0

بمختلف الألوان
(نحن أمواج من ذات البحر) بضع كلمات كتبت على صناديق مفردات طبية أرسلها الصينيون لإيطاليا لتساعدهم على مصارعة وباء بات يضرب بالكثير من بقاع الأرض. ولعل هذا الموقف جاء مماثلاً للمبادرة (الإنسانية) التي جسدها اليابانيون حين أرسلوا مواد طبية الى الصين لحظة تفشي الوباء عندهم، كتبوا على صناديقها بيتاً من... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
حدُّ الصدقة الاعتدال: لا بخل ولا إسراف

منذ 3 اسابيع
في 2026/09/17م
عدد المشاهدات :281

حسن الهاشمي
الصدقة في الإسلام ليست مجرد مالٍ يخرج من يد الغني إلى يد المحتاج، وإنما هي عبادةٌ تُزكّي النفس، وتطهّر المال، وتبني جسور الرحمة بين أفراد المجتمع، غير أن هذه العبادة، كما سائر العبادات، لا تُترك للأهواء والانفعالات، بل تضبطها شريعةٌ أرادت للإنسان أن يكون كريمًا من غير تبذير، ومعطاءً من غير أن يضيّع ما أوجب الله عليه من حقوق.
ومن هنا كان حدُّ الصدقة الاعتدال؛ فلا بخلٌ يحبس الخير، ولا إسرافٌ يبدّد المال ويوقع الإنسان في العجز والحاجة، وقد رسم القرآن الكريم هذا الميزان بدقة بالغة، فقال تعالى في وصف عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا) الفرقان: 67. فلم يجعل القرآن الكريم العطاء مرتبطًا بكثرة ما يُنفق الإنسان، وإنما ربطه بالحكمة والقوام؛ لأن المال أمانة، والإنفاق مسؤولية، والإنسان مأمور بأن يحسن التصرف فيما رزقه الله تعالى.
بين البخل والإسراف
البخل يغلق أبواب الخير، ويجعل المال غايةً بدل أن يكون وسيلةً للخير، وقد يملك الإنسان الكثير، ولكنه يعيش فقير النفس؛ يرى حاجة المحتاج أمامه، ثم يغلق يده وقلبه معًا، وهذا النوع من الإمساك يحرم صاحبه من بركة العطاء، ويضعف روح التكافل في المجتمع.
وعلى الجانب الآخر يأتي الإسراف؛ وهو أن يتحول حب الخير إلى اندفاعٍ غير منضبط، فيعطي الإنسان فوق قدرته، أو ينفق في غير موضعه، أو يضيّع حقوق من تجب عليه نفقتهم، ثم يجد نفسه عاجزًا عن الوفاء بما عليه من مسؤوليات.
لذلك لم تكن الفضيلة في أن تعطي كل ما في يدك، ولا في أن تمسك كل ما في يدك، وإنما الفضيلة في أن تعرف متى تعطي، ولمن تعطي، ومقدار ما تعطي، وما الذي يبقى عليك من الحقوق والواجبات.
الاعتدال لا يعني قلة العطاء
وقد يُساء فهم الاعتدال، فيُتخذ ذريعةً للبخل، مع أن الاعتدال لا يعني أن يعطي الإنسان القليل دائمًا، بل يعني أن يكون عطاؤه متناسبًا مع قدرته وحاجته ومسؤوليته.
فالغني القادر ليس كمن دخله محدود، ومن كانت له مسؤوليات كثيرة ليس كمن لا يعول أحدًا، ولذلك كان من أجمل معاني الصدقة أن يبقى الإنسان قادرًا على الاستمرار في الخير؛ لأن العطاء المستدام أعمق أثرًا من عطاءٍ عابر يورث صاحبه الندم أو العجز.
إن اليد الكريمة ليست اليد التي تفرغ ما فيها بلا حساب، وإنما اليد التي تعرف كيف تجعل مما في يدها حياةً للآخرين، مع المحافظة على كرامة صاحبها وحقوق من يعولهم.
الصدقة بين تزكية النفس وحفظ الحقوق
الصدقة مدرسةٌ لتربية الإنسان على التحرر من عبودية المال، لكنها في الوقت نفسه تعلّمه أن المال له حقوق ومسؤوليات، فالإنسان لا يعيش لنفسه وحدها، كما أنه لا يُطلب منه أن يهدم حياته من أجل العطاء، ولهذا جاء القرآن الكريم جامعًا بين الإنفاق وعدم التبذير، فقال تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) الإسراء: 29. فاليد المغلولة صورةٌ للبخل، واليد المبسوطة كل البسط صورةٌ للإسراف، وبينهما طريقٌ ثالث هو طريق القوام والاعتدال.
