0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين

اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة

العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات

الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور

العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون

احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام

مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة

التاريخ الاسلامي

السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام

الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان

علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)

الدولة الاموية

الدولة الاموية *

الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد

الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية

الدولة العباسية

الدولة العباسية *

خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل

خلفاء بني العباس المرحلة الثانية

عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله

عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله

عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية

التاريخ الحديث والمعاصر

التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا

تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر

تاريخ حضارات شرق اسيا

تاريخ الحضارة الصينية

تاريخ الحضارة اليابانية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

نحو نظام اجتماعي جديد (الاقتصاد الجديد)

المؤلف:  رؤوف عباس

المصدر:  التنوير بين مصر واليابان

الجزء والصفحة:  ص 72 ــ 79

2026-08-05

38

+

-

20

أبدى فوكوزاوا اهتمامًا مبكرًا بالاقتصاد عندما كتب عن العملة الورقية والشركات التجارية في كتابه «أمور غربية» كما ترجم القسم الأول من كتاب بورتون عن الاقتصاد السياسي (طبعة أدنبرة 1852م) وجعله ملحقًا لكتاب «أمور غربية» تناول فيه الجوانب الاجتماعية-الاقتصادية. وبعد ذلك بسبع سنوات (1873م) ترجم فوكوزاوا كتابًا في طرق المحاسبة، كتبه عام 1871م مدرسان بإحدى المدارس التجارية الأمريكية، ويهمُّنا هنا المقدِّمة التي كتبها فوكوزاوا لتلك الترجمة، وما وجَّهه فيها من نقدٍ للقيم اليابانية التقليدية الخاصة بالتجارة والأعمال المالية؛ فقد ذكر أن اليابان شهدَت في الأزمنة القديمة مَن حقَّقوا ثرواتٍ طائلة، وأنهم كانوا يُضطَرون أحيانًا إلى اكتنازها في قدورٍ ودفنها في الأرض؛ لأنهم لا يعرفون شيئًا عن الاقتصاد العالمي، ولا يعرفون كيف يبذلون الجهد في هذا المجال، ولا يدركون منافع التجارة.1

وأنحى باللائمة على العلماء الذين تقاعسوا عن دراسة الاقتصاد؛ لأنهم لم يهتمُّوا بالتجارة وعدُّوها نشاطًا غير جدير بالاحترام وبالدراسة؛ فهم يعتقدون أنه كلما انغمس العالم في دراسة أصبح قادرًا على التحليق في السماء، بينما الفلاحون والتجار الجهلاء يخجلون من أنفسهم، وبذلك نفَر العلماء من عالم الفلاحين والتجار.2 وبذلك وقع على عاتق أهل العلم بعلوم الغرب أن يُنيروا الطريق لملايين الفلاحين والحرفيين والتجار بما يقومون به من دراسات عن الاقتصاد.3

وتضمَّنَت ترجمة فوكوزاوا لفصول كتاب بورتون عن الاقتصاد السياسي شرحًا للاحتكار والمنافسة، وكان على فوكوزاوا أن يصوغَ المصطلحاتِ اليابانية الخاصة بها لأول مرة، شارحًا فوائدَ المنافسة الحرة والمضارَّ التي تلحق بالاقتصاد نتيجة الاحتكار.4

ويعكس هذا الموقف اهتمام فوكوزاوا بالاقتصاد الليبرالي الذي كثيرًا ما عبَّر عنه في خُطَبه؛ فقد كان يعارض دائمًا القيم التقليدية التي تحدِّد المكانة الاجتماعية للناس وتُلزمهم بها، وبذلك تحول دون حدوث حَراكٍ اجتماعي؛ لذلك دعا فوكوزاوا إلى الفردية، فقال: «إن الثروة والشهرة لا تخصُّ الأسرة ولكنها تخص الفرد … ونحن نعيش في زمان يُقيَّم فيه الفرد حسب مواهبه، ويُحاسَب عما يقع منه من تقصير.»5

