تحالفت جاو مع باقي الممالك استعدادًا لمهاجمة دولة تشي بتلك القوة الكثيفة؛ وأرسل سوتشين إلي هوين، ملك جاو، كتابًا [يدافع فيه عن موقف تشي] يقول له فيه: «قد بلغني يا مولاي أن الخصال الكريمة للملوك الحكماء، فيما مضى من العصور القديمة، لم تكن تنتشِر من خلالهم لتعم الديار كلها، وتفيض على رعاياهم، ولا كانت مواعظ الرحمة وتعاليم العدل تسري في نفوس الناس جميعًا، ولا حدث، ولو مرة واحدة، أن كانت القرابين والأضاحي المهداة إلى المعابد سببًا في استجلاب رضا الأرواح من عالم الغيب، بل لم يهبط على الناس من علياء السماء سوى ندى شهي المذاق، ولا جاءت من لدن الغيب إلا الريح والمطر في أوقات معلومة (فعمرت الأرض بالخيرات)، وحصد الزراع حصادًا وفيرًا؛ فامتلأت الحواصل بالحبوب والغلال، وانشرحت صدور الناس عندئذٍ، فكان ذلك كله سببًا في عموم الرخاء والسعادة والرضا، إلا الملوك؛ إذ تكدرت خواطرهم لعجزهم عن أن يعطوا الناس كعطاء السماء، وجلالتك أيضًا مثل أولئك الملوك؛ لأنك إذ تعجز عن أن تقدم نفعًا ماديًّا ملموسًا، فإنك بدلًا من ذلك تقعد حزينًا، وتمتلئ نفسك بالقلق والتوتر والكراهية.
وإذا كان صحيحًا أن المراقب لقدراتك وطاقاتك، يلاحظ أنك لم تشتبك في قتال مع دولة تشين ولا حتى حاولت مهاجمتها، إلا أن الملاحظ أيضًا أن ما تحمله ﻟ تشين من ضغائن، وما تراكم في نفسك من الغضب والحنق عليها؛ يفوق كثيرًا ما تشعر به دولة تشي نحوها من كراهية ونفور. وقد أُتيح لي يا مولاي أن أنصت كثيرًا إلى ما يُردِّده الوزراء، بل العامة والدهماء، في كل مكان، فوجدتهم مُتفقين على أنك كنت تتشبث دائمًا بوجهة نظرك القائلة إن تشين لا تحمل إليك سوى الحُب والتفاهم، على عكس ما تُضمره ﻟ تشي من النفور والكراهية. واسمح لي بأن أصارحك بأني تأملت تلك المسألة على ضوء الحقائق، وعلى نحو سِري مضمر [هكذا في المتن] واستغربت جدًّا وأخذت أتساءل: متى كانت تشين تشعر نحوكم بأي صورة من صور الحب والتفاهم، ومتى كانت تبغض دولة تشي وتنفر منها؟! فإنما الحقيقة هنا هي أن تشين تتَّخذ من تشي تُكَأة أو طُعمًا لاصطياد أرض دولتي جو الشرقية والغربية وابتلاع دولة هان؛ إلا إنها تشيع في الأسماع (حكاية) كراهيتها لدولة تشي، رغبة منها في إقناع دول الجوار بذلك، وهي تخشى ألا تُكلل جهودها، في هذا الشأن، بالنجاح، ثم إنها تتظاهر أمام دولتي وي، وجاو بالإغارة على دولة هان، وتفزع من أن تفيق الممالك والدويلات وهو الأمر الذي دعاها إلى الاقتراب من (موضوع) الهجوم على هان (بشيء من الحذر) بغية إزالة الشكوك التي رانت على قلب باقي الممالك؛ فمثل هذه الشكوك تعد أسوأ ما يمكن أن تواجهه من عقبات، فمن ثم أفرجت عن كل من كانت تحتجزهم في أرضها من الرهائن التابِعين لمختلف الممالك والدويلات إظهارًا للثقة، ولا تفتأ دولة تشين تُطلق بين الحين والآخر التصريحات الودِّية فيما يتعلق بكتلة الدول المتحالفة، على الرغم من أنها في واقع الأمر قد أقدمت على مهاجمة دولتي هان وجنغ، وحسب ما توفر لي من ملاحظات عميقة لخُطط دولة تشين، فإني أتوقع أن يكون كل ما تُدبره من حِيل (ودسائس) نابعًا وظاهرًا من تلك النقطة تحديدًا.»
«وبالإضافة إلى كل ما تقدم، فقد انتهت تقديرات وتصورات المُخططين (السياسيين) إلى (مجموعة من الأفكار) خلاصتها أن … «بعد أن قامت دولة هان بإبادة منطقة سانسوان وكذلك بعد أن أقدمت دولة وي على تخريب منطقة جيانغ — الكائنة بدولة جين — فقد أصبحت دولة جاو بين براثن الخطر، وذلك حتى قبل أن تسقط منها مدينة «تساو».
هذا مع العلم بأن طابع مثل تلك الأمور كان ينطوي دائمًا أبدًا على حقيقةٍ مفادها أنه … «قد تتباين وتختلف أنماط المخاطر وراء واجهة واحدة من المواقف ذات الطبيعة المشتركة، وقد يحدث العكس … إذ تتشابه أو تتماثل صور الخطر بينما تختلف المواقف والظروف.
وقد تعرضت دولة تشو في قديم الزمان لغزوات مُتكررة، على مرِّ السنين والأيام من جانب الدويلات المُختلفة (فلم تنل منها كل تلك الغزوات شيئًا … سوى أن دولة جاو انتهزت الفرصة وانقضَّت على منطقة تشون شان فأنزلت بها دمارًا ساحقًا فكان ذلك نموذجًا واحدًا للخطر بين مواقف مُتعددة من التهديدات المُتعاقبة وها هي ذي دولة وي قد استطاعت اليوم الاستيلاء على الجانب الشمالي من دولة تشي، فيما يقدر بثلاثمائة لي تمتدُّ من منطقة شاتشيو إلى بلدة جيولو عند الحدود الشمالية، (بالإضافة إلى جزء آخر من الأرض) يمتدُّ بمحاذاة المنطقة الحدودية في الشمال مسافة ألف وخمسمائة لي من منطقة هانكوان إلى يوتشون (هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى) فقد قامت دولة تشين باحتلال كامل أراضي دولة هان، ومنطقة «شانتانغ» بدولة «وي» مما مكنها أيضًا من أن تبسط نفوذها على جزء ملاصق لحدودها مع دولة جاو، وهو جزء تبلغ مساحته سبعمائة لي، واستطاعت تشين أن تحشد عددًا هائلًا من فرسان ومقاتلي الدول الثلاث لتحصن بهم منطقةً لا تكاد تبعد كثيرًا عن هاندان [إحدى أهم عواصم الدويلات] إذ كانت تبعد عنها مسافة مائة وعشرين لي تمامًا.
ولم تكتفِ تشين بذلك، بل قادت جيوش الدول الثلاث لمهاجمة منطقة شانتانغ مما جعل تخومها الشمالية عرضة للخطر، بل نتج عن هذا الهجوم أيضًا أن صارت الأراضي الواقعة غرب جبل «جيوجو» خارج سيطرة حاكم البلاد، وهكذا (فقد أصبح بإمكان تشي) إغلاق طرق المواصلات عبر ممرات جبل «تشانغ شان»، وهي أرض تمتدُّ حتى منطقتي «تشيوني»، و«تاندي» — داخل حدود دولة يان — بمسافة تبلغ ثلاثمائة لي — وهو ما يعني أن جياد كل من «دايدي» و«هودي» لن يمكنها التوجه شرقًا لجلب الجواهر من تلال كونشان، ويعني أيضًا أن جلالة الملك (في ذلك البلد) لن يعود بإمكانه الحصول على ما يشتهي من الأحجار الكريمة ولا أن يمد سيطرته فوق تلك المنطقة الغنية بمواردها.