ليس كل إنفاقٍ صدقةً بالمعنى الذي يحقق غايتها التربوية والاجتماعية؛ فقد تكون الصدقة النافعة هي التي تسد حاجةً حقيقية، أو ترفع كربةً، أو تعين إنسانًا على الوقوف من جديد، أو تحفظ أسرةً من السؤال.
ومن هنا ينبغي أن يقترن العطاء بـالبصيرة؛ فالمؤمن لا يعطي بدافع العاطفة وحدها، وإنما يبحث عن موضع الحاجة، ويقدّم الأهم فالمهم، ويراعي كرامة المحتاج، ويختار من أبواب الخير ما يكون أكثر نفعًا وأبقى أثرًا، فالصدقة الحكيمة ليست مجرد إخراج المال، بل هي فنّ تحويل النعمة إلى رحمة، والمال إلى حياة، والقدرة إلى خدمة.
الاعتدال يحفظ للصدقة استمراريتها
ومن أجمل ثمار الاعتدال أن الإنسان يستطيع أن يجعل الصدقة جزءًا ثابتًا من حياته، لا موقفًا موسميًا أو انفعالًا مؤقتًا، فيقتطع من ماله شيئًا للفقير، وشيئًا للرحم، وشيئًا للمشاريع الخيرية، ويظل باب العطاء مفتوحًا بحسب استطاعته، وهكذا تتحول الصدقة من فعلٍ عابر إلى ثقافةٍ راسخة، ومن إحسانٍ فردي إلى روحٍ اجتماعية، ومن مبلغٍ يُدفع إلى أثرٍ يبقى.
إن المجتمع الذي يسود فيه البخل مجتمعٌ تتسع فيه الفجوات، والمجتمع الذي يسود فيه الإسراف مجتمعٌ يبدّد موارده، أما المجتمع الذي يعرف ميزان الاعتدال فإنه يحفظ المال وينمّي الخير، ويجعل من الثروة وسيلةً للتكافل لا سببًا للتفاوت القاسي.
إن حدَّ الصدقة ليس كثرة المال ولا قلته، وإنما صدق النية، وصحة القصد، وحكمة الإنفاق، ومراعاة الحقوق والقدرة، فلا خير في يدٍ مغلقةٍ عن المحتاج، ولا حكمة في يدٍ تنفق حتى تعجز عن واجباتها، إنما الجمال أن تكون اليد كريمةً بلا تبذير، رحيمةً بلا ضعف، معطيةً بلا منّ، معتدلةً بلا بخل.
وهكذا يرسم الإسلام للصدقة طريقًا وسطًا: لا بخلٌ يحبس الخير، ولا إسرافٌ يضيّع النعمة، وإنما قوامٌ يحقق للمال رسالته، وللنفس تزكيتها، وللمجتمع رحمته وتكافله، فليكن شعار المؤمن في عطائه: أن يعطي مما رزقه الله، بقدر ما يستطيع، وفي الموضع الذي يحتاج، وبالطريقة التي تحفظ للنعمة بركتها وللمحتاج كرامته.
المعتدي في الصدقة كمانعها
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (المعتدي في الصدقة كمانعها) كنز العمال: ١٦٢٤٦. ليست الصدقة في ميزان الإسلام مجرد بذلٍ للمال، وإنما هي عبادةٌ لها آدابها وحدودها وغاياتها؛ ولذلك لا يكفي أن يفتح الإنسان يده بالعطاء، بل لا بد أن يعرف كيف يعطي، ولمن يعطي، ومقدار ما يعطي، فكما أن منع الصدقة وحبس المال عن مستحقه قد يكون قسوةً وإمساكًا للخير، فإن تجاوز الحد في الإنفاق قد ينقلب هو الآخر عن مقصده، فيصبح الإنسان معتديًا على ماله وحقوق من تلزمه نفقتهم.
فالصدقة عبادةٌ تقوم على التوازن، ومن فقد ميزانها بين البخل والإسراف فقد ابتعد عن روحها، وإن بدا في الظاهر أنه كثير العطاء، فالإنفاق المحمود هو الذي يقع بين طرفين مذمومين: التقتير والإسراف، لا يغلق الإنسان يده حتى يحرم المحتاج، ولا يفتحها على نحوٍ يضيّع المال والحقوق.
قد يظن بعض الناس أن كثرة الصدقة فضيلةٌ في كل حال، وأن الإنسان كلما أعطى أكثر كان أقرب إلى الله، بينما الشريعة لا تنظر إلى كثرة الإنفاق مجردةً عن ظروف الإنسان وواجباته، فإذا أعطى الإنسان مالًا يحتاج إليه في نفقة واجبة، أو أضرّ بأسرته ومن تلزمه نفقتهم، أو أنفق بطريقةٍ تؤدي إلى التضييع والتبذير، فقد خرج بالعطاء عن مقصده الصحيح.