وأعلن فوكوزاوا أن نظرياته في الاقتصاد هي أن يكسبَ كلُّ فردٍ عَيْشه بعرَق جبينه؛ لأن ذلك هو قانون الطبيعة،6 فإذا لم تكن فرص العمل متاحةً في الوطن فقد يهاجر المرء إلى بلادٍ أجنبية طلبًا للرزق، ولكن فوكوزاوا لم يشجِّع على هجرة العمالة غير الماهرة إلى الخارج، متخذًا من تجربة العمال الصينيين في أمريكا نموذجًا لذلك، فيذكُر أنهم يُعامَلُون معاملةَ الكلاب والخيول، رغم أنهم يعودون إلى وطنهم بعد عدد من السنين يقضونها في أمريكا وقد كوَّنوا بعضَ المدَّخرات، ورأى أن تقتصر الهجرة إلى الخارج على المتعلِّمين الذين تلقَّوا تعليمًا غربيًّا إذا لم تُتَح لهم فرصةُ العمل في اليابان.7

وذهب فوكوزاوا إلى أن الأعمال التجارية والصناعة هي بمثابة الأم بالنسبة للعلم؛ فلا يمكن أن يتحقَّق شيءٌ في ميدان التعليم دون تقدُّم الصناعة والتجارة في اليابان. وكان التقدُّم الاقتصادي لليابان الشغل الشاغل لفوكوزاوا؛ ففي خطبة ألقاها في 3 فبراير 1884م وجَّه نقدًا مريرًا للقصور الذي عانت منه التجارة اليابانية عندئذٍ، وقدَّم مقترحه بتنمية العمل التجاري، جاء فيها: «يجب علينا أولًا أن نضع نظامًا ثابتًا موحدًا للمقاييس لكل أنواع السلع التجارية، وأن نصرفَ اهتمامنا إلى السلع السيئة فنضع القوانينَ التي تُقاوم هذه الظاهرة، ولكن نشر الكتب دون إذن أصحابها أو وضع علاماتٍ على المنتجات لنسبتها إلى منتجٍ آخر تُعَد جرائم يصعُب اكتشافها أو منعها، كما أنه لا يُوجد تطابقٌ بين العينات التي تُعقد على أساسها الصفقات وما يتم بيعه بالفعل، ومثل هذه الممارسات للغش تؤدِّي إلى ركود التجارة. كما يجب أن يكون هناك حدٌّ فاصل بين تجارة الجملة وتجارة المفرَّق (القطاعي).»8

وفي نفس الخطبة اقترح فوكوزاوا أن تتم دراسة السوق الحديثة لتلافي ما تُعانيه التجارة من صعوبات، فقال: «إن هناك مَن يتجاهلون عامل التكلفة تمامًا، ويبيعون منتجاتهم بأسعارٍ بالغة الانخفاض، أو يُقبلون على الاتجار بسلعٍ لا يعلمون شيئًا عن مدى حاجة المستهلكين لها، ونتيجة لذلك حطَّم التجار بعضهم بعضًا، كما أن العلاقة بين تاجر الجملة وتاجر المفرَّق عانت من مشكلاتٍ كثيرة، وانتهت بدمارهما معًا.»9

وفي خطبةٍ أخرى كتبها فوكوزاوا ليُلقيها أسابوكي آي جي، وهو رجلٌ أصبح مديرًا لشركةٍ تجارية، وكان يُريد إلقاء خطبة في حفل افتتاح الشركة في أغسطس 1880م، فكلَّف فوكوزاوا بإعداد الخطبة له. واتخذ فوكوزاوا في هذه الخطبة موقفًا معاديًا من التجارة الأجنبية في اليابان، قائلًا: «إن ارتفاع شأن التجار الأجانب في اليابان يُعَد نتيجةً طبيعية؛ فمن الناحية السياسية لم تفقد اليابان شبرًا واحدًا من أرضها، ولكن من الناحية التجارية نستطيع القول إن الأجانب نجحوا في غزو بلادنا، وليس أمامنا اليوم إلا طريقٌ واحد لا بديل له، أن ننتزع من الأجانب الامتيازات التي حصلوا عليها في مجال الأعمال التجارية، وأن نوسِّع نطاق تجارتنا الوطنية. وعلينا نحن اليابانيين أن نغزوَ بتجارتنا البلادَ الأجنبية وأن نبيعَهم بضائعنا في بلادهم، وأن نشتري منتجاتهم لنبيعَها في بلادنا، وهذا ما يُسمُّونه الاستيراد والتصدير «المباشرَين».»10

