أصدر الملك أولينغ قرارًا بتعيين «جوشاو» في منصب «المعلم المستشار للأمير» وقال: «كنت ذات مرة، أتفقد الأقاليم، فلما مررت في طريقى ببلدة «فانو» (رأيتك) وكنت وقتئذٍ صبيًّا حدثًا، أما ما شد انتباهي، فهو أن كل البالِغين في البلدة، أثنوا على طاعتك وبِرِّك بوالديك مما حَدَا بي أن أحمل إليك حجر اليشب [حجر كريم] والخبز والنبيذ، هدية لك، بل أرسلت إليك لألقاك، لكنك اعتذرتَ عن المقابلة بسبب مرضك، وجاءني من يعرفك جيدًا، وتحدث عنك، قائلًا: «إن البار بوالده هو المخلص الوفي لسيده.» وإني لمقتنع بأن ذكاءك وحلمك وحسن منطقك كفيل بالتأثير في الناس أيما تأثير كما أن إخلاصك وخلقك الكريم ونقاء معدنك خير مُعين في مواجهة المِحن والعقبات، وميزة الإخلاص أنك ستُصارحني بكلِّ ما يعتمل في ذهنك، وفضيلة البر والوفاء بالعهد أنك ستبقى على مرِّ السنين، مخلصًا لا تتبدل مع الأيام، وقد جاء في أحد أبيات الشعر (مجهولة المؤلف) ما نصُّه:
«استعن بالشجاعة على المحنة،
ولتضبط الحكمة ما بددته الفوضى
وما تركه العبث مهملًا سائبًا.
تلك هی عدتك للأيام،
وليكن مستشارك هو ساعدك الأيمن،
وقد تجلى لك أصيل معدنه،
وليكن العلم عمادك في
تهذيب الأجيال الناشئة،
فذلك منهاج العدل والحق،
وليس مع استقصاء المعرفة
خوف ولا محنة!»
فلذلك، وددت لو ارتديت رداء أهل «خو» وشمَّرت عن ساعد العون لأميرك، ملك البلاد».
ورد عليه جوشاو قائلًا: «جانَبك الصواب، يا مولاي إذ وقع عليَّ اختيارك، فلستُ بالرجل الذي يقدر على تحمل ما أسندت إليَّ من مسئولية.» فقال له الملك أولينغ: «ليس أخبر من الأب بولده، إذا ما وقع عليه اختيار (لمهمة ما) ولا أفقه من الملك بوزرائه، إذا عنَّ له أن يفاضل ويختار، وأنا، عندئذٍ، الملك، سيد البلاد.» وهنالك قال له جوشاو: «إن تنصيب المعلم المستشار يقوم على معيارٍ أساسي ذي ستة بنود.» فسأله الملك عن تلك البنود، فأجابه: «أن يدرك تقلبات الأمور بعين الحصيف الذكي غير المراوغ الداهية، وأن يكون مُلمًّا بقواعد الأخلاق، ذا حلم وقلب رحيم؛ وأن يكون ذا عزم وجد، في غاية الانضباط فيما يتعلق بواجباته الوظيفية دون تراخٍ أو تهاون وألا يفسد باطنه أمام المصلحة الأنانية مهما عظمت؛ وألا يتهاون فيما يتعلق بالهيبة والاحترام وأصول المعاملات (الأخلاقية)؛ وأن يكون ليِّن الجانب لطيف المعاملة مع مرؤوسيه بغير تبذُّل أو رياء.
فمن حاز تلك الصفات الست، كان جديرًا بمنصب المستشار المؤدب لولد جلالته، بيد أني لا أجد في نفسي واحدةً منها، إذ إن أسوأ ما يَعيبني هو أني فاتر الهمة خامل الإرادة، لا أقول الحق في صراحة ووضوح وهو ما يعني أني إذ أُضطر إلى … الإذعان للأمر الملكي فسوف ينجم عن ذلك … انتهاك قدسية الوظيفة الرسمية مما يُعرِّض المسئول نفسه للمتاعب، ويلحق به الذل والمهانة؛ فلذلك أرجو من جلالتكم العدول عن اختیاري لهذا المنصب.»
وتكلم الملك أولينغ، فقال: «فبعد أن أحطتني علمًا بالبنود الستة، فإني أكلفك بتولي مسئولية هذه الوظيفة.» فرد عليه جوشاو، قائلًا: «إن الناس في كل أرجاء البلاد، الآن، ما زالت في حيرة وبلبلة، ولا تفهم بعدُ ما يقصد إليه الملك بشأن استعمال الزي المنسوب إلى شعب «خو»؛ وإذ أصبح وزيرك بعد أن تُكلفني بموقع وظيفي مُهم جدًّا ومرموق، فهل يصير من حقي الاعتراض على تنفيذ الأوامر خصوصًا في مثل هذه الظروف المُحيطة بنا؟» ولم يسع جوشاو إلا أن يشكر جلالة الملك على ثقته الغالية به، فتكرم عليه الملك بإهدائه كسوة من رداء «خو».
وقال الملك أولينغ: «إني إذ أسند إليك مهمة المعلم المؤدب للأمير، فإنما أريدك أن تبذل له الحُب والرعاية الواجبة، وأن تُبين له كيف يكبح جِماح نفسه، وأن يصد عن ذاته غوائل النفس وخبث الطويَّة؛ وذلك بأن تُرشده إلى سُبل الحق والعدل، ولا تدعنَّه يشقى بالدرس والمطالعة، ولتقُم على شئون البيت الملكي بما يوافق إرادة سيد البلاد، فلا تخالف له إرادة ولا تعصِ له أمرًا. ويجب على من يتولَّى للملك شأنًا أن يكشف عن أحسن الخصال وأن يرد النفس عما يعرض لها من المزالق.
إن بلدًا يقوم بين جنباتها مثل هذا الوزير لهي أسعد البلاد حظًّا، فإن سرت على هذا النحو، ووفيت حق الوظيفة وواجب المسئولية، فنعم إذن.
وقد ورد في كتاب «شانغ شو» [السجلات التاريخية] ما نصه: «إن عزمت على استئصال شأفة السوء، فلا تتردَّد، وإن اتخذت عاملًا حكيمًا فاضلًا، فلا تقهر.» وقد اخترتك وفضلتك على الجميع وقُضي الأمر على ذلك!».
ثم إنه خلع على جوشاو خلعة سنية؛ إذ أهداه رداء أهل خو وغطاء رأس مما يلبسونه، وزنارًا جلديًّا مطرزًا بأبهى زينة، مزودًا بقفل ذهبي بديع، تكريمًا له إثر تكليفه بالعمل مؤدِّبًا لولده الأمير.