأثير الوهم، اضافة لبعده عن البيئة الصحيحة او ضعف شخصيته السلوكية ونظامه الاخلاقي فانهيار الفرد امام هذه المفردات ينتج عن انهيار الاتزان الذي يتمتع به وما عليه الا ان يرجع الى ذلك النعيم الذي كان عليه، فالتقيد بالشريعة بالوجه الصحيح نعمة لا يشعر بها الا من كان ملتزماً حقاً.

ان كلماتنا التي ننطقها تكشف جزءاً مهماً من شخصيتنا، فالإنسان يُعرف من فمه، قل لي كلامك اعرف ثقافتك، حروفك التي تجمعها وتنطقها بكلمة دليل على مخزونك الثقافي فما تخزنه في قلبك يظهر على لسانك، ان كان طيباً يترجمه اللسان عسلاً شهياً او قد يكون نغمة لها صداها في اذن السامع ومن ثم تمر الى قلبه، فتظهر للناس شخصيتك من خلال كلامك ومدى اتزانك وقد قيل: (مقتل الرجل بين فكيه)، وقد وردت النصوص التي تحث على ان يكون الكلام في الذكر والمناجاة فما اعذب الكلام حين يكون في الله (عز وجل) وذكر الانبياء والأولياء، وذكر الأمور التي لا تنافي العقل ولا الحياء ولا الدين والاعراف والتقاليد الصحيحة، فأكثر مشاكل الناس تحدث جراء الفاظهم، فقد يحرم من شيء عظيم بسبب الالفاظ التي يستعملها، وقد نشاهد كل يوم بعض الافراد ممن لا يجيدون الحديث ولا الكلام بصورة لائقة فيفتقرون لمقومات الكلام الصحيح، ويظهر لنا بوضوح ضعف شخصياتهم وقلة وعيهم وحكمنا هذا لم يأتِ من فراغ فالعنوان دليل الكتاب، كذلك اللسان دليل الانسان، فالارتقاء في الالفاظ والكلمات يوصل الفرد الى مستويات عالية من الرقي ويوفر له المقام السامي الى جانب الركائز الأخرى في قوة الشخصية.

3ـ الاتزان الفكري، كل شخصية تمر بمراحل مختلفة من الحيوية والنشاط والخمول والضعف والقوة وهو أمر طبيعي لاسيما البناء الجسدي، فإنه يتطلب ذلك كما هو معروف، وكذلك المزاج والحالات النفسية فإنها تتغير تبعاً للظروف والحوادث التي ترافق حياة كل شخص منا، ويمر الفرد بتغير فكري وثقافي، لكن هذا التغير ليس محموداً دائماً؛ لأن الثبات على العقيدة الصحيحة أمر ضروري لا يمكن العدول عنه يميناً او شمالاً، فاذا حصل الاتزان من هذه الجهة فانه حصل الخير كله، ومن يعش في هذه الدنيا غير متزن من جهة العقيدة فانه لا يهنأ ولا يهدأ له روع! كيف وهو يعيش بعيداً عن الايمان الذي يفترض عليه ان يسكن قلبه ومن هنا نعرف معنى {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، فلا راحة ولا اطمئنان بالبعد عن الذكر والايمان برب السماوات والارض ورسالاته الى البشرية.

ان الاتزان الفكري يرتكز على البعد العلمي والثقافي الذي يمتلكه الانسان فمن استقر فكرياً وعرف من أین والی أین وفي اين حصل له الخير الكثير واصبح متزناً لا يتماوج من هنا وهناك، ونستطيع ان نطلق عليه (اليقين) فهي درجة شريفة عالية خاضعة لنظام المراتب فعلى قدر كل شخص تأتيه حسب القابلية والاستعداد، فالشخص الذي يعيش اليقين والحقائق واضحة عنده کوضوح الشمس لا يمكن ان تهزمه الفتن في يوم ما، بينما من كان على شفا حفرة فإنها تنهار به يوماً ما وهو أمر في غاية الوضوح للجميع، فصاحب الشك يختلف عن صاحب الظن وهما يختلفان عن صاحب اليقين، فالأفكار السليمة لها الفضل في وجود اليقين وثباته عند الانسان، فهو المولد لحالة الاستقرار والاتزان داخل الانسان، ويعتمد اليقين بدرجة كبيرة على الادوات التي يستخدمها الانسان في الكشف عن الواقع او الحقيقة، فكثير من الاشخاص يحسبون انهم يعيشون اليقين وعين اليقين وهم في الحقيقة ليسوا بمتيقنين فهم يخوضون مع الخائضين ويلعبون مع اللاعبين يحرصون على الكلام في اليقين لكنهم ليس لهم اي يقين في كلامهم اما الواهم فهو ليس له حظ من الاستقرار والاتزان الفكري ابدا، فقد يأتي أي شخص ويغير موازينه ان كانت لديه موازين، ومن هنا يتضح لنا سر الدعوة للعلم والتعلم وما قيل بحق العلم وكيف لا يوصف بالعظمة وتلك الاوصاف الزاهية وهو من يجعل الانسان في رقي وتقدم، فمن فقد العلم فقد النوادر والجواهر وما قيمة الحياة بجهل؟