وبالإضافة إلى الشرح المختصر الذي قدَّمه فوكوزاوا عن العملة الورقية الأوروبية في الجزء الأول من كتابه «أمور غربية»، نشر فوكوزاوا عام 1878م، كُتيبًا بعنوان «العملة» ناقش فيه المشاكل المالية والنقدية التي وقعَت في أوائل عصر مايجي، ذكَر فيه أن الإدارة الخاصة في النقد لا تحتاج إلى الاحتفاظ بأرصدةٍ كبيرة إلا ما يكفي لشراء الطعام من الخارج في حالة وقوع المجاعة، ويعكسُ هذا تجربةَ فوكوزاوا مع العملة الورقية وما ذهب إليه من أن طرح تلك العملة يساعد على الرواج التجاري، ويدفع بعَجلة النمو الاقتصادي إلى الأمام؛ ولذلك لم يكن يُلقي بالًا إلى مسألة الأرصدة اللازمة لتغطيتها.

وفي مارس 1882م عدَّل فوكوزاوا أفكاره الخاصة بالعملة، في مقالٍ افتتاحي نشَره بصحيفته، فاعترفَ بخطأ الرأي الذي أورده في كتابه عن العملة، ووافق على سياسة إنقاص حجم العملة المتداوَلة، ولكنه رأى أن سياسة التقتير التي يتبعُها وزير المالية متسوكاتا على درجةٍ كبيرةٍ من الحدة تجعلها عاجزةً عن الاحتفاظ بالتقدُّم الاقتصادي الذي تحقَّق عندئذٍ.11

ويتضح من هذا أن فوكوزاوا كان متأثرًا بفكرة العملة الورقية التي لا أرصدة لها، والتي كانت مستخدمةً في عصر طوكوجاوا، وقد تكرَّر هذا التمسُّك بالموروث التقليدي في دنيا الاقتصاد عند نقده لتشريع العمل الصادر في 1896م، فطالَب بأن تُطبَّق التقاليدُ الخاصة التي كانت تحكُم العلاقات بين سيد الإقطاع والفلاحين على العلاقة بين أصحاب العمل والعمال في الصناعة؛ لأن لليابان تقاليدَها الخاصة في مجال العمل، وبرَّر اعتراضه على تشريع العمل بأنه سيؤدي إلى تقليل فرص العمل ومن ثم إنقاص أجور العمال نتيجةَ إنقاصِ ساعات العمل، وزعم أن مشروع القانون لا يناسب الأوضاع في اليابان؛ لأنه جاء ترجمةً للقوانين الغربية. وبذلك عبَّر فوكوزاوا عن وجهة نظر دوائر الأعمال في اليابان — في ذلك الوقت — وتبنَّى مصالحهم، غير أن فكرته الخاصة بتطبيق تقاليد العمل في القرية على قطاع الصناعة قد استُخدِمَت كإجراءٍ مؤقَّت؛ فقد كان يرى أنه عندما تبلغُ الصناعةُ اليابانية درجةً عاليةً من التطور يمكن إدخال تشريعات العمل الحديثة.12

ورغم ذلك كان فوكوزاوا يُعارِض المساس بحرية العمال في الحركة وبحقوقهم المدنية، واعترض على هجوم البوليس على العمال لفضِّ إضرابات 1898م، وأيَّد حقَّهم في تكوين النقابات للدفاع عن مصالحهم. وكانت دعواه إلى تطبيق تقاليد العمل في القرية على قطاع الصناعة تعتمد على طبيعة العلاقة بين عامة القرية والسيد الإقطاعي، التي كانت تُعَد — نظريًّا — علاقةً أبوية؛ فلا يحكُمها إلا الاختلاف في المكانة الاجتماعية.13 ويعني ذلك أن فوكوزاوا لم يلفظ تمامًا الموروث التقليدي، ولكنه قَبِل بما اعتقد فيه النفع وما رآه مناسبًا للمجتمع.

