هنا أودُّ أن أذكر الكيانات التي فشلت في التأقلُم أو التكيُّف أو التحول من المجتمعات التي كانت عليها ذات يوم؛ ولكنْ مع ذلك، فإن أوجه استمراريتها الثقافية لم تتلاشَ تمامًا. أرى أن هذه من المُحتمَل أن تكون إحدى أكثر الفئات إثارةً للجدل، وموضوعًا مفتوحًا جدًّا للنقاش.
إنَّ المثال الأساسي هنا، في رأيي، هو الميسينيون في البر الرئيسي لليونان، الذين كانوا يَبْدون أشدَّ تأثرًا وأكثر هشاشةً ممَّا كان متوقعًا (1). وعلى الرغم من اختفائهم كمجتمع، فإن هناك استمرارية كافية مع خلفائهم، ومعاودة للظهور في نهاية المطاف بحلول القرن الثامن قبل الميلاد، لدرجة أنني أضعهم في هذه الفئة بدلًا من أدنى فئة. وفيما يلي ما يستنِد إليه رأيي هذا.
لا يكاد يوجَد شكٌّ في أن المجتمع الميسيني انتهى حوالي عام 1050 قبل الميلاد على أبعدِ تقدير. ونظرًا لانخفاض مستوى المعيشة في اليونان بعد الانهيار، يُمكننا أن نفترض أنهم لم يكونوا مرِنين جدًّا، على الأقل في البداية، وأن الحياة كما عرفوها خلال العصر البرونزي كانت قد انتهت فعليًّا. ولكن ينبغي لنا أن نلاحِظ أنه حتى لو قُلْنا إن مجتمع العصر البرونزي في اليونان انهار تمامًا، فإن الحياة استمرَّت بالفعل لعددٍ كبير من الناس، وخاصة في المستويات الدُّنيا من المجتمع، وإن هناك بالتأكيد استمرارية بين العصر البرونزي والعصر الحديدي في البر الرئيسي لليونان (2).
ومع ذلك، يُمكننا أن نقول أيضًا إن اليونانيين الذين نجَوا في نهاية المطاف حوَّلوا ثقافتهم ومجتمعهم وأعادوا تشكيلهما من الأساس. ولم يكن هذا سهلًا ولا سريعًا، ولكننا نستطيع أن نرى تطورًا في أنماط الفخار، وعادات الدفن، وأنواع المنازل، على سبيل المثال؛ فضلًا عن بعض الاستمرارية، في ألقاب بعض الإداريين (مثل باسيليوس) وأسماء الكثير من الآلهة والإلهات، من زيوس وهيرا وما دونهما. ومع ذلك، وكما ذكرنا في بداية هذا الكتاب، من المُستبعَد وجود مَن يَعدُّ نفسه ميسينيًّا بعد حوالي عام 1050 قبل الميلاد (وحتى إن كانوا في الواقع قد اعتبروا أنفسهم مجموعةً موحَّدة تُسمَّى الميسينيين، بدلًا من كونهم سكان مملكةٍ مُعينة، مثل ميسيناي أو بيلوس).
وحيث إن الناجين تمكنوا في نهاية المطاف من إعادة البناء والبدء في المُضي من جديد على الطريق الذي سيقودهم إلى اليونان القديمة ثم الكلاسيكية؛ فإنني أقترح أنهم ربما بحلول أواخر القرن التاسع وأوائل القرن الثامن قبل الميلاد كانوا قد تعافوا في النهاية بما يكفي، بحيث يمكن نقْلُهم في تلك المرحلة إلى الفئة الأعلى التالية (رقم 3). ومع ذلك، فإنهم، في المتوسِّط عبْرَ الزمن، يظلُّون في هذه الفئة (رقم 4).
وفي هذه الفئة أيضًا، بعد كثيرٍ من المناقشات الداخلية، أودُّ أن أُدرج سكان جزيرة كريت؛ لأنه رغم كونهم أكثر نجاحًا من الميسينيين في التكيُّف، فإنهم فقدوا أيضًا هُويتهم السابقة، أيْ ما نعتبِره «المينويين». وكما أشرنا في الفصل الخامس، فإن المينويين، والمُجتمع المينوي كما كان معروفًا، ولشركائهم التجاريين السابقِين في الخارج أيضًا (أيْ «شعب كِفتيو» عند المصريين و«الكَفتور/الكَفتوريين» عند الكنعانيين والبابليين)؛ لم يعودوا موجودين أصلًا كهُوية مميزة، ربما حتى منذ استيلاء الميسينيين على الجزيرة في منتصف القرن الرابع عشر قبل الميلاد؛ رغم أن كثيرًا من السكان استمرُّوا في اجتياز عملية الانتقال إلى العصر الحديدي، وفي النهاية ازدهروا مُجددًا باعتبارهم سكان كريت القديمة.
ومع ذلك، سأكون أول مَن يُشير إلى أن هذا حُكم شخصي؛ لأن سكان كريت كانوا قادرين بالتأكيد على إجراء تعديلاتٍ ثقافية. ورغم أنهم لم يعودوا إلى مستويات المشاركة المينوية السابقة في التجارة الدولية خلال هذه القرون، فقد تمكنوا من ضمان قدْرٍ من الاستمرارية؛ ممَّا أدى في النهاية إلى نشوء دويلات المدن القديمة على الجزيرة، ويمكن أيضًا اعتبارهم قد انتعشوا بما يكفي للارتقاء في النهاية إلى الفئة الأعلى التالية (على الرغم من أنَّ المتوسط على مَرِّ القرون يُبقيهم في هذه الفئة الحالية). وعلى حدِّ وصف سارو والاس، قد يَعتبر المرءُ هذا «انهيارًا إيجابيًّا»، رغم أنني أودُّ أن أشير مرةً أخرى إلى أنه جاء على حساب فقدان هويتهم باعتبارهم «مينويين» (إما على أيدي الميسينيين وإما نتيجةً للانهيار) (9).
..............................................
(1) See now Jung and Kardamaki 2023: 21-22; Maran 2023: 233-34, 241.
(2) See, e.g., Weiberg et al. 2010; Adcock 2020.
(3) See, e.g., the arguments by Wallace (2006, 2010, 2017, 2018, 2020) re Iron Age Crete, cited above. See also now Pollard 2021, 2022.