وكل ما أخشاه، يا سيدي، هو أن يكون اتِّباعك لدولة تشين، وسيرك على إثرها في معركتها الطويلة مع دولة تشي، سببًا في جر الويلات عليك.
كان حكام الدول الخمس الكبرى — فيما مضى — [الدول الخمس المشار إليها هي: تشين - تشي - وي - هان - يان] قد عقدوا النية على مهاجمة دولة جاو، بموجب ميثاق التحالف القائم بينهم، واتفقوا على تقسيم أرضها فيما بينهم إلى ثلاثة أجزاء، وعقدوا اتفاقًا رسميًّا لتوثيق ذلك التقسيم، وكتبوه على أوعية من النحاس والبرونز، وأقاموا على شرف الاتفاق وليمة كبرى، امتلأت فيها الكئوس وعمرت الأقداح للشاربين، فلما حان خروج قوات التحالف للقتال، سارعت قوات دولة تشي بالتقدم جهة الغرب فأوقفت تحركات دولة تشين ومنعتها من التقدم ونزعت عنها قلادة السيادة فوق الممالك وأجبرتها على إصدار قرار ينفي عن حاكمها التلقُّب «بالإمبراطور» وأن يرتدي جنودها الثياب البيضاء (علامة التكفير عن الأخطاء) وعلامة الخضوع والإذعان وأرغمتها على إعادة الأقاليم الثلاثة: «أوندي» و«جيدي» و«كاوبين» إلى دولة وي، وإعادة إقليمي «سانقون»، «شي تشين» إلى دولة جاو، وهو أمر تعرفه جلالتك تمام المعرفة.
ولا أتجاوز الحق إذا قلت إنه يجب على دولة تشي أن تبذل لدولة جاو ما تستحقه من الإجلال والاحترام والتقدير على النحو الذي ينبغي أن تقوم عليه العلاقات مع الدول ذات الشأن، ومع ذلك فإن الطرفين يستبدلان ذلك بتوجيه الاتهامات وإنذارات القتال، وأخشى يا مولاي، أن يكون مثل هذا الحال سببًا في إحجام المزيد من الدول عن توطيد العلاقات معك في المستقبل، أما إذا بادرت الآن إلى التحالف مع تشي، فسوف تقدر لك الدويلات هذا الصنيع وترى فيك سمات العدل والرحمة مما يسهل على تشي أن تدعو باقي الممالك إلى الوقوف وراءك صفًّا واحدًا والعمل على رفعة شأنك بمزيد الاحترام والتقدير والإكبار؛ وإذ يتأكد لدى تشي صدق وأصالة تَمسُّككم بالرحمة والعدل، فسيكون من دواعي فخرها أن تُقلدكم قيادة عرشها المجيد، (أما أن تتوقع في الوقت الحالي) أن يصدر عن تشي — وهي دونكم ودون مرتبتكم المعروفة بين الأمم — أية أعمال تنمُّ عن البطش والصلف والهمجية فهذا غير وارد بالمرة، إذ إنكم تستطيعون إيقافها عند حدودها بقوتكم وقوة التحالف القائم بين الدويلات.
فهذه، إذن، مقادير هذه الحقبة من التاريخ، وأقدار عهد من العهود قد صارت بأيديكم وتحت سلطانكم، فأرجو تاج عرشكم العظيم التشاور مع مساعديكم بمزيد الدقة والاهتمام فيما أعرضه عليكم من خطط ومراجعة ما تنطوي عليه من صحة المنطق أو فساده كدأب كل مراجعة مُستفيضة لكل عمل من الأعمال والإنجازات الناجحة.»