وبينما كان فوكوزاوا يميل إلى اتخاذ مواقفَ براجماتية تجاه الاقتصاد، فقد ظل ليبراليًّا يتطلع إلى تحقيق التنمية في قطاعَي الأعمال التجارية والصناعية على طريق الرأسمالية، وكان ذلك أيضًا موقفَ رفاعة الطهطاوي.

فقد تعرَّض رفاعة الطهطاوي للظواهر الاقتصادية وما ارتبط بها من أمور في كتابه «مناهج الألباب»، وتأثَّرَت أطروحاته بالفكر الليبرالي الاقتصادي الغربي الذي شاع في أوائل القرنِ التاسعَ عشر، ولكن كان عليه أولًا أن يقومَ بمراجعةٍ نقديةٍ للأفكار التقليدية المتعلقة بالثروة، التي كانت سائدة في العالم الإسلامي في ذلك الوقت. وقد شاع الاعتقاد أن انكباب الناس على تكوين الثروات قد يُلهيهم عن العبادات؛ ومن ثَم يشغلهم عن العمل لآخرتهم. رغم أن ذلك الاعتقاد ليس له جذورٌ للعقيدة الإسلامية، وإنما يرجع إلى الظروف التي عاشتها الثقافة الإسلامية في مرحلةٍ من مراحل الضعف في العصور المتأخرة، إلا أنه كان يشكِّل جزءًا من الثقافة الشعبية الدينية التقليدية. وقد انتقد الطهطاوي ذلك الموقفَ من الثروة، ودعا إلى تحقيق الثروة كنوعٍ من التحدث بنعَم الله، وذكَر أن كلَّ من يجمع المال لنفعه الشخصي جديرٌ باللوم، أما من يجمع المال من أجل توظيفه فيما يعود على مجتمعه بالمنفعة، فجديرٌ بالتقدير في الدنيا والآخرة.14

ودعم الطهطاوي رؤيته لهذا الجانب من الحياة الدنيوية بالأحاديث النبوية والمأثور عن الصحابة الذين كوَّنُوا ثرواتٍ كبيرة في صدر الإسلام لا لينتفعوا بها وحدَهم، ولكن لتنتفع بها الجماعة، ولتُنفق في وجه الله؛15 فجمعُ المالِ مطلوبٌ للإنفاق على الأعمال الخيرية، وعلى الخدمات التي تعود بالنفع على المجتمع في الحاضر والمستقبل، كالمرافق العامة، والمنشآت الدينية، وغيرها؛ فالأمم تحقق الثراء من خلال تنمية «المنافع العمومية»؛ أي الاقتصاد بمختلف مجالاته، الذي يُعد قاسمًا مشتركًا بين أبناء الوطن، لكلٍّ منهم نصيبٌ فيه.16

ويرتكز الإنتاج الاقتصادي عند الطهطاوي على دعامتَين؛ العمل، ورأس المال، وأبرزَ دورَ العمل في تكوين ثروة الأمة بما يضيفه من قيمةٍ كبيرة إلى الموارد الطبيعية، وبذلك يُعَد العمل محدِّدًا هامًّا لمستوى تطور الأمة — مقارنةً بغيرها من الأمم — وفي ذلك يقول: «إن الأمة المتقدِّمة في ممارسة الأعمال والحركات الكدِّية ذات الكمالات في العملية، المستكملة للأدوات الكاملة والآلات الفاضلة والحركة الدائمة، قد ارتفعَت إلى أعلى في درجات السعادة والغِنى بحركات أعمالها، بخلاف غيرها من الأمم — ذات الأراضي الخِصْبة الواسعة — الفاترة الحركة؛ فإن أهاليها لم يخرجوا من دائرة الفاقة والاحتياج، فإذا قابلتَ بين أغلب أقاليم أوروبا وأفريقيا ظهر لك حقيقةُ ذلك.»17

