
يعتقدُ بعضُهُم أنَّ وداعَ شهرِ رمضانَ يعني وداعَ الحالاتِ الرُّوحيَّةِ التي اكتُسِبَتْ فِيهِ، أو وداعَ الأعمالِ العِبَادِيَّةِ والطَّاعَاتِ التي كانَ يقومُ بِهَا بِفَضْلِ هذا الشَّهرِ المبارَكِ، مثلُ كثرةِ تلاوةِ القرآنِ العظيمِ والتَّهَجُّدِ وغيرِهِمَا، وهذا رأيٌّ خاطئٌ؛ فما يجبُ علينَا هو المحافظةُ على استمراريَّةِ هذهِ الأعمالِ والسعيُ في تطويرِهَا.
إنَّ وداعَ هذا الشهرِ الفضيلِ يعني توديعَ الشهرِ نفسِهِ، أعني توديعَ زمنٍ هو أشرفُ الأزمنةِ، شهرٌ كانَ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ خيرًا على المؤمنِينَ المُتَّقِينَ والمُذنبِينَ.
فَخَيْرُهُ على المؤمنِينَ كانَ في الاستمتاعِ بالضّيافِةِ الإلهيَّةِ وازديادِ الفيوضاتِ الربَّانيَّةِ والتنعُّمِ بالرَّحمةِ الرحيميَّةِ والتّضاعُفِ في ثوابِ العباداتِ؛ إذ قراءةُ آيةٍ واحدةٍ مِنَ القرآنِ الكريمِ فيهِ تُعادِلُ ختمةً كاملةً.
وأمَّا خَيرُهُ للمُذنبِينَ ففي إجبارِهِم على تقليلِ الذنوبِ أو تركِهَا إذ هُم صائمونَ نهارَهُ وخائفونَ من هَتْكِ حرمتِهِ بارتكابِهِم الذنوبَ فيهِ، فكَم مِن شخصٍ يُمسِكُ لسانَهُ عَنِ الغيبةِ فيهِ! وكَم مِن فتاةٍ تُرَاعِي حِجَابَهَا فِيهِ! وكَم مِن شابٍّ يُسَيطِرُ على شهواتِهِ فِيهِ! كما أنَّ هناكَ مَن لا يُصلِّي ولا يقرأُ القرآنَ إلّا في شهرِ رمضانَ.
إذاً هو شهرُ خيرٍ وبركةٍ للمُذنبِينَ كما هو شهرُ ضيافةٍ وإكرامٍ للمؤمنِينَ المُتَّقِينَ، فللمُتَّقِينَ علوٌّ في الدرجاتِ، وللمُذنبِينَ تَرْكٌ للذنوبِ وفُرْصَةٌ للتعبُّدِ والأُنْسِ بالقرآنِ العظيمِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منقول بتصرّف "يسير" من مقالة في موقع الشيخ إبراهيم الأنصاريّ البحرانيّ.