1. شأن النزول: عن عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة بن وهب القُرظـي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني، فبَتَ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنّ ما معه مثل هدبة الثوب، وإنه طلقني قبل أن يمسني، فأرجع إلى ابن عمّي؟ فتبسم رسول الله وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عُسَيلته. وفي قصة رفاعة وزوجته نزل: (فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: 230][1].
تنويه: اعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجوع المرأة إلى زوجها السابق أمراً غير ممكن إلا بعد تحقق مباشرة الزوج الثاني (المحلل) للزوجة.
2. شرط الرجوع: عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: المرأة التي لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره؟ قال: هي التي تُطلق ثمّ تُراجع، ثمّ تُطلق ثمّ تُراجع، ثم تطلق الثالثة. فهي التي لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجا غيره ويذوق عسيلتها[2].
تنويه: أ. وفقاً لهذه الرواية فإنّ المرأة المطلقة ثلاث مرات والتي تحرم على زوجها السابق هي ت تلك التي يرجع إليها زوجها بعد الطلاق الأول والثاني. وهذا هو الحكم الفقهي المستفاد من ظاهر الآية الشريفة أيضاً؛ وعلى هذا، فإنّ التطليقات الثلاث التي لا يتخلّلها رجوع تعدّ طلاقاً واحداً لا أكثر.
ب. إن (ذوق العسيلة) وتذوّق لذة الزواج، هو كناية عن مباشرة المضاجعة الزوجية. وربما كان اصطلاح شهر العسل أيضاً مأخوذا من ذلك، أو أنه لفظ مشترك في اللسانين.
3. شرط الحرمة الدائمية للمرأة في الطلاق التاسع: عن أبي عبد الله عليه السلام ـ في حديث ـ قال: سألته عن الذي يطلق ثـمّ يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، ثمّ يطلق؟ قال: لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، فيتزوجها رجل آخر، فيطلقها على السنة، ثم ترجع إلى زوجها الأول، فيطلقها ثلاث مرات على السنة فتنكح زوجاً غيره فيطلقها، ثم ترجع إلى زوجها الأول فيطلقها ثلاث مرات على السنة، ثم تنكح. فتلك التي لا تحل له أبداً[3].
عن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل طلق امرأته ثم لم يراجعها حتى حاضت ثلاث حيض، ثم تزوّجها، ثم طلقها فتركها حتى حاضت ثلاث حيض، ثمّ تزوّجها ثمّ طلّقها من غير أن يراجعها، ثم تركها حتى حاضت ثلاث حيض؟ قال له أن يتزوجها أبداً ما لم يراجع ويمس[4].
تنويه: إن الحرمة الأبدية بعد تسع مرات من الطلاق تتعلق بالمرأة التي طلقت ثلاث تطليقات وتكرّر طلاقها في ثلاث مراحل، وفي كل دورة ثلاث مرات، وكانت نهاية كل طلاق رجعي بالرجوع والمباشرة، أي إن كل طـلاق يجب أن يكون مسبوقاً بنكاح كي يصدق عليه أنه طلاق.
وجدير بالذكر أنّ الطلاق العدّي الذي يصير سبباً للحرمة الأبدية في المرة التاسعة، هو غير الطلاق الذي يحتاج إلى محلّل في ثالث مراته؛ لأن الطلاق التساعي يجب فيه على الرجل الرجوع والمباشرة في العدة بعد كل مرة طلاق، ثمّ يطلق في طهر لم تحصل فيه مواقعة. أما لو لم يرجع بعد الطلاق وحاضت المرأة ثلاث مرات ثم تزوّج بها بعد ذلك وطلقها؛ فهذا العمل مهما تكرر لا يكون سبباً لحصول الحرمة الأبدية. وعلى هذا، فيشترط للحرمة الأبدية أن يكون الرجوع في العدة لا بعقد جديد، وبعد الرجوع في العدة لا بد من حصول المباشرة أيضاً.
4. سر حرمة نفس المرأة بعد الطلاق الثالث والتاسع: علي بن فضال، عن أبيه، قال: سألت الرضا عليه السلام عن العلة التي من أجلها لا تحل المطلقة للعدّة لزوجها حتى تنكح زوجا غيره؟ فقال: إن الله عز وجل إنما أذن في الطلاق مرتين فقال: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: 229] يعني في التطليقة الثالثة. فلدخوله في ما كره الله عزّ وجلّ من الطلاق الثالث؛ حرّمها عليه، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غـيـره؛ لئلا يوقع الناس الاستخفاف بالطلاق ولا يضاروا النساء[5].
محمد بن سنان، عن الرضا عليه السلام في ما كتب من جواب مسائله علة الطلاق ثلاثاً؛ لما فيه من المهلة في ما بين الواحدة إلى الثلاث، لرغبة تحدث، أو سكون غضب إن كان وليكن ذلك تخويفاً وتأديباً للنساء وزجراً لهن عن معصية أزواجهن، فاستحقت المرأة الفرقة والمباينة لدخولها في ما لا ينبغي من ترك طاعة زوجها. وعلّة تحريم المرأة بعد تسع تطليقات فلا تحل له عقوبة لِئَلا يستخف بالطلاق ولا يستضعف المرأة، وليكون ناظراً في أموره، متيقظاً معتبراً، وليكون يأساً لهما من الاجتماع بعد تسع تطليقات[6].
5. اذن الولي في زواج الباكرة: زرارة بن أعين قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لا ينقض النكاح إلا الأب[7].
محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: لا تستأمر الجارية اذا كانت بين أبويها ليس لها مع الأب أمر وقال يسأتمرها كل أحد ما عدا الأب[8].
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الجارية البكر التي لها أب لا تتزوج إلا بإذن أبيها وقال اذا كانت مالكة لأمرها تزوجت متى شاءت[9].
تنويه: تمسك البعض مثل الشيخ الطوسي رحمه الله في التبيان بإطلاق جملة (حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: 230] في الآية التي هي مورد البحث فقالوا إن الأب لا ولاية له على البنت البالغة لأن ظهور اسناد النكاح الى المرأة في الآية الشريفة يفيد استقلالها في الزواج وإطلاقها يشمل الثيب والباكرة[10].
وهذا الكلام تام من جهة البحث القرآني وفي محور التفسير وهذا الاطلاق يفهم من آيات اخرى أيضا لكن لو وجود دليل خاص يثبت ولاية الولي (الأب والجد) على البالغة الرشيدة فهو يقيد هذا الاطلاق.
ولا شك في أن آراء الفقهاء في هذا المجال مختلفة:
1. الفتوى الصريحة بلزوم الاستئذان.
2. الاحتياط اللزومي.
3. الاحتياط الاستحبابي.
4. مجرد الاستحباب وهو أضعف المراحل[11].
فالرواية الأولى التي أُعطي الأب فيها حق نقض نكاح ابنته، تشير إلى ولايـة الأب على نكاح البنت؛ إذ لو لم يكن الأب ولي النكاح، لما كان له حـق نقضه. وهذه الرواية مطلقة، ويمكن حملها على الصغيرة، لكن إطلاقها يشمل البالغة أيضاً.
والرواية الثالثة أيضاً تدل بوضوح على لزوم إذن الأب. وما تفيده الـرواية الثانية هو تمامية ولاية الأب؛ لأن مضمونها هو عدم لزوم إذن الفتاة نفسها ولا استشارتها.
والنتيجة هي أن نصاب هذه الروايات لو كان تاماً، سيكون مقيداً لإطلاق الآيات، ومثبتاً بصورة إجمالية لولاية الأب على البنت في النكاح.
6. لزوم العقد الدائم في التحليل: عن الحسن الصيقل، عن أبي عبد عليه السلام قال: قلت له: رجل طلق امرأته طلاقاً لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، فتزوجها رجل متعة، أتحـلّ لأول؟ قال: لا؛ لأنّ الله تعالى يقول: (فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا) [البقرة: 230] والمتعة ليس فيهـا طلاق[12].
تنويه: طبقاً لهذه الرواية، يجب على المحلّل أن يعقد على المرأة المطلقة ثلاثاً نكاحاً دائماً، وإلا فالزواج الموقت وانقضاء مدته أو التنازل عنها، لا يحلل المرأة لزوجها الأول؛ لأن النكاح الموقت لا طلاق فيه، والآية الشريفة صريحة في
الطلاق: (فَإِن طَلَّقَهَا...) [البقرة: 230].
7. جواز التحليل (القيام بدور المحلل): عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):... لعن الله المحلل والمحلل له[13].
تنويه: ضمن تجويز بعض أهل المعرفة للتحليل وحملهم الحديث لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) للمحلل والمحلل له[14] على معنى لا يفيد حرمة أصل التحليل ينقلون عن الإمام الحسن بن علي عليه السلام واقعة (ليس الآن مجال البحث فيه) يظهر منها تجويز الامام المجتبى عليه السلام للتحليل. ثم يقول ذلك المفسر المذكور: لو لم يكن التحليل جائزا لما كان الحسن بن علي عليه السلام يرضى به لأن الله أنزل في أهل البيت عليهم السلام آية (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [الأحزاب: 33]. ولا شك في أن الحسن بن علي عليه السلام من أهل البيت وقد أخبر الله عن طهارتهم وذهاب الرجس عنهم والله صادق في خبره وهذه الاية دليل عصمة أهل البيت عليهم السلام في حركاتهم ولا يتمتع الاخرون بمثل هذه العصمة والحفظ الالهي ولما كان الحسن بن علي عليه السلام قد اعتبر التحليل جائزا فهذا العمل جائز[15].
[1] مجمع البیان، ج 1-2، ص 580.
[2] الكافي، ج 6، ص 76؛ وسائل الشيعة، ج 22، ص118.
[3] الكافي، ج 5، ص 428؛ وسائل الشيعة، ج 22، ص 119.
[4] الكافي، ج 6، ص 77؛ وسائل الشيعة، ج 22، ص 115.
[5] من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 502؛ وسائل الشيعة، ج 22، ص 121
[6] من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 502؛ وسائل الشيعة، ج 22، ص 121
[7] الكافي ج5 ص392-393 وسائل الشيعة ج20 ص272-273
[8] الكافي ج5 ص392-393 وسائل الشيعة ج20 ص272-273
[9] الكافي ج5 ص392-393 وسائل الشيعة ج20 ص272-273
[10] راجع التبيان: ج2 ص250 مجمع البيان ج1-2 ص581
[11] راجع: جواهر الكلام ج29 ص229-230.
[12] تهذيب الأحكام، ج8، ص 34.
[14] ورد توضيح آخر لهذا الحديث أيضا تحت عنوان استفادة العالمين في الصفحة 327 من كتابنا هذا
[15] راجع: رحمة من الرحمن ج1 ص349 بتصرف بسيط.