وتناوَل الطهطاوي العلاقةَ بين العمل ورأس المال مفضلًا الأول باعتباره مصدرَ ثروة الأمة، وأنه يُساهم في تنمية مواردها الطبيعية، وفي ذلك يقول: «الفضل للعمل، وأما فضل الأرض فهو ثانوي تبعي، وهذا الذي يعتمده أهل الفلاحة، ويستدلُّون على ذلك بأنه لا يمكن إيجاد الخِصْب في الأرض إلا بدوام الشغل واستمرار العمل، وإلا لبقيَت مُجدِبةً إذا انقطع الشغل عنها؛ فإن الشغل يعطي قيمةً لكل الأشياء.»18

ولكن رغم ما للعمل من قيمةٍ اقتصاديةٍ كبيرةٍ عند الطهطاوي، إلا أن نصيبه من عائد الإنتاج محدود، بينما يحصُل رأس المال على القسط الأكبر من العائد. ويُعطينا الطهطاوي مثالًا على ذلك في العلاقة بين صاحب الأرض والفلاحين في مصر؛ فقد كان الطهطاوي نفسه واحدًا من كبار المُلاك، ويذكُر أن أصحاب الأرض هم الذين يَجْنون ثمارَ العمل الشاق الذي يقوم به الفلاحون، ويحتكرون المحاصيل، ويحصُلون لأنفسهم على الجزء الأكبر من عائد الإنتاج، ولا يتركون للفلاحين إلا أجورًا ضئيلة لا تتكافأ مع قيمة ما يبذلون من عمل، فلا يحصل العمال إلا على ما يسُد رمقَهم بينما يخرج أصحاب رأس المال بالنصيب الأكبر، ويبرِّر أصحابُ رأس المال ذلك بتغطية ما تحمَّلوه من تكاليف، وبأن لهم حقَّ التمتُّع بعائد استثمار أموالهم التي هي ملكٌ خاص لهم، ولا يستطيع العمال سوى القَبول بأجورهم المتدنِّية، التي لا تكاد تكفيهم مطالبَ الحياة الضرورية.19

ولا يعني ذلك أن أفكار الطهطاوي الاقتصادية قد اتجهَت نحو الزراعة وحدها؛ فالنموذج الذي طرحه فيما سبق كان سبيلًا لإيضاح فكرة غياب التوازن بين العمل ورأس المال لقُرائه الذين ينتمون إلى مجتمعٍ زراعي؛ فقد تضمَّنَت أفكاره الاقتصادية الإشارة إلى الأموال المستثمَرة في الصناعة والتجارة أيضًا، فيذكُر أن أصحاب رأس المال يحتكرون عائدَ الصناعة والتجارة على نحوِ ما يفعل مُلاك الأراضي الزراعية.20 وحذَّر كبارَ المُلاك وأصحابَ رأس المال من الآثار السلبية والاضطرابات الاجتماعية التي قد تنتُج عن تدنِّي أجور العمال ونصيب العمل من عائد الإنتاج.