وقد يتبادر الى الذهن سؤال، كيف يمكن ان نستقر فكريا وعلميا والعلم لا حد له او قل: هو بحر عميق؟

وما يمكن ان يصلح جوابا لهذا التساؤل هو:

اننا لا نقصد بالاتزان الفكري والعلمي ان يتجمد الانسان على علم او فكر محدد دون ان يفكر ويتعلم الجديد، بل هذا خمول وتعطيل وليس اتزانا، انما المقصود بالاتزان الفكري والعلمي هو عدم التخبط الفكري والضياع العلمي والهبوط الى مستويات متدنية والرضا بهذه المقامات، فترى الانسان المتزن فكريا وعلميا لا تهزه العواصف الفكرية والطفرات العلمية، فانه بعد ان عرف المبادئ والقواعد يكون قد فهم ووعى وعرف من اين تؤكل الكتف، اما ذاك الذي لا يعلم أي شي ولا يدري بما يجري حوله وافكاره غير مرتبة ولم تخضع لاي ترتيب فهو حقا يعيش حالة من التغير والتبدل الفكري والعلمي، وكل فرد عنده استقرار علمي وثبات ثقافي يدرك بوعي تام اهمية ما طرح الآن، ثم ان العلم وان كان بحراً عميقاً لكن الغور والتعمق فيه لا يعني ذلك عدم الاستقرار بوجه من الوجوه، بل على العكس فهو تقدم وقمة في الثبات والاستقرار والاتزان، وبعد هذا السرد اظن ان القارئ لا يبقى لديه اي غموض حول المسألة، رغم ان الموضوع بحاجة الى بسط في الكلام وتنويع آخر في البحث؛ لأنه يتعلق بالجانب الفكري والعملي والثقافي وما اوسع هذه المصطلحات، لكن ليس دائماً يكون الكلام بقدر المتكلم عنه، فخلاصة ما يمكن ان يقال:

ـ الاتزان الفكري نقطة جوهرية وقاعدة ذهبية لا يمكن لأي شخص ان يتنازل عنها باي شكل، فكل شيء يتعلق به استقرار الانسان يصبح مهماً للغاية.

ـ ان بناء الفكر بناءً صحيحاً سليماً من اي اعوجاج يرسم للإنسان الحياة السعيدة ويمكنه من العيش بصورة أفضل في هذه الحياة.

ـ إذا كان هم الانسان بناء فكره ورصانة ثقافته فانه بلا شك يحصل على مراده، فمن طلب الدرجات الرفيعة وكانت شغله الشاغل ينالها يوماً ما، حتى وان طال أمدها.

ـ العلم كنز لا يفنى بل ينمو ويتمدد ويترك أثره في الفرد وتظهر ثمرته في مدة يسيرة لكنه يحتاج الى عمل حتى يأخذ صداه بشكل طبيعي.

ـ الاتزان لا يعني الجمود في مكان ما او الاعتياد على حركة او كلمة معينة، انما هو أعمق من ذلك، فمعناه بدقة هو سير الانسان في هذه الارض بنظام صحيح وفق العقل والمؤثرات الاخرى كالدين والعادات المقبولة عرفاً وديناً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ ينظر: الميزان في تفسير القرآن: السيد محمد حسين الطباطبائي، ج 16، ص 219.

2ـ الكافي: الشيخ الكليني، ج 6، ص 431.

3ـ المصدر السابق: ص 433. 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد