قال الله الحكيم في كتابه الكريم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، ن والْقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ، ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ، وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.[1]
تفسير آية: ن والْقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ
قال سماحة العلّامة الطباطبائيّ قدّس سرّه في تفسير هذه الآية: القلم معروف، والسطر (بالفتح فالسكون) وربّما يُستعمل بفتحتين- كما في «المفردات»- الصف من الكتابة؛ ومن الشجر، المغروس؛ ومن القوم، الوقوف. وفُلَانٌ سَطَرَ كذا: كتب سطراً سطراً.
أقسم سبحانه بالقلم وما يسطرون به. وظاهر السياق أنّ المراد بذلك مطلق القلم ومطلق ما يسطرون به، وهو المكتوب. فإنّ القلم وما يُسطر به من الكتابة من أعظم النعم الإلهيّة التي اهتدى إليها الإنسان يتلو الكلام في ضبط الحوادث الغائبة عن الأنظار والمعاني المُستكنّة في الضمائر؛ وبه يتيسّر للإنسان أن يستحضر كلّ ما ضرب مرور الزمان أو بُعد المكان دونه حجاباً.
وقد امتنّ الله سبحانه على الإنسان بهدايته إليهما وتعليمهما له فقال في الكلام: خُلِقَ الْإِنْسانُ عَلَّمَهُ الْبَيانَ،[2] وقال في القلم: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ.[3]
فقسمه تعالى بالقلم وما يسطرون قَسَمٌ بالنِّعمة، وقد أقسم تعالى في كلامه بكثير من خلقه بما أنّه رحمة ونعمة كالسماء والأرض، والشمس، والقمر، والليل، والنهار إلى غير ذلك، حتى التين والزيتون.
وقيل: «ما» في قوله: وما يَسْطُرُونَ مصدريّة. والمراد به الكتابة.
وقيل: المراد بالقلم، القلم الأعلى الذي في الحديث أنّه أوّل ما خلق الله. وما يَسْطُرُونَ ما يسطره الحَفَظة والكرام الكاتبون. واحتُمِل أيضاً أن يكون الجمع في يَسْطُرُونَ للتعظيم لا للتكثير، وهو كما ترى. واحتُمل أن يكون المراد ما يسطرون فيه، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظ. واحتُمل أن يكون المراد بالقلم وما يسطرون أصحاب القلم ومسطوراتهم، وهي احتمالات واهية.
قوله تعالى: ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، مُقسم عليه، والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم. والباء في بنعمة للسببيّة أو المصاحبة. أي: ما أنت بمجنون بسبب النعمة- أو مع النعمة- التي أنعمها عليك ربّك!
والسياق يؤيِّد أنّ المراد بهذه النعمة، نعمة النبوّة. فإنّ دليل النبوّة يدفع عن النبيّ كلّ اختلال عقليّ حتى تستقيم الهداية الإلهيّة اللازمة في نظام الحياة الإنسانيّة. والآية تردّ ما رموه به من الجنون، كما يُحكى عنهم في آخر السورة: ويَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ.
قوله تعالى: وإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ. الممنون من المنّ بمعنى القطع. يقال: مَنَّهُ السَّيْرُ مَنَّاً إذا قَطَعَهُ وأضْعَفَهُ، لا من المنّة بمعنى تثقيل النِّعمة قولًا.
والمراد بالأجر أجر الرسالة عند الله سبحانه، وفيه تطييب لنفس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم، وأنّ له على تحمّل رسالة الله أجراً غير مقطوع وليس يذهب سدى... .
قوله تعالى: وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، الخُلُق هو الملكة النفسانيّة التي تصدر عنها الأفعال بسهولة. وينقسم إلى الفضيلة وهي الممدوحة كالعفّة والشجاعة، والرذيلة وهي المذمومة كالشره والجُبن لكنّه إذا اطلق فُهم منه الخُلُق الحَسَن... .
وقال في البحث الروائيّ: في «معاني الأخبار» بإسناده عن سُفيان بن سعيد الثوريّ، عن الصادق عليه السلام في تفسير الحروف المقطّعة في القرآن قال: وأمّا «ن» فهو نهر في الجنّة، قال الله عزّ وجلّ: اجمد! فجمد فصار مداداً، ثمّ قال للقلم: اكتب! فسطر القلم في اللوح المحفوظ ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة. فالمداد مداد من نور، والقلم قلم من نور، واللوح لوح من نور.