وكان اهتمام الطهطاوي بالاقتصاد يتسع ليشمل مختلف الأنشطة الاقتصادية، مثل التحكُّم في الموارد الطبيعية، واختراع الآلات والمُعدَّات، وابتداع طرقٍ جديدة للإنتاج في مختلف مجالات الاقتصاد، فكتب عن رأس المال المُنتِج ورأس المال غير المُنتِج، وصنَّف التجارة والصناعة والزراعة تحت النوع الأول وصنَّف قطاع الخدمات العامة تحت النوع الثاني.21

ولفَت الطهطاوي أنظارَ القارئ المصري — لأول مرة — إلى مبادئ الاقتصاد الحديث، باعتباره فرعًا أساسيًّا من فروع المعرفة، فذكر أنه عندما تحقِّق المعرفة الاقتصادية تقدمًا في البلاد، فإن ذلك ينعكس على التجارة والصناعة، وقد تؤدِّي إلى اختراع آلاتٍ وأدواتٍ جديدةٍ لمصلحة الزراعة والصناعة والتجارة، ودراسة الأمور الاقتصادية تُساهم في تنمية الاقتصاد وتحقيق الرفاهية، من خلال الاستغلال الأمثل للموارد.22

واعتبَر الطهطاوي تراكُم رأس المال أساسَ ثروة الأمة والمحرِّك للإنتاج القومي، ودعا إلى استثمار الأموال في أصول الشركات، كالشركات المساهمة، والشركات المالية، والبنوك التي أسماها «الجمعيات الاقتراضية» فيذكُر أن هناك أمورًا نافعة للاقتصاد، مثل «الشركات السلمية» ويقصد بها الشركات المساهمة، و«الجمعيات الاقتراضية» التي تقدِّم القروض للمشروعات الصناعية والزراعية، والتي لا تستطيع الأمة — بدونها — أن تُحرِزَ التقدُّم الاقتصادي؛ ولذلك وجب على الحكومة أن ترفعَ كلَّ القيود التي تحدُّ من حركتها، وأن تضمنَ الحرية الاقتصادية لجميع مواطنيها.23

وقدَّر الطهطاوي أهمية المنافسة كعاملٍ أساسي في تكوين رأس المال وتنمية الاقتصاد، وانتقد القيم التقليدية المتوازنة التي تعتبر المنافسة نوعًا من الرذيلة، فذكَر أن المنافسة تتقدَّم كل الفضائل التي يجب أن يتحلى بها المجتمع وتُعَد أكثرها نفعًا؛ فالمنافسة هي التي حقَّقَت التقدُّم للأمم المتحضرة، ولكنها يجب أن تقتصر على ميادين المعرفة والمنافع العمومية (الاقتصاد) وليس على مجال اقتناء وسائل الرفاهية.24

واعتبر الطهطاوي الإنتاج — كمًّا وكيفًا — من سِمات الحضارة، ومحدِّدًا هامًّا للتمييز بين الأمم المتحضِّرة؛ فالتقدم في التجارة والصناعة والزراعة يساعد على رُقي الأمة، وبذلك وقع على عاتق الدولة ضمانُ الحرية الاقتصادية في مختلف المجالات تحقيقًا للرخاء، ولكن قد تُضطَر الدولة — في ظروفٍ معيَّنة — أن تضع قيودًا تحدُّ من نطاق الحرية الاقتصادية، إذا وجدَت أن الناس لم يتأهلوا بعدُ لممارستها.25

ونستطيع أن نتبيَّن من ذلك الدافع الذي جعل الطهطاوي يضع هذا التحفظ؛ فقد كانت الدولة في مصر عندئذٍ تضع قيودًا على بعض المجالات الاقتصادية؛ فموقفه هنا جاء على سبيل تبرير تلك السياسة، رغم اقتناعه التام بأهمية الحرية الاقتصادية في تحقيق تقدُّم الأمة.

