يكمن في هذه الآية المباركة «إِنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيماً» سرٌّ في غاية العجب، لأنّ الله تعالى أمر فيها بالصلاة على نبيّه، لا عليه وعلى آله، في حين وردت الأحاديث الكثيرة وهي تذكر أنّ الصلاة على النبيّ هي الصلاة عليه وآله.
أي: أنّ النبيّ هو النبيّ وآله. ويعود هذا المعنى إلى شدّة اتّصال نفوسهم القدسيّة به، بحيث لا تُلحظ بين نفسه ونفوسهم بينونة ومسافة أبداً، وقد ارتقوا في مراتب التوحيد والمعرفة وتبوّؤا المقام الذي تبوّأه صلى الله عليه وآله، ولم يتخلّفوا لحظة واحدة عن هذا المعراج المعنويّ والروحيّ ووجدوا نفسه المقدّسة هو الهُويَّة.
هذا هو الوصول إلى مقام الفناء في ذات الله تعالى، وحقيقة الواحديّة والوحدانيّة هي مفاد الولاية الإلهيّة الكلّيّة المطلقة ومعناها، ويستحيل تعدّدها وتجزّؤها، وأنّها محض التجرّد والنور الخالص والبساطة الكاملة.
فالصلاة على النبيّ هي الصلاة على آله، والصلاة عليهم هي الصلاة عليه. ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.[1]
وهناك يكون عنوان محمّد عين عنوان عليّ، ونفس عنوان فاطمة، وحقيقة عنوان الحسن والحسين. وواقعيّة عنوان عليّ ومحمّد وجعفر وموسى وعليّ ومحمّد وعليّ والحسن ومحمّد، أي: لا عنوان.
هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وخَيْرٌ عُقْباً.[2]
ونحن نعلم أنّ الولاية منحصرة بالله سبحانه وحده.
فهذه الولايات جميعها على نحو هُو الهُوِيَّة الواقعيّة، وهي ليست أكثر من ولاية واحدة، لأنّ هناك واقعيّة واحدة واسماً أعظمَ وجوديّاً واحداً لا أكثر، ولا معنى لأكثر من وجود أصيل بحت صِرف واحد.
فاذا قلتم: لما ذا نجد في تفسير هذه الآية التي تُشعِر بهذا المعنى البسيط المجرّد والذات الوحدانيّة، وفيها خطاب الله تعالى للمؤمنين أن يصلّوا على النبيّ وحده، أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله فصل الآل، وعطفها عليه؟!
وكان ينبغي أن يقول أيضاً: قُولُوا: اللَهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ!
والجواب هو: هذا المعنى الدقيق لا يدركه إلّا اولو الولاية وطلّابُ هذه المدرسة الماهرون. وأمّا سائر الناس فلا خلاق لهم منه. فلهذا أمر النبيّ أن تُلحق الصلاة على آله بالصلاة عليه لئلّا يُنسى أصل الصلاة على آله ويودَع في ملفّ الجهل والغفلة والإهمال، وإلّا فالصلاة عليه دون آله ليست في الحقيقة حقيقة الصلاة عليه ولُبّها، ونكشف إنّاً أنّنا لم نُصَلِّ على نفسه الواقعيّة صلى الله عليه وآله، بل صلّينا على رسولٍ مفصول عن آله. من هنا لا بدّ لنا أن نعطف آل محمّد بعينها على محمّد لتتّخذ الصلاة عليه موقعها الحقيقيّ.
وهذا هو السرّ في النطق بالصلاة على محمّد وآل محمّد مباشرة حيثما ذُكر اسم النبيّ صلى الله عليه وآله.
نقول في الصلاة: وأشْهَدُ أنَّ محَمَّداً عبْدُهُ ورَسُولُهُ، وبعدها مباشرة اللَهُمَّ صَلَّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ. ثمّ ندعو للنبيّ فنقول: وتَقَبَّلَ شَفَاعَتَهُ وارْفَعْ دَرَجَتَهُ وقَرِّبْ وَسِيلَتَهُ وأدْخِلْنَا في زُمْرَتِهِ.
جاء في أمالى الصدوق أنّ أمير المؤمنين عليه السلام خطب بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله فقال: بالشَّهَادَتَيْنِ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وبِالصَّلَاةِ تَنَالُونَ الرَّحْمَةَ، فَأكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّكُمْ وآلِهِ «إنَّ اللهَ ومَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا».[3]
نجد هنا أنّ الإمام عليه السلام استدلّ بهذه الآية المباركة التي ذُكِرَ فيها النبيّ وحده للاستشهاد بها على الصلاة على آله.
ونجد أنّ الإمام السجّاد عليه السلام يصلّي على النبيّ وآله بعد ذِكر اسم النبيّ كما جاء في «الصحيفة الكاملة السجّاديّة»، قال عليه السلام: والحَمْدُ للهِ الذي مَنَّ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ دُونَ الامَمِ المَاضِيَةِ وَالقُرُونِ السَّالِفَةِ.[4]
وقال أيضاً: اللَهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ وآلِهِ كَمَا شَرَّفْتَنَا بِهِ، وصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ كَمَا أوْجَبْتَ لَنَا الحَقَّ عَلَى الخَلْقِ بِسَبَبِهِ.[5]
ومن هنا نستطيع أن ندخل في جواب إشكاله من الجهة الثالثة، إذ كان قد قال: في دعاء الصباح والمساء الواردة فيه الصلاة على محمّد وآله: اللَهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ أكْثَرَ مَا صَلَّيْتَ عَلَى أحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ، وآتِهِ عَنَّا أفْضَلَ مَا آتَيْتَ أحَداً مِنْ عِبَادِكَ، واجْزِهِ عَنَّا أفْضَلَ وأكْرَمَ مَا جَزَيْتَ أحَداً مِنْ أنْبِيَائِكَ عَنْ امَّتِهِ!
ونلحظ هنا أنّ كلمة آله لو كانت جزءاً من الأصل، لكان مناسباً أن تأتي الضمائر بصورة الجمع، أي: آتِهِمْ، واجْزِهِمْ عَنَّا، وتبدو الجملة الأخيرة غير مناسبة، وهي قوله: أحَداً مِنْ أنْبِيَائِكَ عَنْ امَّتِهِ، فكان مناسباً أن تكون كالآتي: أحَداً مِنْ أنْبِيَائِكَ وآلِهِ عَنْ امَّتِهِمْ.
الجواب: لو كانت الصلاة على محمّد وآل محمّد جملة ابتدائيّة استئنافيّة بدون عطفها على الجملة التي سبقتها، لكان مناسباً أن تأتي الضمائر بصورة الجمع. ولكنّ الطريف هنا هو أنّ اسم محمّد صلى الله عليه وآله ذُكر وحده في الجملة السابقة، وهذه الضمائر تعود إليه بعد ذكر الصلاة على محمّد وآله. فأنْعِم النظر!
وَأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ ورَسُولُكَ وخِيَرَتُكَ مِنْ خَلْقِكَ حَمَّلْتَهُ رِسَالتَكَ فَأدَّاهَا وأمَرْتَهُ بِالنُّصْحِ لُامَّتِهِ فَنَصحَ لَهَا، اللَهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ ... إلى آخره.
ونلحظ هنا أنّه قال في الدعاء للنبيّ بعد النطق بالصلاة عليه: اللهمّ آته عنّا أفضل ما آتيت أحداً من عبادك!
وحينئذٍ تكون العبارة في غاية الانسجام والبلاغة، وأنّى لأحد أن ينتقدها؟!
ومن الإشكال الوارد على موضوع صلواتها، فنقول له: نجد - على أيّ تقدير وبأيّ توجيه وتأويل - أنّ مواضع كثيرة من الصلاة الموجودة في «الصحيفة الكاملة» المشهورة غير موجودة في «الصحيفة» المكتشفة.
أو ينبغي أن نقول: إنّ الأصل هو الصحيفة المكتشفة التي تخلو من الصلاة، وإنّ هذه الصلاة قد زيدت في الصحيفة المشهورة، وإن لم تَعُدَّها جزءاً من الدعاء، بل حسبتها للتيمّن والتبرّك، فالإشكال يظلّ قائماً، وعلامة الاستفهام تظلّ مُثارة: مَنِ الذي أدخل هذه الإضافات في الصحيفة الأصليّة للتيمّن والتبرّك؟!
هل فعل الأئمّة المتأخّرون ذلك من عند أنفسهم؟ أم فعله علماء الشيعة في وقت متأخّر؟! متى اضيف إليها؟! ومَن الذي أضافه؟!
إن الإضافة إلى عبارة أحدٍ مهما كانت النيّة تعدّ دسّاً وتدليساً عند علماء الدراية، وهي حرام عقلًا وشرعاً.
ولمّا كنّا لا نستطيع أن نجمع بين صحّة حديث الصلاة، وصحّة عدمه، أي نقول: الصحيفة المشهورة صحيحة السند، والصحيفة المكتشفة كذلك، إذ نجمع بين المتناقضين، فلا بدّ أن نقول: إمّا حدث دسّ وتدليس في الصحيفة المشهورة فاضيفت إليها الصلاة؟! أو سقطت الصلاة من الصحيفة المكتشفة فاعتراها نقص؟! ويُجمِع علماء الدراية على أرجحيّة القول بعدم الزيادة، وتقديم أصل عدم الزيادة على أصل عدم النقيصة عند التعارض ولزوم الالتزام بأحدهما لا محالة.
فاستبان في ضوء هذا البيان أنّ خلوّ الصحيفة المكتشفة من الصلاة لا يمكن أن يعدّ امتيازاً لها، بل هو نقص في مقابل الصحيفة الكاملة، فلا اعتبار لها حينئذٍ.
ومن الإشكالات الواردة أيضا على شارح الصحيفة المكتشفة وناشرها في موضوع الصلاة هو أنّه قال: لمّا ذُكرت الصلاة في موضعين من تلك الصحيفة، لهذا لا يمكن أن يكون خلوّها من بقيّة الصلوات على سبيل التقيّة أو التعصّب. ولذا ينبغي أن نَعدّ تلك الزيادات على سبيل التيمّن والتبرّك.
الجواب هو: لما ذا لا يمكن أن يكون الإسقاط والحذف من وحي التعصّب؟ ولا فرق عند أهل السُّنّة بين ذكر موضعين من الصلاة، وبين ممارسة التعصّب وحذف جميع الصلوات، وإسقاط تتمّة رواية المقدّمة، ورؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله، وتفسيرها بملك الأمويّين.
كان رواة الصحيفة المكتشفة - كما رأينا - من الشافعيّة والحنفيّة، وهم مجهولون عندنا من حيث الوثوق. ونحن وإن قبلنا رواية السُّنّيّ العادل في مذهبه، ووثقنا بكلامه، لكنّ وثاقته تظلّ مجهولة عندنا. ما هو الدليل العقليّ والحجّة الشرعيّة لقبول قولهم وروايتهم في الصحيفة المكتشفة، مع عدم إحراز وثاقتهم؟!
إن تعصّب علماء العامّة في التدخّل في الروايات، وانتهاك المسلَّمات، وتحريف الأسناد والمتون ملحوظ إلى درجة يندهش معها كلّ رجل متتبّع في الجملة.
قال العالم المتتبّع والباحث المعظّم سماحة السيّد عبد العزيز الطباطبائيّ أعلى الله مقامه: وجدتُ في المكتبة الظاهريّة بدمشق نسخة من كتاب «تنزيه الأنبياء والأئمّة» للشريف المرتضى علم الهدى رضوان الله تعالى عليه، كان آخرها ناقصاً؛ إذ حُذف منها تنزيه الأئمّة. وكُتب في هامشها: لمّا كان هذا القسم باطلًا فقد مزّقته وألقيته في البحر.
كتب ذلك سنّيّ متعصّب كان قد قرأ الكتاب.
[1] الآية 34، من السورة 3: آل عمران.
[2] الآية 44، من السورة 18: الكهف.
[3] الآية 56، من السورة 33: الأحزاب. وانظر: «بحار الأنوار» ج 94، ص 48.
[4] الدعاء الثاني من «الصحيفة» بترجمة آية الله الشعرانيّ، ص 21.
[5] الدعاء الرابع والعشرون من هذه «الصحيفة» وكان من دعائه عليه السلام لأبويه عليهما السلام، ص 86 و87 ..