قال سُفيان: فقلت له: يا ابن رسول الله! بيِّن أمر اللوح والقلم والمداد فضل بيان! وعلّمني ممّا علّمك الله! فقال: يا بن سعيد! لو لا أنّك أهل الجواب ما أجبتُك! فنون مَلَكٌ يُؤدّي إلى القلم وهو مَلَك. والقلم يؤدّي إلى اللوح وهو مَلَك. واللوح يؤدّي إلى إسرافيل، وإسرافيل يؤدّي إلى ميكائيل، وميكائيل يؤدّي إلى جبرائيل، وجبرائيل يؤدّي إلى الأنبياء والرُّسُل. قال: ثمّ قال: قم يا سفيان فلا آمن عليك (من الحكومة الجائرة لجلوسك هنا).[4]
ظهر من كلام سماحة الاستاذ أنّ المراد بالقلم أنواعه جميعها؛ والقصد من المسطورات ضروبها كلّها، فلا قلم خاصّ ولا كتابة خاصّة هنا.
ولمّا كنّا نعلم أوّلًا أنّ الله أقسم بالقلم والكتابة، وثانياً أنّ المُقسَم عليه الذي جاء القسم لتوطيده وتعزيز ثباته هو استقامة عقل النبيّ الأكرم ونعمة نبوّته، وجزاؤه الأبديّ، وخُلقه العظيم وأخلاقه الجليلة، فلهذا نجد أنّ للقلم والكتابة مهما كانا وكيفما تحقّقا أهمّيّة عظيمة وقيمة رفيعة. ذلك أنّ الله أراد بهذين الأمرين المهمّين أن يثبت لنبيّه المقامات والدرجات والفيض الأزليّ الأبديّ السرمديّ. وعلى هذا نلاحظ أنّ الله تقدّست أسماؤه أولى اهتماماً كبيراً بهما في هذه الآية بنحو مطلق.
وما هذه العلوم القريبة المنال كلّها إلّا بفضل القلم والكتابة. ولو لا هما لكان عالمنا هذا أسير الظلمات والجهل وعمى البصيرة، ولغرق في الأمواج المرعبة الهادرة واللجج الغامرة والزوابع الجارفة.
وإذا أنعمنا النظر نجد أنّنا إذا قدّرنا علومنا الحاليّة المودعة في ذخائر الكتب والمكتبات في العالم والمدوّنة بالقلم، وقسنا وجود كلٍّ منها وعدمه على حِدة، فإنّنا نلمس هذه الموهبة العظيمة. والحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ إذ خلق الإنسان، وزيّنه بقوّة العلم بواسطه القلم والكتابة. وجعل العلوم المعنويّة والكتب السماويّة والقرآن الكريم و«نهج البلاغة» و«الصحيفة السجّاديّة» والكتب الفقهيّة والتفسيريّة والحكميّة والعرفانيّة مع العلوم الطبيعيّة الواقعة في طريق الكمال ومقدّمته المتحقّقة كلّها بواسطة القلم والكتابة في مسير كمال الإنسان ليرفعه من أسفل السافلين إلى مقام «الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ»،[5] فَشُكْراً لَهُ ثُمَّ شُكراً.
[1] الآيات 1 إلى 4، من السورة 68: القلم.
[2] الآيتان 3 و4، من السورة 55: الرحمن.
[3] الآيتان 4 و5، من السورة 96: العلق.
[4] «الميزان في تفسير القرآن» ج 20، ص 25 إلى 35، تفسير سورة القلم.
[5] سورة التين، وهي السورة الخامسة والتسعون من السور القرآنيّة: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، والتِّينِ والزَّيْتُونِ، وطُورِ سِينِينَ، وهَذَا البَلَدِ الأمِينِ، لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أسْفَلَ سَافِلِينَ، إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدِّينِ، ألَيْسَ اللهُ بِأحْكَمِ الْحَاكِمِينَ.