وذهب الطهطاوي إلى أن الدولة يجب أن تُصدِرَ القوانين المنظِّمة للأعمال الصناعية والتجارية والزراعية، وناقَش بالتفصيل القانون التجاري الغربي، وبيَّن صلاحيتَه للتطبيق في مصر التي تُبيح — من وجهة نظر الشريعة الإسلامية — الاجتهاد في مجال المعاملات، وفي ذلك يقول: «ومَن أمعَن النظر في كتب الفقه الإسلامية ظهر له أنها لا تخلو من تنظيم الوسائل النافعة من المنافع العمومية؛ حيث بوَّبوا للمعاملات الشرعية أبوابًا مستوعبة للأحكام التجارية، كالشراكة، والمضاربة، والقرض، والمخابرة، والعارية، والصلح، وغير ذلك. ولا شك أن قوانين المعاملات الأوروبية استُنبِطَت منها، كالسفتجة، التي عليها مبنَى معاملات أوروبا، ولم تزل كتب الأحكام الشرعية إلى الآن تُتلى وتُطبَّق على الحوادث والنوازل علمًا لا عملًا كما ينبغي … إنما مخالطات تجار الغرب ومعاملاتهم مع أهل الشرق أنعشَت نوعًا هِمَم هؤلاء المشارقة، وجدَّدَت فيهم وازعَ الحركة التجارية، وترتَّب على ذلك نوعُ انتظام؛ حيث تُرتَّب الآن في المدن الإسلامية مجالسُ تجاريةٌ مختلطة لفصل الدعاوى والمرافعات بين الأهالي والأجانب، بقوانين في الغالب أوروبية، مع أن المعاملات الفقهية لو انتظمَت وجرى عليها العمل لما أخلَّت بالحقوق.»26

وأكَّد الطهطاوي أن من واجب الدولة أن تشجِّع التجارة الخارجية في توفير وسائل النقل وتأمين سلامة التجار الأجانب. واقترح أن تقوم الدولة بتحويل الأوقاف إلى مؤسَّسةٍ اقتصاديةٍ إنتاجية باستثمار أموالها في مشروعات الخدمات، كالصحة، والأعمال الخيرية، وطالب الدولة بفرض ضريبةٍ للدخل على جميع المواطنين دون تمييزٍ يُنفق عائدها على الخدمات العامة.27

ويتضح مما تقدَّم أن الطهطاوي كان أكثر اهتمامًا بالفكر الاقتصادي النظري؛ فلم يهتم بالشئون الاقتصادية اليومية، ولم يحدِّد موقفه منها كما فعل فوكوزاوا؛ فقد قدَّم الطهطاوي رؤيتَه لما يجب أن يكون عليه الاقتصاد المثالي، بينما اهتم فوكوزاوا بمعالجة المشكلات التي كان يُعاني منها اقتصاد بلاده، وقدَّم أفكاره بشأنها، غير أن الرجلَين اتفَقا في موقفهما النقدي من الموروث الثقافي التقليدي المتعلق بالعمل ورأس المال، بقَدْر ما اتفقا في المنطلَق العام لأفكارهما الخاصة بإعادة النظر في العلاقات الأسرية في ضوء الأفكار الحديثة.28 

.................................................

(1) Fukuzawa, On Education, p. 80.

(2) Ibid., p. 81.

(3) Ibid., p. 82.

(4) Nishikawa Shunsaku, The Historical Legacy in Modern Japan, p. 3.

(5) Oxford, W. H., The Speeches of, p. 220.

(6) Fukuzawa, On Education, p. 236.

(7) Oxford, W. H., p. 218.

(8) Ibid., pp. 208–213.

(9) Ibid., pp. 213-14.

(10) Ibid., p. 202.

(11) Nishikawa, pp. 3-4.

(12) Ibid., p. 5.

(13) Ibid., p. 6.

(14) الطهطاوي، مناهج الألباب، ص39.

(15) نفس المرجع، ص40.

(16) نفس المرجع، ص99.

(17) نفس المرجع، ص59.

(18) نفس المرجع، ص57.

(19) نفس المرجع، ص62.

(20) نفس المرجع، ص63.

(21) نفس المرجع، ص 70–73.

(22) الطهطاوي، المرشد الأمين، ص130.

(23) الطهطاوي، مناهج، ص371-372.

(24) الطهطاوي، المرشد، ص262.

(25) نفس المرجع، ص129.

(26) الطهطاوي، مناهج، ص108.

(27) نفس المرجع، ص31، 69، 86.

(28) نفس المرجع، ص136. 

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد