ما المراد من قول أمير المؤمنين (عليه السلام): ((عَرَفْتُ اللهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ، وَحَلِّ الْعُقُودِ، وَنَقْضِ الْـهِمَمِ))؟
بقلم/ الشيخ محمد صنقور
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد
مفاد الحديث - ظاهراً - أنَّه قد يجدُ الإنسانُ من نفسِه أنَّه يعقد العزمَ على فعلِ شيءٍ ويجدُ في نفسِه رغبةً شديدة في تحقيقه، ولا يجدُ عائقاً دون التوصُّل إليه، ثم لا يلبثُ أنْ يجدَ في نفسِه صارفاً يصرفُه عن فعل ذلك الشيءِ رغم قدرتِه على فعلِه ورغم أنَّه كان شديدَ الرغبة في التوصُّل إليه، ثم يبحثُ عن ذلك الصارف فلا يجدُ له من سببٍ ظاهرٍ سوى أنَّه خاطرٌ خطَر في نفسِه فصرَفَه عن عزمِه الذي كان قد عقد قلبَه على فعلِه.
فمثلاً يجدُ الإنسان من نفسِه أنَّه عقد العزمَ على السفر، ويجدُ في ذلك رغبةً ملحَّة، ويجدُ الأسباب كلَّها متوافرة لتحقيق هذه الرغبة ثم لا يلبثُ أنْ يخطرَ في نفسِه خاطرٌ يصرفُه عن عزمه ويُحوِّل تلك الرغبة المؤكَّدة في الفعل إلى رغبةٍ في الترك دون أنْ يعرف لذلك سبباً، فذلك هو معنى فسخ العزائم ونقض الهِمَم. أي زوال العزائم بعد رسوخها في النفس.
فالإمام (عليه السلام) - بحسب ظاهر الرواية - أفاد بأنَّ انفساخ العزيمة - دون سببٍ معقول - بعد رسوخها والتصميم عليها يكشف عن أنَّ ثمة مَن يتصرَّف في قلبك وعزائمك عن غير اختيارٍ منك.
وأمَّا كيف يكون ذلك طريقاً لمعرفة الله تعالى فلأنَّ هذا الصارفَ الذي طرأ على النفس فنقض العزيمةَ المعقودة والمؤكَّدة إمَّا أنْ يكون قد نشأ عن الالتفات إلى سببٍ مرجِّحٍ كان مغفولاً عنه فلمَّا توجَّهتْ له النفس انتقضَ العزمُ السابق، وفي هذا الفرض يكون انتقاض العزم قد نشأ عن سببٍ ظاهرٍ، فليس هو المقصود ممَّا أفاده الإمام (عليه السلام)، والفرضُ الآخر هو أنْ يطرأ الصارفُ على النفس فينتقضُ العزم وتنحلُّ الرغبة دون أنْ يجدَ الانسانُ سبباً لذلك رغم الفحص والتأمُّل، فتلك هي إرادة الله تعالى التي تتصرَّف في القلوب كيف تشاء، إذ لا يمكن أنْ يحدثَ صارفٌ دون مُحدِّث، فإذا لم يحدثْ مِن فعل الانسان وترجيحِه - بحسب الفرض - تعيَّن حدوثُه من مسبِّبِ الأسباب من غيرِ سبب، وهذا هو أحد معاني الدعاء المأثور (اللهم مُقلِّبَ القلوب) (1).
وثمّة احتمالٌ آخر لمفاد الرواية الشريفة وهو أنَّه قد يعقدُ الإنسانُ العزم على فعلِ أمر، وتكون الأسبابُ لإنجازه كلُّها متوافرة، فلا يشكُّ في أنَّ ما عزم على فعلِه سوف يتحقَّق، إذ أنَّ أسباب وقوعه متوافرة والموانعُ من وقوعه منتفية فيتفاجأ بحدوث أمرٍ لم يكن مُحتسباً فيحولُ دون وقوع ما عزم على فعلِه، فينتقض ما كان قد أبرمه وعزم عليه ولم يشك في وقوعه.
فمعنى فسخ العزائم هو انتقاض المعزومات المُبرَمة وتبددُّها وامتناعُ وقوعها، ولعلَّ هذا المعنى هو المُستظهَر ممَّا رواه الشيخُ الصدوقُ في (الخصال) بسندٍ معتبرٍ عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعتُ أبي يُحدِّث عن أبيه (عليه السلام) أنَّ رجلاً قام إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: يا أميرَ المؤمنين بِمَ عرفْتَ ربَّك؟ قال: بفسخِ العزمِ ونقضِ الهمِّ، لمَّا أنْ هممتُ فحال بيني وبين همِّي، وعزمتُ فخالف القضاءُ عزمي فعلمتُ أنَّ المدبِّر غيري (2).
ففسخُ العزم بمعنى انتقاض المعزوم عليه وامتناع تحقُّقِه رغم الإيجاد لأسبابه والنفي لموانعه، فيحسب الانسانُ أنَّه بإيجاد الأسباب ونفي الموانع سيتوصَّلُ إلى بلوغ معزومه فإذا به يتفاجأ أنَّ ما عزم عليه قد حال دون وقوعه حائلٌ غيرُ مُحتَسب وهو ما يكشفُ عن أنَّ التدبير في منتهى الأمر لغيره، وأنَّ الشيء غيرُ قابلٍ للوقوع ما لم يقضِ الله تعالى ويشاء وقوعه وامضائه؛ فأزمَّة الأمور كلِّها بيده جلَّ وعلا ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: 123]، يقولُ الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ..﴾ [الكهف: 23 - 24]، فالعزمُ على الفعل من أيٍّ كان والإيجاد لأسبابه لا يُنتج حتميَّة الوقوع فإنَّ الله تعالى إذا لم يشأ وقوعه فإنَّه لن يقع وإنْ تظاهر وتآزرَ واجتمعتْ إرادةُ المخلوقين برمَّتهم على فعله.
والحمد لله ربّ العالمين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح المتهجّد، الشيخ الطوسي، ص47.
(2) الخصال، الصدوق، ص33، وأورده الشيخ الصدوق في (التوحيد) من طريق آخر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ص 288؛ مختصر بصائر الدرجات، الحسن بن سليمان الحلي، ص132.
1
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)