إن الصدقة لا تُبنى على هدم الواجبات، ولا يكون الإحسان إلى الآخرين على حساب ظلم من هم تحت مسؤولية الإنسان، فالخير لا يُطلب من طريقٍ يفضي إلى شر، والصدقة لا ينبغي أن تكون سببًا في تضييع حقّ واجب.
وفي الطرف الآخر يقف من يجعل المال غايةً لا وسيلة، فيرى المحتاج ولا يتحرك قلبه، ويعلم أن في ماله حقًا للسائل والمحروم، ثم يحبس ماله ويمنع خيره، وهذا المنع ليس مجرد امتناعٍ عن إخراج مبلغٍ من المال، بل قد يكون حرمانًا للفقير من حاجةٍ ضرورية، وإضعافًا لجسر التكافل بين أفراد المجتمع، فالمال نعمةٌ استخلف الله الإنسان عليها، ومن تمام شكرها أن يؤدي منها الحقوق، وأن يجعل منها نصيبًا للخير والإحسان.
الصدقة أمانة قبل أن تكون عطاءً
بين يدٍ لا تعطي، ويدٍ تعطي بلا حساب، يأتي الإسلام بمنهجٍ وسط: يدٌ كريمةٌ واعية، تعطي الفقير، وتحفظ حق الأسرة، تغيث المحتاج، ولا تهدر المال، تسارع إلى الخير، ولا تتجاوز القدرة، تنفق ابتغاء وجه الله، ولا تجعل العطاء بابًا للرياء أو التبذير، وهنا تظهر حكمة قوله تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأعراف: 31. فالاعتدال لا يعني البخل، كما أن الكرم لا يعني الإسراف؛ وإنما الكرم الحقيقي أن تعطي بوعي، وتبذل بحكمة، وتضع المال في موضعه الذي يرضي الله وينفع عباده.
إن أجمل ما في الصدقة أنها تحرر الإنسان من عبودية المال، لكنها لا تعفيه من مسؤولية المال، فالإنسان مؤتمن على ما في يده، ومن الأمانة أن يعرف حقوقه وحقوق غيره، ولهذا فإن الصدقة الرشيدة هي التي تحقق ثلاث غايات متوازنة: تزكية النفس، وإغاثة المحتاج، وحفظ الحقوق، فإذا تحولت الصدقة إلى بخلٍ فقدت روحها، وإذا تحولت إلى إسرافٍ فقدت حكمتها، وإذا اقترنت بالمنّ والأذى فقدت أثرها الأخلاقي.
إن المعتدي في الصدقة كمانعها من حيث إن كليهما قد يخرج بالإنفاق عن مقصده الشرعي؛ فهذا يعتدي بالمنع وحبس الخير، وذاك يعتدي بالتجاوز والتضييع، وبينهما يقف المؤمن على طريق القوام، يعطي ولا يبخل، وينفق ولا يسرف.
فالصدقة ليست أن تفرغ يدك، وليست أن تغلقها؛ وإنما أن تفتحها حيث ينبغي، وبقدر ما ينبغي، ولمن ينبغي، وهكذا يكون المال في يد المؤمن وسيلةً للرحمة لا للحرمان، وللإعمار لا للتضييع، وللتكافل لا للفوضى؛ ويكون العطاء عبادةً تجمع بين سخاء القلب، وحكمة العقل، وحفظ الحقوق.

اعضاء معجبون بهذا

كَلِمَةُ الْمُعَلِّمِ.. أَثَرٌ يَتَجَاوَزُ الزَّمَن
بقلم الكاتب : صادق مهدي حسن
مهنة التعليم ليست مجرد وظيفة نؤديها لتقاضي أجر، ولا هي تسلسل لدروس ونصوص تُنسخ من السبورة إلى الدفاتر، بل هي عملية تشكيل هادئة للوعي الإنساني. أن تكون أستاذًا، يعني أن تُدرك تمامًا أن الكلمة التي تقولها اليوم في غفلة من الوقت، قد تصبح ذكرى ترافق تلميذك لسنوات طويلة، وتتحول إلى بوصلة تُوجّه حياته دون... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا... المزيد
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة روايات كثيرة...
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...


منذ 3 ايام
2026/10/06
يُعد خزن مياه الأمطار من الأساليب المهمة في استثمار الموارد المائية، لأنه يسمح...
منذ 3 ايام
2026/10/06
الأرق ليس مجرد عدم القدرة على النوم، بل هو حالة تتداخل فيها الكيمياء العصبية مع...
منذ اسبوعين
2026/09/28
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وثمانية عشر: مبدأ التكافؤ الضعيف: من سقوط...