(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
خلاصة التفسير: إن المؤمنين والمهاجرين والمجاهدين في سبيل الله يرجون رجاء قويا أن تنالهم الرحمة الإلهية الخاصة المؤمن دائما يعيش حالتي الخوف والرجاء لا الخوف وحده الذي يؤدي الى اليأس من رحمة الله ولا الرجاء المطلق الذي يقوده الى الأمن من مكر الله اليأس من رحمة الله والأمن من مكره لا يتناسبان مع الاعتقاد برحمة الله الواسعة لا قدرته اللا محدودة.
ومع وجود الوعود الإلهية المكررة والحتمية والقطعية بالرحمة والجنة لأهل الإيمان والجهاد فإن السر في التعبير بـ(يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ) [البقرة: 218] في هذه الآية هو الاخطار المحتملة التي تهدد المؤمنين والمهاجرين والمجاهدين دائما من قبيل الشك في تحقق التقوى والخلوص الذي هو شرط في قبول الاعمال وخطر ارتكاب الذنوب في المستقبل الذي يؤدي الى احباط الاعمال.
التفسير المفردات. هاجروا: (الهجر) بالفتح ضد الوصل بمعنى القطع والقطيعة[1].
و(الهجر) بالضم بمعنى الهذيان الذي تشير اليه الآية (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ) [المؤمنون: 67] وعندما يتكلم المريض بأقوال لا تستحق الالتفات ويجب إهمالها يقال عنه: (المريض يهجر).
ويطلق (الهاجرة) على منتصف النهار في المناطق الحارة التي يتميز هواؤها بالحرارة الشديدة التي تدفع الناس الى أن يسكنوا في بيوتهم ويتركوا أعمالهم[2].
و(المهاجرة) في الأصل تعني مفارقة الانسان لغيره وتركه إما بالبدن: (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) [النساء: 34]، أو باللسان والقلب: (إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) [الفرقان: 30].
وقد هجر عامة المسلمين القرآن بينما اعتبره المستكبرين المعاندين (هجرا) بالضم أي والعياذ بالله هذيانا وقول: (إن الرجل ليهجر[3])، كان من هذا الباب باطنا.
ومفارقة الانسان لغيره تكون أحيانا شاملة للأنواع الثلاثة (البدن اللسان القلب) كما في (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) [المزمل: 10][4].
(الَّذِينَ هَاجَرُوا) [البقرة: 218] أي الأشخاص الذين هاجروا من دار الكفر الى دار الايمان كالذين هاجروا من مكة الى المدينة وقيل مقتضى ذلك هجران الشهوات والأخلاق الذميمة والخطايا وتركها ورفضها[5].
جاهدوا: (الجهد) هو بذل غاية الوسع والسعي الشديد الى أقصى حدوده و(الجهاد) بالفتح هو الأرض الصلبة.
و(المجاهدة) على وزن (مفاعلة) تعني استمرار السعي الشامل[6].
يرجون: (الرجاء) ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة[7]، وهو ضد الخوف.
والخوف حالة اضطراب تنشأ من مجابهة ضرر قطعي أو احتمالي ويقتضي الصبر. أما (الرجاء) فهو حالة الرغبة وتوقع حصول الخير الذي يعيد الانسان نفسه لتلقيه[8].
تناسب الايات: كان مضمون الآيتين السابقتين هو تشريع الجهاد وبيان بعض حدوده والإشارة الى حكمته وتأتي هذه الاية استمرار الهاتين الايتين فترغب المهاجرين والجاهدين في أن يأملوا بالرحمة الإلهية الخاصة لأن الله الغفور الرحيم سوف يغفر لهم خطاياهم ببركة إيمانهم وهجرتهم وجاهدهم ويشملهم بجميع مصاديق رحمته وإذا صدر منهم أحد الأخطاء نتيجة جهلهم كالقتل في الشهر الحرام فستشملهم الرحمة الإلهية الواسعة.
[1] معجم مقاييس اللغة ج6 ص34 هـ ج ر.
[2] راجع: مجمع البحرين ج4 ص408 هـ ج ر.
[3] راجع: صحيح البخاري مج2 ج6 ص11.12 الطبقات الكبير ج2 ص215 الملل والنحل ج1 ص31 بحار الانوار ج30 ص535
[4] سورة المزمل الاية 10 مفردات ألفاظ القرآن ص833 هـ ج ر.
[5] مفردات ألفاظ القرآن ص833 هـ ج ر.
[6] التحقق في كلمات القرآن الكريم ج2 ص136 ج هـ د.
[7] مفردات ألفاظ القرآن ص346 ر ج ا.
[8] التحقيق في كلمات القرآن الكريم ج4 ص79 ر ج و.